متابعات

سندانس يُعلن ودبي ينطلق: السينما الجديدة تسود

محمد رُضا

ما بين مهرجاني دبي وسندانس شهر وأسبوع يفصلهما. مهرجان دبي ينطلق من السابع إلى الرابع عشر من كانون الأول/ ديسمبر، ومهرجان سندانس من التاسع وحتى التاسع والعشرين من كانون الثاني/ يناير. واحد في نهاية المطاف للعام بأسره والثاني في مطلعه. سندانس يبدأ مهرجانات السنة الكبرى، ودبي ينهيها. لكن لكل مرتعه واهتماماته التي في نهاية الأمر تلتقي في واحد من جوانبها.
فبينما يشجّع مهرجان دبي السينما العربية الجديدة ويعمل على درايتها يشجع مهرجان سندانس السينما الأميركية والعالمية المستقلة ويعمد على تشجيعها. الفارق المهم هو وضع السينما في كل من المنطقتين العربية والعالمية. نحن هنا، ودبي ليس المهرجان الوحيد الذي يهتم بالسينما العربية الجديدة، نتابع جديد هذه السينما وما تنبؤ به من تحوّلات وتبثّه من مضامين وتطرحه من مشاكل وهناك يفعلون الشيء ذاته. وفي كل الحالات هناك هم التأكد من أن الصياغة الإجمالية لمثل هذه الطروحات هي فنية.

لكن هل قلت "السينما العربية الجديدة"؟
أعتقد أني فعلت لأنتبه إلى حقيقة أنه ليست هناك من سينما عربية غير جديدة. معظم ما هو مُنتج عربياً الآن ينتمي لجهود سينمائيين جدد في الساحة السينمائية. لجهود جيلين على الأكثر واحد انطلق مع مطلع التسعينات من القرن الماضي والآخر انطلق خلال السنوات العشر الأخيرة، وكلاهما ضمن الفترة الزمنية الشاملة واحد.
هناك فلولاً لسينما عربية "غير جديدة" ينفّذها أعضاء نادي السينما التقليدية ضمن الصناعة المصرية غالباً،  لكن حتى هؤلاء الأعضاء جدد في الغالب. التغيير الذي قام به المنتجون والموزّعون ومحطّات التلفزيون العربية المشترية على خارطة الفيلم الجماهيري، انضوى على استبعاد المخرجين الجيّدين الذين لهم رأي ثابت في الكيفية والنوعية واستبدالهم بعناصر شابّة أكثر قبولاً ورغبة في تنفيذ ما يرتأيه المنتج الذي يعتقد أنه يعمل بما يرتأيه السوق.

لكن هذا موضوع له شأن آخر عويص ربما عدنا إليه. ما هو مؤكد الآن هو أن مراجعة الأفلام العربية في مهرجان دبي وتلك الأجنبية في مهرجان سندانس سيكشف عن الكم الكبير من السينمائيين الجدد العاملين في الحقل التعبيري المصوّر والمتحرّك الذي نسمّيه سينما.
هادي الباجوري («واحد صحيح»)، نجوم الغانم («أمل»)، طلال محمود («عبير»)، حمد الحمادي («آخر ديسمبر»)، مريم السنكال («لندن بعيون محجّبة)، دانيال جوزف («تاكسي البلد»)، عبد الحي العراقي («جناح الهوى») عمّار البيك («إسبرين ورصاصة») وهذا نذر يسير من مخرجين إما بدأوا في العشر الأولى من هذا القرن، كنجوم الغانم وعمّار البيك وإما ينطلقون هنا للمرّة الأولى.

