متابعات

مسابقة الأفلام الوثائقية في مهرجان أبو ظبي السينما

أمير العمري

لاشك أن تخصيص مسابقة للأفلام الوثائقية الطويلة في مهرجان أبو ظبي السينمائي يعد تجسيدا للاهتمام الكبير الذي يوليه المهرجان لهذا النوع من الأفلام التي تم تهميشها طويلا، خاصة وأنه يخصص أيضا جوائز مالية قيمة تشمل جائزة أحسن فيلم وثائقي وقيمتها 100 ألف دولار، وجائزة لجنة التحكيم الخاصة (50 ألف دولار)، وجائزة أحسن مخرج جديد (50 ألف دولار)، وجائزة أحسن فيلم من العالم العربي (50 ألف دولار)، وجائزة أحسن منتج من العالم العربي (25 ألف دولار). أي أن مجموع جوائز الأفلام الوثائقية يبلغ 275 ألف دولار.
تكونت لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الوثائقية هذا العام برئاسة المخرجة المصرية تهاني راشد، وعضوية كل من المخرج الهندي أنور جمال، والمخرج الروسي فيكتور كوساكوفسكي، والمخرج الأردني محمود المساد، والناقد المغربي مصطفى المسناوي.
ويتنافس في هذه المسابقة 12 فيلما أقصرها يبلغ زمن عرضه 53 دقيقة، وأطولها يبلغ زمن عرضه 104 دقيقة. وبذلك يحدد المهرجان الأفلام الوثائقية الطويلة فيما يتجاوز نصف الساعة زمنيا.
من بين الـ12 فيلما هناك أربعة أفلام من إخراج مخرجين عرب هي "التحرير 2011: الطيب والشرس والسياسي" من مصر وهو من اخراج ثلاثة مخرجين هم تامر عزت وآيتين أمين وعمرو سلامة، و"بين ذراعي أمي" لمحمد وعطية الدراجي من العراق، و"المزاج" للمخرجة صافيناز بوصبايا من الجزائر، وأخيرا "يوميات" للمخرجة مي عودة من فلسطين.
والملاحظ أن كل هذه الأفلام لم تكن لتنتج لولا حصولها على تمويل خارجي من بلدان عدة، فالفيلم المصري مثلا حاصل على دعم مالي من مؤسسة سند التابعة لمهرجان أبو ظبي، وبالتالي فهو يمثلا (إنتاجيا) كلا من مصر ودولة الإمارات، وإن كان يعبر (ثقافيا) عن موضوع مصري هو الثورة التي قامت في أوائل العام الجاري هناك.
والفيلم الذي أخرجه شقيقان عراقيان (الأخوان الدراجي) هو عمليا من إنتاج هولندي، بريطاني إماراتي أيضا (حاصل على دعم من سند)، والفيلم  الجزائري من الانتاج المشترك بين الجزائر وأيرلندا وفرنسا والإمارات، وأخيرا الفيلم الفلسطيني من الانتاج المشترك بين النرويج وفلسطين.
يثبت هذا عمليا استحالة تمويل الأفلام الوثائقية العربية بالكامل من داخل الدولة التي يدور فيها الحدث، والتي يرجع إليها عادة جنسية المخرج، أي صاحب الموضوع أي صاحب الرؤية.
من الأفلام "الأجنبية" في المسابقة "بكين محاصرة بالقمامة" للمخرج وانغ جيوليانغ، وهو يقع في  72 دقيقة، ويصور كيف أصبحت الطفرة الاقتصادية الصينية وبالا على بكين، التي أحاطت بها القمامة ونواتج المصانع من كل ناحية، ويبحث الفيلم تأثير ذلك على البيئة والسكان، وعجز السلطات عن التوصل الى حل ناجع.
وهناك الفيلم الهندي "صبي الماراثون" لغيما أتوال، ويصور كيف تمكن مدرب محترف من تبني طفل فقير وتدريبه منذ أن كان في الرابعة من عمره الى أن أصبح معجزة في مجال رياضة الجري، وأسطورة شعبية حقيقية في الهند.
ومن الولايات المتحدة يأتي فيلم "فتاة الموديل" لأشلي سابين وديفيد ريدمن، وهو عن استغلال الأطفال في عروض الأزياء والتأثير المدمر لذلك على الأطفال من الفتيات، اللاتي يحرصن على الاحتفاظ بالنحافة ولو أدى ذلك الى الموت.
ويتناول فيلم "الفصل الأخير- وداعا نيكاراغوا" لبيتر توربينسون (من السويد) أحداثا دامية وقعت في ذلك البلد ابان الحركة الثورية الشعبية في 1984 وكان المخرج طرفا مباشرا في تلك الأحداث التي أودت بحياة أكثر من عشرين شخصا من الصحفيين، وهو يعود ليبحث اليوم في حقيقة ما حدث بالضبط ليكتشف أن المسؤولية تقع على الثوار أنفسهم، ومن هنا يدلف الى البحث في الوضع الراهن وماذا حققت الثورة للفقراء والمهمشين.
ويعود المخرج السويدي غوران هوغو أولسون في فيلم "القوة السوداء" الى البحث في الجوانب الفكرية التي تميزت بها حركة الفهود السود الشهيرة في الولايات المتحدة التي تزعمها مالكولم إكس، وارتبطت في أذهان العالم بالدعوة الى العنف المضاد لمكافحة العنصرية. ويستخدم الفيلم الكثير من المواد الوثائقية المصورة من السبعينيات لأعضاء هذه الحركة ونشاطاتها وما أحاط بها وصولا الى اغتيال مالكولم إكس.
 فيلم "التحرير 2011" سبق لي تناوله تفصيلا في هذا الموقع، والفيلم العراقي سأتناوله في مقال مستقل، مع الفيلم الجزائري.

