متابعات

نساء مدن "خوانا ماسياس " هاجرن من قري "لوركا"

" خطط للغد " فيلم نسائي بامتياز لولا وجود مراهق طيب !

أسامة صفار
هو الفيلم الروائي الأول لمخرجته "خوانا ماسياس " تدور أحداثه خلال أربعة وعشرين ساعة وتتخذ أربع نساء خلالها قرارات مصيرية بعد أن وضع المجتمع كل منهن في حالة اختيار صفري بين مستقبل لا يردنه وماض يريدهن بشروطه .. إنها المعادلات الأربعة الحب مقابل الأمومة .. الزوج والأسرة مقابل الحب .. الغفران مقابل الحياة ذاتها ..
وفي اسبانيا يحفل التاريخ الاجتماعي بقهر المرأة كما في العالم كله لكن أسبانيا وحدها تنفرد بنضالات فنية وأدبية كانت كفيلة بتغيير وجه المجتمع وإذا كان بيدرو ألمود وفار هو الأشهر من سينمائيي أسبانيا حاليا فان خوانا ماسياس التي استطاعت في عام 2010 أن تقدم فيلما بهذا الصدق وكل تلك الحساسية تبشر بمخرجة أسبانية لن تتوقف عند حد ما حققه ألمودوفار خاصة وقد حصلت علي أكثر من خمسين جائزة عن أفلام تسجيلية قدمتها قبل "خطط للغد" .
في هذا الفيلم" خطط للغد" انقسم العالم إلي نوعين من الكائنات أحدهما رقيق وراقي وينتمي للخير والآخر علي العكس تماما فظ ويمارس أسوأ أنواع الاستغلال للنوع الآخر كما أنه شرير والرجل في عالم "خطط للغد " عاشق نذل لا يفي بوعوده ولا يلتزم بحقوق الآخرين ويتخلى عن شريكة حياته حين ترفض التخلي عن آخر فرصها في الأمومة وهو مديرها الذي يضعها بين اختيارين إما العمل أو استكمال رحلة الأمومة وهو الزوج العصبي الذي لم ينجح علي مدي عشرين عاما في إدراك حجم الملل الذي يسببه لزوجته فتلتقط فرصة الحياة مع حبيبها حين تتاح لها علي غير انتظار وتشفي من ممرض مميت علي نحو فجائي وكأن حياتها الزوجية هي مرضها الحقيقي  وهو الزوج الذي تعامل مع زوجته لسنوات باعتبارها كيس التدريب علي الملاكمة الخاص به وحين تنجح في الخلاص منه ومعها ابنتها المراهقة "مونيكا " يبحث عن فرصة للغفران والعودة فتكون نهاية حياة الزوجة السابقة وهي تصرخ فيه أنها تكرهه ولا تستطيع أن تغفر له .
"خوانا ماسياس " المخرجة وكاتبة السيناريو بالمشاركة لم تنعزل بذلك عن تراث الأعمال المسرحية أوالسينمائية النسائية في أسبانيا حيث سبقها شاعر أسبانيا العظيم لوركا في مسرحياته الثلاثة عن قهر المرأة وهي 'يرما ' و'بيت برناردا ألبا 'و" دونيا روسيتا لسولتيرا" وكان التعاطف مع المرأة هو السمة العامة لأعمال لوركا وان كان مسرح الأحداث لديه غالبا في القري الأسبانية علي عكس "خوانا ماسياس " التي التقطت يوما واحدا في مدينة أسبانية تحاول عبر الرجل افتراس ثلاث نساء وفي اللحظة الحاسمة تنجح كل منهن في القبض علي مصيرها بيدها إذ تتحرر من حاجتها للرجل والمجتمع معا لتشكل لوحة المستقبل طبقا لإرادتها الحرة

