متابعات

قراءة في فيلم "بوسليم المجزرة المنسيّة"

 كتمان الحقيقة والحِدَادُ المستحيل
 د. العادل خضر

يخرج كلّ من شاهد الفيلم الوثائقيّ "بوسليم المجزرة المنسيّة" الّذي أنتجته الجزيرة الوثائقية وأخرجته دعاء الأشقر مرتبكا وعلى ظمإ. فهو يعلم أنّ ما جرى في سجن بوسليم الرّهيب من مجزرة قد وقع وحدث بالفعل، ولكن الفيلم لم يقدّم الوثائق الملموسة والصّور المنتظرة الّتي تثبت الجريمة وتدين المجرمين وتضعهم رسميّا في قفص الاتّهام أمام ميزان العدالة. والسّبب بسيط جدّا. فصوت الرّاوي، أو الصّوت الخارجيّ (أو من خارج الإطار Voice off) الّذي كان يقصّ ما جرى قد اعترف من البداية باستحالة الاقتراب من السّجن. لا أحد يمكنه النّفاذ إلى داخل العنابر والزّنزانات، وتصوير ما فيها، فالحراسة شديدة والحصون متينة، تمنع دخول الأخبار والأسرار أو خروجها. ورغم الصّمت المطبق والتّعتيم الإعلامي الكثيف يمكن أن نتساءل ما الّذي أثار فضيحة بوسليم وفجّرها بعنف على غرار فضيحة سجن بوغريب بالعراق، رغم غياب الصّور والوثائق الّتي تثبت الجرائم وتؤكّد حدوث المجزرة؟

يوجد أمر لم يقرأ له نظام القذّافي حسابا واستغلّه صنّاع الفيلم، وهو ذاكرة الضّحايا. فمعظم الشّهادات الّتي تكوّن مشاهد الفيلم وخيطه النّاظم هي شهادات الّذين نجوا من المجزرة كمحمّد بوسدرة، عميد السّجناء، وجمعة الشّلماني، إضافة إلى شهادات عائلات الضّحايا الّذين قتلهم كتمان الحقيقة وجعل حدادهم مستحيلا. لا شيء يثبت موت من هلك في المجزرة، ولا شيء يثبت وجودهم على قيد الحياة. فضحايا المجزرة لم يعترف نظام القذّافي بموتهم، ولكنّه لم يؤكّد وجودهم أيضا. فهذه المفارقة العجيبة تجعل الضّحيّة شبه ميّت، شبه حيّ، أو هو حيّ ميّت، لأنّ الموت، مثل الحياة، يحتاج إلى شهادة حتّى ينتقل الموتى رسميّا إلى عالم الأموات. وهذه الشّهادة لا يمكن للأفراد تقديمها، لأنّها من اختصاص الدّولة، أو من يمثّلها (كالطّبيب الشّرعيّ)، فهي الّتي تعلن بأنّ الجسد الحيّ قد صار جثمانا. وهذا ما امتنعت الدّولة من القيام به. فعائلات الضّحايا مقتنعة بموت من سجن من أبنائها، إلاّ أنّها لا تستطيع إقامة الحداد أو تقبّل التّعازي طالما ظلّت الضّحيّة في حكم الفقيد الغائب لا الميّت رسميّا. وهذا في الحقيقة من أبشع أنواع التّعذيب الّذي يمكن أن يتعرّض له الحيّ، وهو أن يجعل حداده معلّقا ومستمرّا لا نهائيّا. فالكثير من أهالي الضّحايا قد قتله الانتظار، فمات كمدا وحسرة، أو أنهكه الأملُ القاسي، فأضنى الجسدَ بالأمراض. فعبد الهادي الغزالي والد الشّهيدين عبد الكريم وإدريس قد ضعف بصره ووهن عظمه وأصبحت النّفس، بعد اعتقال ابنه الثّالث في ثورة 17 فبراير، غير مطمئنّة. أمّا والدة الشّهيدين، نجيّة فرح، فهي تذكّرنا بأنّ كلّ الجروح تندمل إلاّ جرح بوسليم.
يلفت هذا الفيلم الانتباه بكثرة الأشهاد (جمع شاهد) أو الشّهود والمشاهد التّمثيليّة لوقائع الجريمة. وهي كثرة تعوّض ندرة الوثائق الّتي تثبت مجزرة بوسليم الفظيعة. وهي تتّفق تقريبا على نفس الوقائع. ففي نهاية الثمانينيّات وبداية التّسعينيّات، دشّن نظام القذّافي دورة جديدة من الصّراع السّياسيّ كان طرفها الجديد هذه المرّة الإسلاميّين أو التّيّارات الإسلاميّة. يضمّ هذا السّجن المدنيّ والعسكريّ في عنابره مئات المساجين يعيشون في ظروف لا تحتمل، كالاكتظاظ، حيث تضمّ الغرفة الواحدة أكثر من عشرين سجينا، والعفونة المنبعثة من الأجساد، والرّوائح الكريهة الّتي تفرزها العنابر، والمعاملة غير الإنسانيّة، حيث يجرّد السّجين من كامل حقوقه المدنيّة والقانونيّة.