يوميات
أما الفيلم الفلسطيني "يوميات" فهو يستعرض المأزق الحالي للقضية الفلسطينية من خلال ثلاث نماذج نسائية من غزة. وهو يروي قصة الرحلة التي قطعتها مخرجته مي عودة (التي تحمل الجنسية النرويجية) من رام الله في الضفة الغربية الى قطاع غزة، في نهاية العام التالي للغزو الاسرائيلي الأخير في 2008 لقطاع غزة وفرض الحصار عليها منذ ذلك الحين حتى بلغ الحصار ألف يوم وقت إنجاز الفيلم.
المخرجة تجد نفسها كما تقول في الفيلم من خلال التعليق الصوتي المصاحب بصوتها، وقد أصبحت عاجزة عن العودة الى رام الله لرؤية والدتها التي تنتظرها، بسبب رفض السلطات الاسرائيلية السماح لها بالعودة.
وهي تنتهز الفرصة لكي تبحث من خلال التوقف أمام ثلاث شخصيات لشابات فلسطينيات من غزة هن صديقات لها منذ أيام الدراسة معا، كيف ينعكس الحصار على حياة الفلسطينيين، وما نوعية الحصار الآخر الواقع على المرأة: الأولى أسماء شاكر (23 سنة) الصحفية في مجلة "فلسطين الشباب"، والثانية صفاء جودة (29 سنة)، وهي مراسلة للتليفزيون الفلسطيني في غزة، والثالثة الصحفية أسماء الغول (27 سنة) وهي أيضا مطلقة ولديها ابن.
وتنتقل المخرجة إلى بحث موضوع الأنفاق بين غزة ومصر التي يستخدمها الفلسطينيون للحصول على السلع الأساسية من مصر، وتجد أنها لم يحل أزمة الفلسطينيين بل انها في الحقيقة كما تقول "أفادت كل الأطراف: مصر استفادت اقتصاديا، والفلسطينيون عثروا على طريقة لـ"تسليك الأمور"، وحماس فرضت ضرائب على الانفاق، وإسرائيل عززت من الحصار المفروض وتمادت فيه".
ولكن الشغل الشاغل للفيلم من خلال الشخصيات النسائية الثلاث هو أساسا موضوع ذلك المأزق الاجتماعي الذي يلقي بظلاله على العلاقة بين الرجل والمرأة، وينتج عنه نوع من التشدد الاخلاقي والاجتماعي، مع اهتمام مغالى فيه بالقشور الاجتماعية والمظهرية، وفرض رقابة مشددة على تحرك المرأة، ولكن الفيلم يكتشف أيضا من خلال ذلك الأسلوب السينمائي الذي يشبه الرحلة، رحلة الغريب القادم من الخارج لديه صورة أخرى قد تكون مناقضة للواقع، كيف أن الصيادين الفلسطينيين مثلا غير مسموح لهم بالصيد إلا في مساحة لا تتجاوز ثلاثة أميال، والأهالي لا يمكنهم البناء بسبب عدم توفر المواد التي تحظر اسرائيل دخولها القطاع، وبالتالي نرى البيوت المهدمة لاتزال قائمة منذ الغزو الاسرائيلي الشامل في يناير 2008، ومشكلة الكهرباء التي تنقطع باستمرار، وكيف لجأ الكثيرون الى الاستعانة بالمولدات، لكن الحياة رغم ذلك تستمر، والقدرة على الاحتفال بالحياة، والتحايل على متاعبها ترصدها كاميرا الفيلم التي تتميز بحساسية وقدرة على التآلف مع المكان..
ومن غزة تنتقل المخرجة بالكاميرا الى رفح التي تبدو أكثر فقرا وتخلفا ومعاناة، لكطي تلتقي بصديقتها الثانية هناك التي تقول لها كيف أصبح غير مسموح للمرأة بارتداء الحطة الفلسطينية (رمز فلسطين) لأنها تتنافى مع الشكل الي أصبح متعارف عليه أي الحجاب أو غطاء الرأس.
ويناقش الفيلم عموما المشاكل السياسية التي تنتج بسبب غياب الوعي من ناحية، والرقابة التي تفرضها السلطات على الصحف من جهة أخرى، ويناقش الفيلم في اطار ذلك أزمة الهوية، وهل هي في الشكل فقط، أو هل هوية المرأة الفلسطينية يجب أن تخضع للصورة النمطية المؤطرة سلفا، وهل هي هوية واحدة أم خليط من هويات عدة، هل هي فلسطينية، عربية، مناضلة، مسلمة، تريد تحرير بلدها من الاحتلال، وهل التحرير يبدأ بالبندقية أم بتحرير الذات أولا؟
عشرات التساؤلات يطرحها ها الفيلم الجريء من خلال تلك الشخصيات الفلسطينية الثلاث الحائرة، التي تحاول الوصول الى الحقيقة بحكم ارتباطهن جميعا بالعمل في الإعلام.