 الأولي "اناس" التي تعيش مع صديقها "ألبرتو" وتبدو العلاقة من اللقطات الأولي شديدة الدفء وبينما تحاول "اناس" صنع التوازن بين العاطفة المتأججة لدي صديقها وبين ضرورات العمل فان العاشق لا يعطيها فرصة – حتي – للعمل ورغم ذلك فان خبر حملها يصيبه بصدمة حتي أنه لا ينشغل سوي بالسؤال عن مبرر إجرائها لاختبار الحمل !!
وبينما تحاول تجاهل رد فعل والد طفلها القادم فان مديرها في العمل يؤكد عدم استعداده لتحمل وجودها بمشكلات الحمل التي قد تنجم عن كونها تبلغ التاسعة والثلاثين عاما ويضعها بين خيارين إما العمل أو الأمومة ثم تفاجأ برد فعل والدتها المندهش من كونها تريد طفلا في هذه السن بل وتتهمها بالجنون .. وتخرج "اناس " الي الشارع وسط أناس لا تلمح منهم الا أشباحا أو ظلالا دون تفاصيل وتتحرك الكاميرا في اهتزازات عشوائية للحظات في لفته تؤكد علي حالة انعدام التوازن التي تعيشها البطلة ثم تجلس علي أحد الأرصفة في خلفية الكاميرا بينما يتحرك البشر في الشارع دون تفاصيل .. فقط يحجبون وجهها ثم تعود للظهور فيم تستولي علي ملامحها طاقة جبارة من حزن يبدو مؤقتا ومطرودا لا محاولة دون انفعال أو غضب
وتتعرض "اناس " لحادث فور أثناء عودتها للمنزل وبينما يقوم المسعفون بنقلها علي حمالة الإسعاف تخبرهم بحملها رغم كونها شبه فاقدة للوعي وهو ما يشير إلي تمسكها بذلك الحمل حتي في ظل أسوأ الظروف
ويظهر العاشق "ألبرتو" مرة أخري في المستشفي ليناقشها وهي علي سرير المرض في ضرورة التخلص من حملها فتسأله عن أجندة مواعيده وتدعوه للالتزام بها لأنها تعرف كيف تعتني بنفسها .. هو القرار إذن
المرأة الثانية في الميلودراما النسائية بامتياز هي "انتونيا " الزوجة والأم لمراهق والتي ينتقل الإحساس الي مشاهد الفيلم منذ لقطتها الأولي علي سرير الزوجية بنفورها منه ورغم ذلك تمارس حياتها كزوجة وأم وتفاجأ باتصال تليفوني من الواضح أنه تأخر لسنوات طويلة اذ يعود الحب القديم "بريان" مصمما علي اللقاء بها ودون مقدمات يقدم إليها تذكرة طائرة لترافقه الي لندن حيث هاجر من سنوات طويلة ورفضت يومها أن تهاجر معه .. يعود وقد أنهكته الذكري ولم يفلح في نسيانها فتتركه هاربة لتزور صديقتها "اناس" بعد إصابتها في حادث السيارة وتحكي الصديقة قصة الحمل والرفض والقرار فكأنما انتقلت الإرادة الي انتونيا فتتركها عائدة الي الفندق الذي يقيم فيه العاشق "بريان " وفي غرفته نري قصيدة جسدية تؤكد علي تناغم شديد بين عاشقين .. ومع تسارع الأحداث والتكثيف الشديد والتداخل الزمني بين القصتين لا يوجد لهاث فالعمل هادئ الإيقاع وان لم يصل لدرجة الملل .. وتعود الزوجة والأم من غرفة عشيقها بالفندق الي الابن المراهق الذي يعيش بدوره قصة حب وأثناء اصطحابها له من المدرسة تصارحه بوجود عشيق لها واعتزامها ترك الأسرة والسفر معه الي لندن بل وتطلب من الابن مرافقتها فلا يوجد رد فعل متاح أمامه سوي العدو خروجا من السيارة ومن حياتها .. تحاول قليلا اللحاق به ثم تعود لتنتظر الزوج بعد أن تكمل استعدادها للسفر ويطلب الزوج أسبابا يستطيع فهمها ويخر راكعا أمام الزوجة لكنها تؤكد له أن الأمر مختلف لا يتعلق باحتياجات ينبغي توفيرها فيفقد أعصابه متهما اياها بالتخلي عن الأسرة من أجل الجنس وتواجهه بجملة شديدة العمق وهو ما يميز حوار الفيلم بشكل عام حيث تقول " أنا سوف أعيش مرة واحدة وأنت أيضا" .. كانت "أنتونيا" مصابة بمرض مميت كشفت لها الطبيبة قبل اتصال حبيبها مباشرة أنها شفيت منه تماما "