فهو موقوف دون محاكمة ودون اتّهام واضح. فسجين بوسليم ليس مجرما يمكن أن يحاسبه القانون بجرمه، وليس عدوّا سياسيّا يمكن القضاء عليه، هو بكلّ بساطة معتقل إلى أجل غير مسمّى، في فضاء سجن منغلق تعطّلت فيه كلّ القوانين الّتي تضمن الحدّ الأدنى من الحقوق المدنيّة والإنسانيّة. هذا الوضع اللاّبشريّ قد حمل بعض الشّباب من مساجين العنبر 4 على التّمرّد، فضربوا الحرّاس وفتحوا الغرف، ولكنّهم لم يتمكّنوا من الهروب، فكلّ من خرج إلى الممرّ كان يرمى بالرّصاص. وقد أسفر هذا التّمرّد على موت ستّ سجناء وحارس. حضر بعد ذلك عبد الله السّنوسي، الرّجل الثّاني بعد القذّافي، والنّاصر المبروكي، وعبد الحميد مدير الاستخبارات لإنهاء التّمرّد. طلب السّنوسي السّجين بوسدرة، وهو أحد النّاجين من المجزرة، للتّفاوض. وافق على كلّ المطالب ماعدا عرض المساجين أمام المحاكم، وهو ما يعني أنّ قضيّتهم أصبحت بيد القذّافي.

تؤكّد شهادات بعض النّاجين من المجزرة أنّ ما حدث في 28 يناير من سنة 1996 لم يكن تمرّدا بل مسرحيّة أخرجتها إدارة السّجن لتبرير المجزرة، كرمي الأدباش من الخارج، للإشعار بوجود حركة غير عاديّة في السّجن. يذكر بعض شهود العيان أنّ إطلاق الرّصاص قد استمرّ ثلاث ساعات. وكانت الحصيلة ألفا ومائتي قتيل من السّجناء، لا أحد يعرف أين اختفت جثثهم. يؤكّد سعد العبيدي أنّ الضحايا قد وضعوا جميعا في مقبرة جماعيّة. غير أنّ تسرّب رائحة الجثث إلى الخارج قد أكره الإدارة على حفر حفرة عميقة داخل السّجن دفن فيها كلّ الموتى، وقد صبّ عليهم الإسمنت لمحي وجودهم تماما، وإخفاء آثار الجريمة. بيد أنّ النّظام لم يتمكّن من إخفاء آثار المذبحة تماما. فخارج السّجن يقبع أهالي المساجين ينتظرون زيارة أبنائهم وأقاربهم. وكانوا يحملون معهم الأطعمة، فيسلّمونها إلى إدارة السّجن الّتي كان موظّفوها يوهمون الزّائرين بأنّها كانت تقدّم إلى أبنائهم الأحياء.

في 8 يناير من سنة 2008 تحصّلت بعض العائلات من بنغازي على حكم مكّنها من الاطّلاع على أخبار أبنائهم ومعرفة مصيرهم. وهو ما أحرج نظام القذّافي الّذي بدأ يقدّم التّعويضات الماليّة لأهالي الضّحايا مقابل التّنازل عن رفع القضيّة. تشكّلت في الأثناء "رابطة أهالي شهداء بوسليم" الّتي كان يمثّلها وينسّق أعمالها فتحي تربل (تعرّض لمحاولة اغتيال في 2010). كان رفض التّعويض المالي حاسما، فالمال لا يعوّض خسارة الإنسان. وبدأت أصابع الاتّهام تتّجه إلى القذّافي والسّنوسي، وارتفعت أصوات الإدانة وتكاثرت يوما بعد يوم، مطالبة باستعادة جثمان الضّحايا، ومحاكمة الجاني (وهو السنوسي ومعمّر القذّافي).

يعتقد الكثير من أهالي الضّحايا أنّ مجزرة بوسليم كانت شرارة الثّورة، فهم الّذين كسّروا حاجز الخوف. ولذلك انتهي الفيلم بعرض صور الضّحايا، وأسمائهم، وإصرار عائلات الضّحايا الشّديد على المطالبة برفات الشّهداء ومحاكمة المجرمين.
تضعنا هذه النّهاية، بعد خمس عشرة سنة من الصّمت، في أجواء الجريمة السّياسيّة الّتي اقترفتها أجهزة الدّولة. وهي جريمة مهما كان غطاؤها الميتافيزيقيّ هي من قبيل "ما لا يبرّر" و"ما لا يقبل"، لأنّه من المفروض أن تحمي هذه الأجهزة المواطن من كلّ اعتداء، لا أن تصبح مصدرا للشّرّ السّياسيّ حيث ينكّل بالإنسان دون مبرّر.
إنّ أشنع ما في هذه المجزرة هو محاولة كتمان الحقيقة بمحي آثارها، ومنع أخبارها، وإسكات أصوات المحتجّين، وشراء الذّمم والضّمائر، وإسقاطها حتّى تبقى المجزرة منسيّة لا تطالها العدالة، فتظلّ الجرائم بلا محاكمة، ويظلّ الحداد على الضّحايا مستحيلا. غير أنّ فيلم "بوسليم المجزرة المنسيّة" يؤكّد أنّ جريمة بوسليم تنتمي إلى صنف الجرائم ضدّ الإنسانيّة الّتي اقترفت في حقّ البشريّة. وهي إن انتمت إلى هذا الصّنف فلأنّها جريمة سياسيّة من المستحيل أن يلفّها النّسيان، وأكثر من ذلك، هي جريمة لا يمكن أن تسقط بالتّقادم وإن طال الزّمان، طالما ظلّ وراء الحقّ طالب.

قد ينال إعجابكم