متابعات

الراحلة اليزابث تايلور

رحلتها بين الأفلام الصغيرة والكبيرة ثم الأكبر مما تستحق
 
محمد رُضا

الممثلة إليزابث تايلور التي رحلت عن 79 سنة و65 فيلماً كانت نجمة كبيرة في الخمسينات والستينات وبعض السبعينات، وحين قلّت أفلامها وتباعدت في مطلع الثمانينات بقيت محط اهتمام الإعلام لتاريخها  على الشاشة كما للقضايا التي حملتها على عاتقها والتي بدأت دينية (وُلدت مسيحية واعتنقت اليهودية) وأصبحت بالتالي سياسية (وقوفها في الستينات لجانب إسرائيل) ثم اجتماعية (تبنيها المبكر لقضية المصابين بالأيدز). في كل الأحوال هي محطّة أخيرة في العلاقة بيننا اليوم وبين العصر البديع للسينما تم إغلاقها. قليلون جدّاً من أترابها والعاملين في الفترة الغابرة ذاتها ما زالوا أحياءاً، وإذا ما كانوا فهم قلّما يعملون، او هم، في غالبهم منعزلون.
في كتابه االقاموسي  القيم  The New Biographical  Dictionary of Film  يكتب الناقد ديفيد تومسون قائلاً : "في العام 1958  حين مثّلت شخصية "قطّة على سطح صفيحي ساخن" بدت صريحة جنسياً لكنها في العام 1970 تم نقلها إلى تلك الباروكات


أول ظهور لها في فيلم "هناك من يولد في دقيقة"

الموسّعة والملابس المزخرفة والشحنات العاطفية المبذولة. إنها لم تنضج لكنها تقدّمت إلى شخصية احتفالية مؤهلة". كلام الناقد المذكور في محلّه تماماً ولو أن ذلك لا يعني الحكم على موهبتها خصوصاً في تلك السنوات المفصلية ما بين منتصف الأربعينات وحتى مطلع الستينات.
 ولدت في السابع والعشرين من شباط/ فبراير 1927 في لندن. أسرتها انتقلت في أواخر الثلاثينات إلى هوليوود، وحين كانت في الخامسة عشر من العمر وقفت أمام الكاميرا لأول مرّة في فيلم بعنوان "هناك واحد يولد كل دقيقة" There's One Born Every Minute في غضون ثلاث سنوات ظهرت في ثلاثة أفلام قبل أن تستقبل بطولتها الأولى وهي في السابعة عشر. الفيلم كان عملاً جيّداً من المخرج الذي حقق أعمالاً بديعة لم يذكر التاريخ منها سوى قلّة وهو كليرنس براون الذي أسند إليها دوراً آخر في فيلمه

الثاني في العام نفسه وهو "صخور دوفر".  وحتى العام 1947 بقي هذا الفيلم وحيدها الجيّد بين سلسلة أعمال متوسّطة او أقل. الفيلم الثاني الذي أثبتت فيه حضوراً كان "الحياة مع أبي" لمايكل كورتيز، هذا قبل أن تقف بين الممثلات جون أليسون، مرغريت أوبريان، جانيت لي، ماري أستور  وروزانو براتزي في "نساء صغيرات".
هذا ورد في العام 1949 وهو العام ذاته الذي ظهرت فيه في دور رومانسي لأول مرّة حين وقفت أمام روبرت تايلور في "المتآمر"، فيلم متوسط القيمة من إخراج فكتور سافيل. لكنها في العام 1950 وجدت نفسها بين يدي خبير الميلودراما والرومانسيات الخفيفة فنسنت مانيللي في "والد العروس" حيث يحاول والداها سبنسر ترايسي وجوان بانِت فهم عواطفها الشابة.  هي بعد ذلك في "مكان في الشمس" لجورج ستيفنس. هذا الفيلم، بالنسبة لمؤرخين، هو الفيلم الحقيقي الكاشف عن أستئهالها المكانة التي حققتها فيما بعد.
هذا لا يعني تقييماً لأفلامها، بل هو تقييم لحضورها وحده، ذلك أن النصف الأول من الخمسينات حفلت بأعمال عادية من بطولتها. آنذاك، كما يعرف كثيرون، كان نظام النجوم لا يفرّق كثيراً بين ما يريد الممثل أداءه وبين ما لدى الاستديو من مشاريع يفرضها عليه، ومن هذا الباب وحده وجدناها في سلسلة من الأفلام العادية مثل "الحب أفضل من أي وقت مضى" [ستانلي دونن- 1952]، "مشية الفيل" [وليام دتريل- 1954] و"آخر مرّة شاهدت فيها باريس" [رتشارد بروكس- 1954] من بين أخرى.
أفضل سنواتها السينمائية كانت لا تزال على الأبواب وهي بدأت بفيلم جورج ستيفنز الجيّد "عملاق" الذي لعبته أمام الراحل شابّاً جيمس دين والراحل لاحقاً روك هدسون. أداء جيّد من الثلاثة في دراما عائلية حول أسرة من مالكي الأراضي والماشية في تكساس الخمسينات.
كان حضورها في هذا الفيلم، حيث لعبت دور الزوجة المتمرّدة رغم امتلاكها كل أسباب السعادة، مدهماً بحيث بات الكثير مما عُرض عليها أفضل قيمة مما كانت لعبته سابقاً. بعد ذلك في فيلم رتشارد بروكس "قطّة فوق سطح صفيحي ساخن" (1958) عن مسرحية تنيسي وليامز أمام بول نيومن، وفي فيلم جوزف مانكوفيتز "فجأة، الصيف الأخير" الذي شاركت بطولته أمام كاثرين هيبورن والممثل مونتغمري كليفت الذي كان من اولئك الممثلين المعذّبين نفسياً كونه من المثليين المحمّلين بتبعات الشعور بالذنب. همومه كلّها حملها الى اليزابث تايلور الذي ربطته بها صداقة عميقة خالية من التجاذب الجنسي، لكنها مشحونة بالمشاعر العاطفية الخالصة. 


