متابعات

المنتج نبيل طعمة : كرة ثلج سينمائية سورية تتدحرج

في السادس من شباط الجاري ، شهدت العاصمة السورية حدثين سينمائيين مهمين ، فقد دشن وزير الثقافة السوري الدكتور رياض عصمت صالة "كندي دمر" ، وعرض فيها بهذه المناسبة الفيلم السوري الجديد " دمشق مع حبي" للمخرج محمد عبد العزيز في عرض أول له في دمشق . الفيلم يشكل حدثا بحد ذاته ، من خلال سرد حكاية هالة ألبير مزراحي وإصرارها على أن تعيش قصة حبها ( المفقودة ) بين حواري دمشق العتيقة . وإن كانت قصة الفتاة اليهودية تقف عند هذه الأسوار الجديدة التي يكشف عنها  عبد العزيز في فيلمه الروائي الطويل الثاني ، فإن  حكاية أخرى يثيرها الفيلم ، وهذه المرة من خلال المنتج السوري نبيل طعمة ، صاحب شركة الشرق للإنتاج الفني ، الذي يغامر هنا مغامرة سينمائية تحسب له من دون شك ، فالمغامرة التلفزيونية استوفت شروط البقاء والاستمرارية ، أما السينما ، فهي موضوع مختلف ، فالقطاع الخاص السوري ما يزال مستنكفا عن الخوض في إهاب هذه المغامرة الإنتاجية الخطرة ، أو هو ما يزال مترددا وغير متعجل ، وبخاصة أن تجربة ( ريل فيلم ) العائدة للمخرج هيثم حقي توقفت عن مغامرتها لأسباب لا تبدو لنا واضحة تماما . هنا حوار مع الدكتور نبيل طعمة منتج الفيلم السوري ( دمشق مع حبي ) دار معه على هامش العرض السوري الأول له  في ضاحية دمر القريبة من دمشق

**********

* المشروع السينمائي الذي تمضي به هل هو بمعنى ما ( ورطة ) في بلد لاينتج سينما ؟
لا يمكن تعميم كلمة ورطة ، فنحن نقول إن هناك مشروعا سينمائيا يجب العمل على إخراجه للنور ، كون جغرافية وطبيعة سوريا وإرثها الثقافي الكبير والمتنوع والمتعدد والمؤّمن بفسيفسائية منقطعة النظير تستحق مشروعا سينمائيا . الورطة نتداولها حينما ندخل في مشروع فاشل لا يمتلك معطيات ووجهة محددة ، ويمكن تعميم المصطلح حين يكون الاتجاه إلى فردية معينة أو لون واحد . نحن في عملنا من أنصار الجمع الذي يحدث ( اللمع ) لاالفرقة التي تؤدي إلى الورطات إن جاز استخدام التعبير . المشروع السينمائي تحت عنوان كلمة مشروع هو حق للجميع ومطلوب من الجميع ، وأقصد بالجميع كل مالكي الرؤى الإستراتيجية ولغة الحب والإمكانات المادية الذين يتوجب عليهم الإسهام بهذا المشروع السينمائي ، فالسينما أقوى وأهم من الدراما بكثير كونها تشكل ذاكرة إنسانية تعيش مديدا تحت مسمى الرؤيا البصرية ، وبما أنها حاضنة للفنون التي سبقتها ، فإنها تعني التلوين ، ولهذا اتجهنا في سعي المؤمن بأن ننتج سينما سورية حقيقية ، لا تشكل ورطة لأحد أبدا .

* لماذا جرى كل هذا التأخر في الانطلاق بهذا المشروع ؟
لم نتأخر ، وإنما كانت هناك محاولات ، وأنت تعرف جيدا أننا ننتج في الدراما وحققنا من خلالها حضورا مهما من خلال أعمال مثل هولاكو والشتات وغزلان في غابة الذئاب ونزار قباني وأشواك ناعمة . وكنا في هذه الأثناء نتطلع إلى السينما ، حيث أنتجنا في 2004 فيلم ( الصورة ) عن فلسطين ، وأنتجنا في 2007 فيلما اجتماعيا تلفزيونيا قصيرا . ولكن المحاولات الحقيقية بدأت أيضا في 2007 ، حينما أسهمنا بإنتاج فيلم ( سبعة كيلو متر من القدس ) مع شركة ايطالية ، حيث صور منه نسبة أربعين في المائة في سوريا ، واعتبر الفيلم جسر ثقافة بين الشعوب ، وحصدنا من خلاله جائزة جان روش العالمية . وفي 2008 التقيت بالمخرج محمد عبد العزيز ، المخرج الشاب الطموح ، وكان لقاؤنا فكريا وسينمائيا ، فأنجزنا فيلم ( نصف ملغ نيكوتين ) ، والذي حصل على جوائز مهرجان باري في ايطاليا متفوقا على  مجموعة أفلام عالمية أنتجت في دول حوض البحر الأبيض المتوسط ، ومنها فيلم حديقة الليمون والرقص مع بشير الحاصلين على جوائز مهرجان برلين .

