متابعات

هرنر هرتزوغ يدخل التاريخ .... على طريقته

في "كهف الأحلام المنسية"
محمد رُضا
 في ربيع العام الماضي، حصل المخرج الألماني على إذن بالتصوير في كهوف "شوفيه" الكامنة في جنوبي فرنسا. إنها تلك الكهوف التي تم اكتشاف رسومات على جدرانها تعود الى إثنين وثلاثين ألف سنة، حسبما قدّر الجيولوجيون وعلماء الآثار. حينها لم يكن هناك مجال للشك في أنها أقدم رسومات على جدران أي كهف تم اكتشافها حول العالم. وهذا ما دفع المخرج لمحاولة تصويرها في فيلمه الوثائقي "كهف الأحلام المنسية" الذي أتمّه قبل أسابيع قليلة ويعرض في نيويورك حالياً.
لم يصوّرها فقط. هو ليس مجرّد ناقل ومستنسخ بل أضاف إليها كل ما يكتنزه من أفكار حول الفن والمجتمعات وسعى لكي ينقل ما رأته عيناه حين دخل وكيفية تحويل دهشته الى دهشة المشاهدين أيضاً. في تلك اللقطات ذات التكوين المعتم باستثناء الإضاءة المنصبّة على جدران الكهوف وسيلة انتقال المشاهد الى الماضي. فجأة هو بلا سلاح أمام سحر آت من العمق: هناك فنان (او فنّانون) انكبّوا على رسم البيئة حولهم. رسموا الأسود والجياد والذئاب والحيوانات الأخرى التي عاشت حولهم. أليس رسمهم، بأدوات ذلك الحين، أوّل فيلم تسجيلي في العالم؟

لم لا؟
لم تكن الكاميرا معروفة بالطبع ولا كان ابن الهيثم وضع نظريّته بالنسبة للضوء (تلك التي دفعت آخرين في أوروبا للبحث في اكتشافاته ونظرياته في القرن الرابع عشر وما بعد) وكل ما كان بحوزة الإنسان ليعبّر به هو أن يرسم فوق صخر الكهوف من الداخل.
لماذا لم يرسم محيطه من الخارج أيضاً؟
بعض النظريات تقول أن الداخل كان آمناً أكثر وأكثر مدعاة للحفظ من المتغيّرات البيئية او حتى تلك البشرية (تصوّر لو قام البعض بمحو تلك الرسوم الظاهرة). البعض أشار في كتاباته حول تلك الكهوف أن الرسّامين استخدموا فتحات في السقف على نحو مبتكر بحيث ابتدعوا أيضاً لعب الظلال والنور. وأضاف آخرون نشرت الصحف شهاداتهم، أن الرسّام كان يدخل الكهف ثم يقوم بإغلاق مدخله حتى لا يفاجئه حيوان مفترس.
لكن ما يهم هو تسجيل أن بعض تلك الرسومات لم تكن تسجيلية، بل تصويرية على نحو يعكس رغبة الفنان الراسم في سرد حكاية. بذلك لم نعد أمام أول محاولة لفيلم تسجيلي بل أوّل محاولة لفيلم روائي.
فيلم هرتزوغ فريد، لكن هرتزوغ لم يكن الوحيد الذي فكّر في تحقيق فيلم عن كهوف "شو?يه". قبله تقدّم صحافيون وسينمائيون بطلبات رخص تصوير داخل تلك الكهوف للحكومة الفرنسية، لكن هذه، من العام 2008 وما بعد رفضت تلك العروض. السبب الذي من أجله فاز هرتزوغ بما فشل فيه آخرون يعود الى إسمه وصيته كأحد البارزين في السينما التسجيلية (الروائية أمر آخر). هذا ساعده في دفع السلطات الفرنسية المختصّة لقبول عرضه شريطة أن ينضم الى الحكومة الفرنسية التي ستدفع له "يورو" واحد كراتب مقابل توظيفه، هذا حسب ما أكّده مؤخراً في تصريح له في صحيفة "نيويورك تايمز".