أما " ماريان " وابنتها المراهقة مونيكا التي تعيش قصة حب أغلبها يتم عبر الشات مع "راؤؤل " فقد شاءت المخرجة وكاتبة السيناريو أن تقترب أكثر من الميلودراما عبر قصة الأم التي تخلصت من كابوس في صورة زوج كان زميلا في الجامعة وعاش معها قصة حب وتزوجها لكنه تحول الي حيوان يتعامل معها باللكمات طوال الوقت وشاهدت ابنته جزءا من فصول ما تعرضت له والدتها واستقرت في وجانها كراهية ذلك الأب الذي يحاول الآن وبإلحاح أن يلتقي بزوجته السابقة ولو لخمسة دقائق وبينما تنتاب الأم التي تحاول النوم رغبة في الرد علي اتصالاته التليفونية فان الابنة تلحظ الأمر وتفصل الهاتف لكن ذلك لا يمنع الأم من الرد عليه لتستمع اليه يرجوها أن تساعده بمنحه فرصة واحدة أخيرة خاصة أن لديه مقابلة قد يحصل من خلالها علي عمل ويبلغ موقف الابنة درجة من الحدة لا تستطيع معها الأم الا أن تصفعها ومن ثم تتصالحان صباحا وتصل الابنة الي المدرسة والأم الي عملها حيث يداهمها الزوج السابق ويسبب مشكلة في العمل وتحذرها مديرتها من تكرار الأمر وتطلب من الزوج أن ينتظرها بالخارج وتفاجأ به عند سيارتها بالجراج أسفل بناية البنك الذي تعمل به وتلحظ وجود زميلة لها فتسارع بالتحرك وهو معها في السيارة ويطلب منها الغفران والعودة وبكل مرارة أيامها السوداء معه تنفعلا رافضة ما يقول وتؤكد كراهيتها له لتصطدم بسيارة تصادف مرورها في الاشارة
تنتظر مونيكا والدتها لتعيدها الي المنزل لكنها لا تأتي وتسال عنها كل صديقاتها وأخيرا بعد يأس كبير تتصل علي هاتفها لتشاء الصدفة أن يكون بيد "اناس" ودون أن نعرف كيف وصل الي يدها ترد وتخبر الابنة أن والتها أصيبت في حادث وهي تعالج في المستشفي وتسرع الابنة الي هناك لتفاجأ بخبر وفاة والدتها وتنهار تماما وتعرف أن الأب علي قيد الحياة فتذهب اليه وتحاول فصل الأجهزة عنه انتقاما لموت والدتها التي تتجلي لها وتمنعها مؤكدة لها أنها أقوي من الانتقام وأنها بحاجة لأن تؤمن قليلا
تخرج الابنة مونيكا لتلتقي بحبيبها المحطم بعد هجر والدته للأسرة ويسافران الي حيث مستقبل مختلف .. وهنا ينتهي الفيلم لكن يبدأ السؤال عن راؤؤل ومونيكا وما اذا كانت احدي القصص الثلاثة السابقة ستتكرر معهما أم لا ....

قد ينال إعجابكم

نقد سينمائي

وَعْد شابة أفريقية

لم تتخل "جاها" عن قيم الدين الإسلامي الذي تربت عليه، وحاولت عبر نقاش غير متشنج في الدين نفسه البحث عن حجج تنفي علاقة...