 هذه الرؤيا اتضحت كثيرا بعد أن شعرنا بحجم الاهتمام الرسمي والشعبي ولفت الأنظار عالميا إلى ما ينتج في سورية ، فكانت الخطوة الثابتة النهائية لصورة المشروع السينمائي مع فيلم (دمشق مع حبي ) . إذن هو مشروع يجيء ضمن الطموح بعودة السينما السورية بقوة كون  سوريا تستحق أن يكون لها سينما حقيقية . سينما تتواصل مع الجماهير ولها أفكارها أيضا ، فنحن لسنا من أنصار السينما الشعبية ، وانما من أنصار السينما الجماهيرية ، وهناك فرق شاسع بين ما هو شعبي ، وما هو جماهيري كما أعتقد  ، فلا يقال شعب سينمائي وإنما جمهور سينمائي .

* هناك دأب في القول يتردد في أدبيات السينما السورية عن محاولات استعادة الطقس السينمائي والجمهور والصالات ... ماذا تحملون أنتم أيضا في هذا الصدد ؟
الخلل الحقيقي يكمن برأينا في ندرة الإنتاج , اذ لا يمكن أن تحمّل الجمهور مسؤولية النهوض بالواقع السينمائي ، وإنما من يتحملها هو الظروف المحيطة بالعملية الإنتاجية ، أي وجود الصالات ، والرقابة السينمائية ، وبمعنى أدق على الرقيب هنا أن يتفهم هذه العملية ، أي أن لا يعمل على عرقلتهن ، فالسينما الجماهيرية تحتاج إلى الانفتاح الفكري الكبير كي تعيش السينما في الذاكرة . وتجيء هنا اندفاعة المنتج وتحول قناعاته من تفكير مادي إلى تفكير إنتاجي خلاق يدر عليه أرباحا . وأنا اؤمن بحق المنتج بالربح ، ومؤمن بتقديم سينما حقيقية تحترم جمهورها . وأعتقد ان هناك مشكلة مكرسة في التصور العربي للمنتج السينمائي ، بعكس أوروبا وبقية دول العالم حيث يكون المنتج أهم جزء في الفيلم ، فيما ينظر له في عالمنا العربي كونه حالة مادية لاأكثر . هذه خطيئة كبرى أسهم أيضا المنتجون العرب في رسمها والترويج لها . لسنا وحدنا الذين ننتج في سورية . نحن جزء من عملية يجري التحضير لها ، فهناك من سبقنا ، وكان له إسهامات حقيقية في صناعة السينما السورية . صحيح  أن المؤسسة العامة للسينما تتمتع بميزات إنتاجية هائلة لكنها لم تنتج إلا القليل . تباطأت حركتها الإنتاجية في العشرين سنة الأخيرة ، فيما اتجه كثر في ظل هذا الشحّ الإنتاجي نحو صناعة الدراما التي حققت حضورا لافتا وحقيقيا على مستوى العالم العربي . وأعتقد أن المحاولات التي اتسعت ضمن الشركات الإنتاجية لابد أن تثمر قريبا عن حضور سينمائي سوري فاعل على مستوى عربي وأوروبي ، فالطموحات في بدايتها ويكفي توحيد الجهود كي لا تبقى مجرد إحالات فردية وطفرات تشتعل جذوتها وتخبو من حين لآخر ، ونحن اليوم نقف ضمن هذه التركيبة الإنتاجية الجديدة .

* هناك محاولات خاصة توقفت مثل مشروع هيثم حقي ، وهذا يعني أن هذه التركيبة الإنتاجية الجديدة ما تزال تعاني خلالا في مكان ما ؟
لا أعرف ما إذا توقف مشروع ريل فيلم ، وما أعرفه أننا سعدنا حين وجدنا الأستاذ هيثم حقي يندفع نحو إنتاج أفلام سينمائية ، رغم الإدراك أنه لم يكن مشروعه الخاص ، وإنما مشروع جهات إنتاجية لها علاقة بالتقدم والتراجع والعائد والنجاح والفشل .