في سندانس الصورة مختلفة من حيث أن المهرجان أقيم فعلاً للإحتفاء بالسينمائيين الجدد في أول أو ثاني أعمالهم، لكن المهرجان منذ سنوات وسّع من دائرة استقباله ليحتوي، في عروض موازية للمسابقات الرئيسية في الروائي والتسجيلي، لهذا، هناك ثلاثة عشر فيلماً روائياً وثماني أفلام تسجيلية من تحقيق مخرجين سبق لهم وأن أمّوا هذين المجالين من قبل. من أبرزهم سبايك لي، المخرج الأفرو-أميركي الذي أنجز لنفسه مكانة مشهودة في مطلع التسعينات حين حقق «أفعل الشيء الصحيح» Do The Right Thing والذي يعود الآن بفيلم جديد عنوانه
Red Hook Summer صيف الخطّاف الأحمر
البريطاني ستيفن فريرز يعرض جديده تحت عنوان «أعرض المفضّل» او Lay The Favorite
والمخرج التسجيلي جو برلينجر ينجز فيلماً عن المغني بول سايمون بعنوان Graceland
طبعاً، المسابقتان الروائية والتسجيلية هما بيتا القصد في مهرجان سندانس وما توفّره هاتان السينماتان متعدد بطبيعة الحال، لكن ما يزيده ثراءاً الإتجاهات المتعددة لطرح جديد لما تعايشه الشخصيات وتمارسه في ظل بيئة زمنية تبدو بالغة الغموض في الوقت الراهن، كما الحال في «نهاية الحب» للمخرج مارك وَبر الذي يلعب أيضاً دور أب شاب تتهاوى حياته أمام عينيه بعدما خسر زوجته. وإذا كانت الغاية هنا هي مزج الخاص (كون المخرج عايش هذا الوضع بنفسه) بالعام، فإن »الكوميديا» الذي يؤكد مخرجه ريك ألفرسون أنه ليس فيلماً كوميدياً. في واقعه، وقد شاهد هذا الناقد نسخة مبكرة في عرض خاص، هو فيلم ساخر وأحياناً مؤلم حول رجل يرث قطعة عقار كبيرة لكن هذا لا يسعده او يحل أزمته الفردية مع المجتمع والحياة حولها.
وهناك حيرة حيال المستقبل العائلي القريب في «اتصل إذا أردت وقتاً ممتعاً» For A Good Time?,? Call
الذي يدور حول زوجين شابّين يتعرّضان لأزمة مهمّة حين تكتشف الزوجة حقيقة عمل زوجها، هذا قبل أن تقرر ردم آثار المفاجأة بالإنضمام إليه في عمله.
وهناك كلام مكثـّف عن فيلم لمخرج مكسيكي أسمه يوسف داليرا وأميركي أسمه مايكل أولموس (إبن الممثل إدوارد جيمس أولموس) بعنوان «فيلي براون» يتحدّث عن فتاة مكسيكية فقيرة تعاني من من كل ما يعنيه الفقر في مجتمعها وبيئتها لكن ظروفها الخاصّة لا تمنعها من السعي لتحقيق طموحاتها الموسيقية.
أما في مسابقة الفيلم التسجيلي فنجد تسعة أفلام متسابقة وما يبدو بالغ الأهمية من بينها »غرب المسيسيبي» حول جريمة حقيقية ارتكبها ثلاثة مراهقين قتلوا ثلاثة أولاد صغار (في الثامنة من العمر) وذلك قبل تسعة عشر سنة. الآن، يقترح الفيلم الذي أخرجته آمي بيرغ، بشدّة أن المحكمة لم تنظر في كافّة الأدلّة ولا القضاء كان نزيهاً عن الفساد.

وثمن الشهرة والنجاح قاس ومكلف في فيلم تيموثي ساندرز «حول الوجه» الذي يتناول سوق التجميل وكيف يعرّف المجتمع الجمال ويبث أفكاراً قائمة على ضرورة تفضيل المظهر على المحتوى كشرط للقبول. لكن في مجال أكثر خصوصية هناك «إيثل» الذي يدور حول سيرة حياة إيثل كندي حيث يدلف المخرج روري كندي من الخاص إلى العام ليتحدّث عن اشتغال عائلة كندي في السياسة جيلاً بعد جيل.
وفي حين أن هذا ليس كل ما سيختاره المهرجان الأميركي الكامن في أعالي ولاية يوتا من أفلام، بل لا يزال هناك وقت لإضافة أفلام أخرى خارج المسابقة على الأقل، فإن الواضح أن مهرجان سندانس بات أساساً للعديد من حياة الفيلم على شاشات السينما وفي أكثر من مجال. فرئيسه روبرت ردفورد نجح في تحويله من مجرد تجمّع لأفلام شبابية إلى مهرجان حقيقي يجذب إليه المنتجون والموزّعون ما يعني أنها فرص عمل وإشهار لكل هذه الأفلام التي تتسابق في الوصول إلى شاشات المهرجان. وكدليل على أهميّته، فإن هوليوود، بكل آلاتها التوزيعية وستديوهاتها تنتقل إلى ذلك العرين البارد في مثل هذا الوقت لكي تشاهد وتشتري ما تراه قابلاً للرواج.
ربما نحن، في هذه البلاد العربية، لا زلنا بحاجة إلى مهرجان يشبه سندانس وذلك رغم تعدد المهرجانات. لكن نجاح سندانس لا يمكن أن يتكرر بسهولة، فليس من عادات منتجينا وموزّعينا تشجيع السينما الشابة او الجديدة او حتى المخضرمة إذا ما خرجت عن التقليد. كل ما يقوم هؤلاء عليه هو ذبح السينما بأعمالهم واهتماماتهم السقيمة.

قد ينال إعجابكم