تايلور في دور كليوباترا

ثم كان هناك الفيلم الذي منحها أول أوسكار في حياتها وهو "الفراشة رقم 8" [دانيال مان- 1960]. هذا فيلم لم تتح لي مشاهدته لكن إذا افترضنا أن أعضاء أكاديمية العلوم والفنون السينمائية كانوا على حق في اختيارها عنوة عن ميلينا مركوري عن دورها في "ليس في يوم أحد" [جول داسين- 1960] او عن شيرلي مكلين عن دورها في "الشقّة" [بيلي وايلدر- 1960] فإن ذلك يعني أنها كانت بالفعل متألّقة ومبرهنة عن جدارتها في فيلم يجمع المؤرخون إنه لم يكن جيّداً (لم يُرشح لا هو ولا مخرجه للأوسكار).
فوكس كانت تحضّر لفيلم "كليوباترا".
"كليوباترا" [مانكوفيتز- 1963]  كان فيلماً معني بتضخيمه أكثر مما كان معنياً بواقعية او صدق أحداثه. كل شيء فيه كان أكبر حجماً مما خطط له. ميزانيّته ارتفعت أضعافاً، صعوبة التصوير أحتلّت عناوين الصحف ثم العلاقة العاطفية التي ربطتها ببطلته رتشارد بيرتون التي أدّت فيما بعد الى الزواج منه ثم الطلاق ثم الى الزواج منه ثانية والى عشرة أفلام أخرى من بطولتهما.
أحد أفلامهما اللاحقة معا كان "من يخاف فرجينيا وولف" الذي عُرض قبل يومين من كتابة هذه المادّة فانتعشت ذكرياته به وارتفع تقديري لإخراج مايك نيكولز المبني عن مسرحية إدوارد ألبي. إنه نوع من الأفلام الذي تقع أحداثه في ليلة واحدة من حفلة داخل منزل حيث تنقلب المسرّة الى أوجاع بعد أن تجد الشخصيات مناسبات مفتوحة للكشف عن خباياها.
فيلم آخر بينها وبين رتشارد بيرتون ميّز الفترة هو نسخة المخرج الإيطالي فرانكو زيفريللي من مسرحية وليام شكسبير "ترويض المرأة السليطة" The Taming of the Shrew
الذي سُمّي خطأ في بلادنا غير المدققة بـ "ترويض نمرة" وهو فيلم من إنتاج العام 1967 شأنه في ذلك شأن فيلم لافت لها جمعها ومارلون براندو لأول وآخر مرّة عنوانه "انعكاسات في عين ذهبية" [جون هيوستون].
سنجد هذا الخط من الأدوار المهمّة مستمرّاً حتى العام 1974 حين لعبت "آش ونزداي" للاري بيرس  وأمام هنري فوندا. بعد ذلك هي في موزاييك زخرفي من الأفلام ذات الوهج من دون كثير من القيمة الضمنية او الفنية. خذها مثلاً في فيلم "المرآة مشروخة" عن رواية أغاثا كريستي [غاي هاملتون- 1980]  ستشاهد بقايا نجمة. طبعاً ستحاول أن تؤدي جيّداً، هذا ليس خياراً، لكن الخامة الاستعراضية والإنتاجية لذلك الفيلم، ولأفلام أخرى قبله ستغطي على كل شيء.
يستطيع المرء أن يتناول علاقاتها العاطفية في تحقيقات طويلة (وهناك كتب عنها) لكن ما يعنينا هنا هو أن العلاقة العاطفية الوحيدة التي أنجبت أفلاماً تذكر هي مع رتشارد بيرتون. الباقي انتهى الى زيجات موقوتة لأسباب بدت كبيرة ثم تمخّضت. إنه في الستينات تخلّت عن دينها كمسيحية واعتنقت اليهودية لتصبح من كبار مؤيدي إسرائيل. مكتب المقاطعة العربية، الذي كان فاعلاً آنذاك، وضعها على القائمة السوداء لجانب بول نيومان، زيرو موستل، جف شاندلر وآخرين. لكن هذا لم يكن ليرشدها الى لب الحقيقة على أي حال واللوبي الصهيوني استخدم تلك الميول العاطفية والسياسية حتي النخاع.

قد ينال إعجابكم