* ألا يوجد خشية من قبلكم بأن يتوقف هذا المشروع أيضا لسبب أو لآخر ؟
طبيعي جدا أن نمتلك هذه الخشية ، وطبيعي أكثر الالتفات إلى دورة رأس المال في هذه العملية الإنتاجية ، كما هو الحال مع الدراما . ولكن حين تقرر أن تتصدى لمشروع طموح مثل هذا المشروع ، فإنك تعني أيضا الإشارة إلى الدورة البطيئة للرأسمال المستثمر في هذه العملية الإنتاجية ، فثمة سينما تدور على مدى سنوات وتحقق عائدا ماليا جيدا وحضورا سينمائيا من خلال الجوائز ، ومن لا يدرك ويهيئ الأسباب والبنى التحتية يخرج بسرعة . هناك كثر حاولوا إنتاج فيلم أو مسلسل باعتقادهم أنهم سيستردون رأس المال بسرعة قياسية ، فلم ينجحوا وخرجوا من المعادلة بأسرع مما يتوقعون ، وهذا كثيرا ما يحدث تحت مسمى الإغراء اللاواعي . العملية الإنتاجية في السينما تحتاج إلى تخطيط استراتيجي بعيدة المدى ، من لا يتسلح بهذه المعرفة أو يؤمن بها سيخرج مباشرة .

* بما أن قطار الانتاج السينمائي السوري انطلق متخففا من أعباء كثيرة يشكلها الماضي غير السعيد الذي رافق بعض محطاته ، كيف سيتم التعاطي مع الأسماء  السينمائية التي تكرّست عبر هذا الماضي ؟
بالتأكيد سيتم انتقاء الأفضل ، ذلك انه لايمكن تجاهل عطاءاتهم وإسهاماتهم ، والشباب الذين شاهدوا واطلعوا على تجارب ( الكبار ) تعلموا من أخطائهم أيضا ، وهذا يفرض على الرواد الاستمرارية بالعطاء كي يتطور الجيل الجديد من ورائهم . السلسلة الإنتاجية لا تنجح إلا ضمن السياق الطبيعي للحركة السينمائية .

* هناك آراء نقدية تفيد بان بعض هؤلاء ( الكبار ) ساهموا بشكل أو بآخر في أزمة السينما السورية .. إلى اي مدى يكون هذا الكلام صحيحا ؟
أنا لا أعتقد أن هناك من أسهم في تراجع السينما السورية ، نحن نتحاور حول أزمات وجدت في العملية الإنتاجية وعرقلت المسيرة السينمائية منها : أزمة النص السينمائي ، أزمة الصالات ، الاتجاه نحو الانتاج التلفزيوني  ، وأعتقد أن الاندفاعة الإنتاجية والانطلاقة بمخرجين شباب سيؤدي إلى مراجعة الكثير من الحسابات كي تستعيد السينما حضورها الحقيقي ، وينبغي على الجميع الانتباه إلى هذه المعادلة ، وأنا كثيرا ما قرأت عن فيديريكو فيلليني تعلمه من الأفكار الشابة والنظر إليها بانبهار . وهذا يدفع للقول إن دوران العجلة الإنتاجية ضروري كي ينخرط الجميع فيها ، لأنها تحتاج إلى سنوات كي تحدث فرقا نوعيا وكما سينمائيا يمكن أن يشكّل حالة إبهار متقدمة أيضا كما هو حال الدراما .

* ما هي الآفاق الجديدة المتوفرة أمام هؤلاء الشباب ؟
أنا متفائل بشكل خاص بمستقبل السينما السورية مع هذه الاندفاعة الشبابية و( رجولة ) الكبار ، فنحن نقف الآن أمام كرة ثلج سينمائية في سورية وهي تتدحرج وتكبر . وفيلم ( دمشق مع حبي ) الذي تم تبنيه من قبل المسؤولين الرسميين عن صناعة السينما ، وأقصد وزارة الثقافة والمؤسسة العامة للسينما ، يمكن اعتباره نموذجا للسينما الجامعة للجمهور والفكر ، فهو فيلم جماهيري وفكري بامتياز .

من فيلم دمشق مع حبي

* هذا يعني أن ( دمشق مع حبي ) هو مفتاح الحل أمام أزمة السينما السورية ؟
لا أقصد هذا بكلامي ، ولكنني أعتبره لبنة حقيقية في المدماك الإنتاجي للسينما السورية ، ونحن جزء أساسي من هذا التكوين .

قد ينال إعجابكم

حوارات

أخوة الصمت

أربع سنوات قضاها مينتاس ليوثق يوميات كرديين أبكمين ألهماه كثيرا في حياته اللاحقة