متابعات

تأملات في السينما الفلسطينية

كانت السينما آخر الفنون وأحدثها، بين الأنماط الإبداعية التي أرادوا أن تكون لها أدوارا في نضالهم المصيري، الذي طالما وصفوه بـ «الصراع الحضاري»، حيث انتظر الفلسطينيون سنوات طويلة، حتى وجدوا في فن السينما ضالتهم للتعبير الإبداعي عن شؤون مختلفة من القضية الفلسطينية، وجوانبها!.
ربما كان من المنطقي، على الأقل بسبب الظروف القاهرة التي شهدوها منذ مطالع القرن العشرين، أن تشيع لدى الفلسطينيين صنوف التعبير الإبداعي الفردي، من شعر، وقصة، ورواية، وفن تشكيلي، وموسيقى، وغناء.. ومن ثم أنماط من الفنون الجماعية كالمسرح، والإذاعة، قبل أن يعيشوا حالة التلكؤ طويلا ًعلى بوابة فن السينما، ومن ثم التلفزيون!..
ندرك أن الفلسطينيين الذين تشرَّدوا مكرهين طيّ المنافي، احتاجوا سنوات إثر النكبة الفلسطينية الكبرى، حتى يستطيعوا لملمة جراحهم، واستعادة صوابهم، وينطلقون بثورتهم، التي كان أعلى ما حققته في الواقع، أنها حولتهم من ذهنية «اللاجئ» المشرد، إلى وضعية «الفدائي» الثائر، قبل أن تحطَّ رحالها على شاطئ «العائد»، المتمسك بحق عودته.


لقطة من فيلم "المكان" لمخرجته / عزة حسن

كما ندرك أن الفلسطينيين الذين بقوا بين أيدي «الدولة» التي قامت على أنقاضهم، أمضوا سنوات موازية تحت وطأة «الحاكم العسكري»، وقراراته المتعسفة، وسياسات التهميش والإخضاع التي مارستها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، قبل أن يجد الفلسطينيون سبيلهم إلى «يوم الأرض»، الذي كان أعلى تعبير قومي عربي، يمكن لهم أن يمارسوه في ظل الظروف القاهرة التي كان عليهم المرور بها، إلى لحظة التعبير الذاتي.
وما بين هذا وذاك، كان من الطبيعي، والمؤسف طبعاً، وفي الوقت الذي تمكَّنت السينما الإسرائيلية من بناء روايتها البصرية، عن «أرض الميعاد»، وعن «الاستقلال»، وبناء «الدولة الحلم»، و«تحويل الصحراء إلى جنة»، و«قهر العرب؛ الأجلاف، الرعاع، المتخلفين».. من المؤسف، حقيقة، أن السينما الفلسطينية، في الوقت نفسه، لم تجد محلاً يُعتدُّ به، سواء على مستوى التفكير، أو على مستوى الفعل، أو الأداء.. ليس على الصعيد الفلسطيني، ولا على الصعيد العربي!..
في الشتات، انتظرت السينما الفلسطينية، حتى «انطلاقة الثورة المسلحة»، عام 1968، لتتلمس خطوات البدايات، وتحقق أفلامها الأولى، ما بين عمان وبيروت.. وفي الداخل، انتظرت السينما الفلسطينية حتى «يوم الأرض»، عام 1976.
 ثمة ما يشي هنا، وكأن السينما الفلسطينية كانت بحاجة لمنعطف جذري وحاسم، على الصعيد السياسي، والعسكري، وبالتالي الاجتماعي، وأخيراً الفكري الثقافي، حتى تجد تربتها الخصبة الأولية، التي يمكن أن تنتش بذورها، وتتطلع إلى النمو، والتطور، والتبلور.
أولى الملاحظات التي يمكن التقاطها، ونحن نتأمل في السينما الفلسطينية اليوم، وبالاطلاع على الكثير من منجزها الفيلمي، أن ثمة «نمطية» ظهرت وسادت خلال نيف وعقد من الزمن من عمر تجربة السينما الفلسطينية، تلك المرحلة التي نميل إلى تسميتها «سينما الثورة الفلسطينية»، أي عندما كانت فصائل الثورة الفلسطينية، ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، هي التي تتولى إنتاج أفلام سينمائية، أرادت من خلالها التعبير الإعلامي، السمعي البصري، عن جوانب متعددة من القضية الفلسطينية.
كان من الملفت، أن تتسم تلك الأفلام السينمائية بكونها أفلاما دعائية، تحريضية، تعبوية.. وهو ما جعلها تتمركز بالحديث عن الاعتداءات الإسرائيلية الوحشية، عن القتل الفظيع والدمار الجسيم، بغية احتذاب اهتمام الرأي العام العالمي، والعمل على التأثير في هذا الرأي، واكتسابه إلى جانب القضية الفلسطينية، باعتبارها قضية أرض محتلة، وشعب مشرد، وظلم منقطع النظير.
ولأسباب عديدة، تبدأ بفعل التحولات التاريخية التي شهدتها القضية الفلسطينية، ولا تنتهي عند دعوات الكثير من المثقفين للتخلص من «العويل»، و«الندب»، والتعامل العاطفي مع القضية.. كان أن بدأ تيار «السينما الفلسطينية الجديدة»، عند العام 1980، ذلك التيار السينمائي الذي استطاع بداية التعامل مع القضية الفلسطينية بمستوى فني أكثر رقياً، وقدرة على التأثير، وكذلك بعمق إنساني، يركز على لامشروعية الاحتلال، وحق الفلسطيني بأرضه ووطنه، وعودته إليها.
ربما مرَّ على السينما الفلسطينية زمن قبل ذلك، كانت تحظى فيه بأشكال من التعاطف، انطلاقاً من الموقف السياسي المؤيد للقضية الفلسطينية، حتى لو كان هذا التعاطف قفزاً عن المستوى الفني، والجودة التقنية.. ولكننا اليوم يمكننا القول إن كثيراً من الأفلام الفلسطينية باتت أكثر قدرة على تقديم القضية الفلسطينية، بأعماق فكرية، وأبعاد إنسانية، ومستويات فنية، جعلتها قادرة على تحقيق الحضور، ونيل الاحترام، في أوسع المحافل السينمائية العالمية.


