متابعات

تقييم مهرجان الجزيرة الأخير : الإنسان والفيلم

قراءة في الأفلام الفائزة بجوائز مهرجان الجزيرة الدولي السابع
نماذج مختارة

رامي عبد الرازق


رامي عبد الرازق الناقد وعضو لجنة
تحكيم مهرجان الجزيرة 2011

هناك افلام لا تحتاج إلى المهرجانات
وهناك أفلام تحتاج إلى المهرجانات
 بقدر ما تحتاج المهرجانات إليها..
لتكون مهرجانات
(سمير فريد)

من بين 284 فيلما تم عرضهم ضمن فروع المسابقات الخمس في النسخة السابعة من مهرجان الجزيرة الدولي للأفلام التسجيلية (21-24 نيسان 2011) فاز عشرون فيلما فقط في مسابقة الأفلام الطويلة والمتوسطة والقصيرة ومسابقة أفق جديد ومسابقة افلام الطلبة. وكانت مسابقة الأفلام الطويلة قد ضمت هذا العام 56 فيلما طويلا(الفيلم الطويل حسب تصنيف لائحة المهرجان ما تتجاوز مدته الستين دقيقة) وقد فاز خمسة أفلام من اصل ال 56 بجوائز المسابقة الخمس والتي تشمل جائزة الأسرة والطفل(الفيلم الألماني إعداد السعادة من إخراج دانيلا دا كروتز) وجائزة الحريات وحقوق الإنسان (الفيلم النرويجي دموع غزة إخراج فيكي لوكبرغ) وجائزة الجزيرة الخاصة (الفيلم التشيكي السلام في التشيك إخراج فيلين ريموندا) وجائزة لجنة التحكيم الخاصة (الفيلم الفرنسي نادي زنجبار الموسيقي من إخراج فيليب غازني) وأخيرا الجائزة الذهبية الكبرى (الفيلم الانجليزي  الساري الوردي إخراج كيم لونجينوتو)
الملاحظة الأساسية حول الأفلام الفائزة هي كونها جميعا تحتفي بالإنسان عبر الفيلم وعبر المادة الحياتية التي ينتجها بأفراحه ومآسيه, بشروره واحقاده وحتى بموسيقاه وفنه واخيرا بموته. انها افلام تتمحور حول قيمة هذا الكائن الأرقى والأضعف بين كائنات الخالق.
هذه التجارب تتحدث عن البشر لا عن الأماكن حتى لو كانت عناوين بعضها تحمل اسماء لمدن  (نادي زنجبار ودموع غزة والسلام في التشيك) والنظرة الكلية للأفلام الخمسة تجعلنا امام محاولة لقراءة تاريخ الإنسان وحاضره ومستقبله عبر الموسيقى والزواج والحب والحرب والصواريخ العابرة للقارات وقنابل الفسفور !
اما على مستوى الشكل فإن كل تجربة بلا شك تفرز شكلها وفي هذه المجموعة من الأفلام نستطيع أن نتوقف امام الكثير مما ينطبق عليه اراء ونظريات العلاقة ما بين الشكل والمضمون ففي افلام مثل اعداد السعادة والساري الوردي ونادي زنجبار نجد ما يطابق وجهة نظر الناقد أمير العمري في حديثه عن الفيلم كأداة للتعبير الذاتي حين يقول "الفيلم اداة للتعبير الفردي للفنان عن رؤيته الخاصة ووسيلة لتحقيق التوازن بين الفنان والعالم اي الذات المبدعة وكل الاخر ولا يصلح لتحقيق تلك الرؤية اي نوع من المعادلات مثل الجمع بين مضمون جاد وشكل متقدم .الرؤية تولد اشكالها الخاصة وتعثر عليها سواء في مرحلة كتابة النص او تصويره".
 
ويمكن لنا عبر قراءة هذه المجموعة من التجارب أن نختلف بشكل واضح مع بعض الأراء التي تحد من قدرة الصورة في البناء اللغوي السينمائي على التوصيل خاصة في فيلم مثل نادي زنجبار الذي يعتبر حالة فنية متفردة فيما يخص التعبير البصري/الموسيقي البحت عن تاريخ منطقة إنسانية باكملها عبر وجوه البشر واغنياتهم واصواتهم التي تحمل جينات الأجناس التي مرت عليهم سواء كتجار او غزاة أو عابرين ودون أي تعليق صوتي او كتابي على الإطلاق. حيث يرجع بعض السينمائين امثال هانز شليجيل انه "رغم أن السينما لغة عالمية فإنه من الصعب على شخص يعيش حضارة معينة ان يحكم بدقة على افلام شعب آخر له حضارة مختلفة ذلك أن القيم الأيديولوجية والجمالية ودلالات الصورة تختلف بأختلاف القيم الحضارية كما أن دلالات الإيحاءات والإشارات تختلف". ولكن التطور الكبير الذي شهدته عملية الاحتكاك الحضاري بين ذات المبدع ومادته خصوصا عندما تكون تلك المادة ذات او ذوات أخرى جعل مثل هذه الأراء اقرب للتابو الذي بهتت الكثير من الوانه الفكرية خاصة لو نظرنا إلى أن أغلب الأفلام الفائزة هي أفلام تحمل جنسيات اخرى غير جنسيات الأماكن التي صورت بها فلدينا فيلم من إخراج نرويجية عن حرب غزة وفيلم من إخراج ألمانية عن طقوس الزواج في كشمير بالهند وفيلم من إنتاج فرنسي عن التاريخ الاجتماعي والسياسي لجزيرة زنجبار عبر تراكمات الملامح الموسيقية والغنائية للشعوب التي مرت بالجزيرة !
يقول آلان رينيه "إن الفيلم الوثائقي هو الذي يستطيع أن يعطينا تقريرا واضحا حول حضارتنا" وهذا بالظبط ما فعلته تلك النماذج المختارة وربما لهذا كانت اكثرها استحقاقا للجوائز .

كامل المقال

قد ينال إعجابكم