لكن المدهش أنه رغم الحيرة الواضحة الناتجة عن الضغوط اليومية، إلا أن الشخصيات الثلاث يتمتعن بالصلابة والتصميم والارادة والاصرار على المضي قدما في التحدي مهما كلف الأمر.
ويتمتع الفيلم بمونتاج حيوي متدفق، يربط بين الذاتي والموضوعي، وأسلوب اخراج رصين يبتعد عن الكليشيهات المألوفة ويقترب من الشخصيات برقة وحميمية، ويروي لنا دون أن يفرض علينا، ويحتوي على لقطات تعكس جمال الطبيعة للوهلة الأولى، ولكننا سرعان ما نفاجأ بأنها قد تلوثت بفعل قنابل الفسفور التي تلقيها الطائرات الاسرائيلية.
ويتكون الفيلم من لقطات تسجيلية أثناء الغزو الاسرائيلي، ومشاهد حديثة صورتها المخرجة في غزة منها لقطات تبدأ بها وتنتهي، داخل أحد أنفاق التهريب بين غزة ومصر، وهي لقطات تصل الى السيريالية، كما لو كانت تمتد بلا نهاية في جوف الظلام، تدخلنا وندخل معها الى تجاويف الماضي السحيق الي لا يبدو أننا سنتمكن من الخروج منه أبدا.
فيلم "يوميات" عمل شجاع، مختلف، فيه الكثير من الهم الشخصي والذاتي، لكنه يعكس أيضا الهم العام الفلسطيني ولو من زاوية المرأة في الحصار: حصار الذات داخل الجلد والبيت والوطن.

قد ينال إعجابكم

نقد سينمائي

أنا لست عبدًا لك

قال "روبرت كنيدي"عام 1968 إن وضع "الزنوج" يتحسن تدريجيًا في الولايات المتحدة، وإنه ربما سيكون هناك رئيس أمريكي أسود في...