ملصقة فيلم "عرس الجليل"

مع سينمائيين فلسطينيين، من طراز المخرج / ميشيل خليفي، ورشيد مشهراوي، وهاني أبو أسعد، وعلي نصّار، ومحمود المسّاد، وإياد الداود، ونصري حجاج، وباسل الخطيب، ومحمد البكري، ورائد أنضوني، وتوفيق أبو وائل، وإسكندر قبطي، ويحيى بركات، وصبحي الزبيدي، وهشام كايد، وطارق يخلف، وغالب شعث، وحنا إلياس، وحنا مصلح، وعبد السلام شحادة، ونزار حسن، وسامح الزعبي.. ومع سينمائيات فلسطينيات من طراز المخرجة / مي المصري، وآن ماري جاسر، ونجوى النجار، وعلا طبري، وساهرة درباس، وماريز جرجور، وعلياء أرصغلي، وليانا بدر، وعزة الحسن.. ومع قافلة من طرازهم، وطرازهن، والأسماء صارت كثيرة، والقائمة طويلة (نعتذر حتماً ممن لم يتمّ ذكرهم هنا).. باتت السينما الفلسطينية، اليوم، أكثر قدرة على تقديم صورة الفلسطيني، باتجاهاته، وتنوعاته، مواقفه، وتجاربه، بهمومه وأحلامه، وآماله..
الملاحظة الثانية، التي يجد المتابع للسينما الفلسطينية أنه معني بالوقوف أمامها دائماً، تبقى قصة «التمويل الأجنبي»، الذي بالاعتقاد سيبقى مثيراً لكثير من الأسئلة المتشابكة؛ أرى أنها تبدأ من سؤال: لماذا يختفي «التمويل العربي»، ويحضر «التمويل الأجنبي»؟!.. ولا تنتهي عند السؤال عن مدى التأثير الذي يتركه «التمويل الأجنبي» على المضمون الفيلمي!.. وإلى أي درجة يمكن وسم هذه السينما بأنها فلسطينية، طالما أنها تتكئ على خليط من «التمويل الأجنبي»، بما فيه «التمويل الإسرائيلي»، نفسه؟!..
مما لاشك فيه، أنه سيكون دائماً، وخاصة مع غياب «التمويل العربي»، ثمة دور ما يقوم به «التمويل الأجنبي»!.. ومما لاشك فيه، أيضاً، أنه سيكون تأثير ناتج عن «التمويل الأجنبي»، حتى لو لم يكن هذا التأثير مطلوباً بشكل مباشر، من قبل صاحب المال الأجنبي!.. ثمة تأثير نفسي، قد يكون خفياً، أو لا واعياً، ينبت لدى السينمائي الباحث عن تمويل أجنبي، يتمثل في توفُّر رقيب، أو موجِّه داخلي، يدفع السينمائي إلى التركيز على تفاصيل معينة، تماماً كما يقوم في الوقت نفسه، بالعمل على إقصاء تفاصيل أخرى!..
يدرك السينمائي، دون أدنى شك، أن «التمويل الأجنبي» ليس «جمعية خيرية»!.. إنه يهدف لتحقيق أهداف ما؛ قد تكون مادية على اعتبار أن القضية الفلسطينية موقع اهتمام، وبالتالي يمكن للأعمال التي تتناولها أن تجد إقبالاً ورواجاً، إن لم يكن في الصالات، فعلى الأقل في المهرجانات، وعلى شاشات التلفزة.
 وقد تكون الأهداف معنوية، من خلال الرغبة في تأكيد صورة معينة، أو تمرير أفكار أو رؤى محددة.