الفيلم ذاته يعكس حالة تصوير صعبة مرّ بها المخرج في عمله. فهو يظهر وفريقه الثلاثي في لقطات عدّة ليس لرغبته في ذلك بل تبعاً لشروط لم يستطع الخروج عنها. مثلاً كان عليهم أن يسيرون داخل الكهف في خط واحد من دون أن يقتربوا من الجدران ذاتها. نصف متر يتتابعون فيه واحداً إثر آخر ولا يستطيعون تجاوزه يميناً او يساراً. الفريق كان عليه أن يتألّف من ثلاثة ولذلك نجد هرزوغ في تلك اللقطات يقوم بمهمة حمل الإضاءة وتسليطها. كل ذلك خشية أن يؤثر وجودهم في رفع نسبة ثاني أكسيد الكربون ما يهدد تلك الرسومات ويمحيها أو يكلّسها.

إلى ذلك عمد المخرج إلى تقنية الأبعاد الثلاثة لتصوير مادّته. ليس لأن ذلك سيعني رواجاً تجارياً، لأن الإقبال على مثل هذا الفيلم خارج نطاق المهرجانات شبه معدوم، بل لكي يتسنى له نقل تلك الرحلة إلى الماضي السحيق على نحو كامل. النتيجة هي أن تكوين الكهوف الداخلية وهندستها الربّانية مجسّدة على نحو كامل.


?رنر هرتزوغ

يكتشف المشاهد العارف بأعمال المخرج بأن الغاية بالنسبة إليه ليس تقديم فيلم يعرض بسهولة حتى على الشاشات التلفزيونية. هناك ما هو أعمق من مجرد عمل يشبه أعمال المحطات الوثائقية المختلفة هو الطابع الشخصي لكل شيء. الفيلم يتضمّن مقابلات مع العلماء، لكن عوض الحديث عن علمهم ومعلوماتهم فقط، يتحدّث إليهم في سعة من الوقت كما لو كان الحديث خاصّاً. أمر يقتطعه التلفزيون معتبراً إياه تطويلاً  للمادة المصوّرة او خروجاً عن اهتمامها. الملاحظ هنا هو الملاحظ في أفلام هرتزوغ الوثائقية الأخرى التي تشكل غالبية أعماله: معالجة المادة الوثائقية بنفس وسيلة سبر الغور الذي يمنحها المخرج نفسه، أو أي مخرج آخر، للمادة الروائية. ربما في داخل الكهف ليس هناك تلك الحريّة من الاختيارات الكثيرة، لكن "كهف الأحلام المنسية" رغم ذلك يتمتّع ببصمات المخرج المختلفة. من ذلك العناد في تصوير الأقصى والأقسى والعمل على تطويع المادّة لتفسيره ورؤيته مهما كانت عامّة. الشجرة ليست الشجرة التي يوافق على تعريفها معظم الناس، بل هي -عنده- شجرته هون. كذلك ذلك التاريخ الذي يسبر غوره ليؤكد أنه لا يزال يستطيع التعامل معه من وجهة نظر خاصّة وليس كرحّالة أو كمغامر.
المرء يريد أن يتخيّل لو أن المخرج حط في الربع الخالي لتصوير فيلم ما هناك. كيف سيستنبط جديداً غير مألوف وهو الذي سبق وأن أذهل الجميع حين حط في الأدغال اللاتينية لتصوير "فيتزكارالدو" سنة 1982 حيث تم سحب سفينة من نهر الأمازون إلى أعالي الجبال...  فقط مخرج واحد يمكن له أن يفكّر بذلك ويحققه وهو ?رنر هرتزوغ.

قد ينال إعجابكم

حوارات

الأبديّة في مصنع هندي

هل فكرت يومًا كيف وصلت إليك قطعة القماش الفريدة هذه؟ تعرف على يوميات عمال هنود منسيين يشتغلون في أحد المصانع الهندية...