هكذا، نرى أن الأمر يتوقف في النهاية، وكما نعتقد على السينمائي الفلسطيني ذاته، ومدى قدرته على التعامل مع «التمويل الأجنبي»؛ من المؤكد أن «التمويل الأجنبي» لن يستطيع إجبار السينمائي على قول ما لايريد، خاصة عندما يكون السينمائي مؤمناً بفنه، وبقضيته، وبأن «التمويل الأجنبي» هو من يحتاج للسينمائي، وليس السينمائي من يحتاجه، فقط!.. ولكن هل يكفي الاتكاء على الثقة بحصانة السينمائي، وقدرته على مقاومة الإغراءات والضغوط؟.. أم لابد من إيجاد سبل عملية تمكن السينمائي الفلسطيني ممن امتلاك سبل الخيارات، والاختيارات؟!..
الملاحظة الثالثة التي تنبع هذه المرة من داخل النصوص الفيلمية السينمائية، تتمثل في حضور «الذاكرة الفلسطينية»!.. فدائماً كانت «الذاكرة الفلسطينية» تمثل شكلاً من أشكال المقاومة، واستمرار وجود الشعب الفلسطيني، وتواصله، جيلاً إثر جيل.
«الذاكرة الفلسطينية» كانت المعول الذي يهدم المقولة الصهيونية: «الكبار يموتون، والصغار ينسون». هكذا آمن الفلسطينيون، جيلاً بعد جيل، وكان أن مارسوا إيمانهم هذا في واقعهم، عبر حكاياتهم الشفوية.
ومع قدوم الذكرى الخمسين للنكبة، ومع رحيل الكثير من الفلسطينيين، ممن عاشوا فلسطين، وشهدوا النكبة، نشأت تيارات في الثقافة والفكر والأدب والفن تدعو إلى توثيق الذاكرة الفلسطينية الشفهية، سواء عبر كتابتها، أو تسجيلها، أو تصويرها.. ومن هنا كان للكاميرا الدور الأكبر، إذ عندها يجتمع شريط الصوت والصورة.
تيار «الذاكرة في السينما الفلسطينية»، كان قد بدأ حقيقية مع بداية «السينما الفلسطينية الجديدة»، عند مطالع الثمانينات، على الأقل مع فيلم «الذاكرة االخصبة» للمخرج ميشيل خليفي، عام 1980، ومن ثم نما وتطور وتبلور مع تيار كامل من أفلام «ذاكرة الإنسان الفلسطيني»، و«ذاكرة المكان الفلسطيني»، هذا التيار الذي غدا اليوم أساسياً في أفلام السينما الفلسطينية.
يعرف الفلسطينيون، تماماً كما يعرف الصهاينة، أن الذاكرة هي حقل الصراع، فطالما أن هناك فلسطيني لم ينس وطنه، ولا قريته، ولا قضيته، فإن الصراع لن ينتهي.
 ومن هنا كان الدور الكبير للسينما الفلسطينية، التي سجلت أفلامها، بالصوت والصورة، بالقصة والحكاية، بالمبدأ والتفاصيل، حقيقة الإنسان الفلسطيني، وعمق ارتباطه بالمكان الفلسطيني، والذاكرة الوطيدة، التي لا انفكاك لها، والتي تربط بين الإنسان والمكان الفلسطينيين.
شوط، بات طويلاً اليوم، وهو يعبر عقده الخامس، قطعت خلاله السينما الفلسطينية، من جيل سينمائي إلى آخر، وعبرت فيه من منعطف إلى غيره. واتخذت أشكالاً فنية، وتعبيرات إبداعية، أعلت من المضمون، حيناً، حتى لو كان ذلك على حساب الفن.. واهتمت بالفن تارة، حتى لو على حساب خفوت المضمون.. لكنها في النهاية وجدت، كما نأمل، سبيلاً إلى تحقيق توازن بين مضمون ينبغي أن يُقال، ومستوى فني لا يجوز التخلي عنه.. ولا مغالاة في القول إن هذا هو تحدي السينما الفلسطينية الأكبر.

قد ينال إعجابكم