متابعات

دكتاتور شيوعي وسائق سيارات في أفلام سير ذاتية

هناك الكثير ما يجمع بين الفيلمين التسجيلين: " السيرة الذاتية لنيكولاي تشاوشيسكو " و" سينا"، واللذان عرضا في الصالات السينمائية الأوربية العام الماضي، وحظيا وقتها بثناء نقدي كبير، ونجاح لافت بشباك التذاكر، مهد لطلاقهما السريع على اسطوانات "دي في دي"، والذي بدأ قبل أسابيع قليلة. فالفيلمان ينتميان لأفلام السيرة الذاتية التي تتناول شخصيات من التاريخ القريب، مستعينة بالأرشيف الصوري المحفوظ لتلك الشخصيات،والذي سجلته كاميرات برامج تلفزيونية، وافلام صورها هواة، وأفلام اخرى، من التي تصنف تحت مفهوم الأرشفة الرسمية للأحداث، والذي تولته أحيانا أجهزة إعلام حكومية. لكن التقارب الأكثر تميزا بين الفيلمين، هو في تعاطي مخرجيهما مع المادة الأرشيفية. إذ اختارا أن ينسجا فيلميهما بالكامل من تلك المادة، حيث لا يتضمن الفيلمان أي مشاهد تم تصويرها بعد نهاية الفترة الزمنية التي اهتما بها من حياة شخصياتهما، والتي تشترك هي الأخرى، بالخاتمة الدموية الشهيرة.
وإذا كان مخرج فيلم " السيرة الذاتية لنيكولاي تشاوشيسكو " الروماني أندريه اوجيكا، اختار أن يقدم فيلمه بدون أي شروحات على الشاشة، أو تعليقات صوتية. استعان المخرج البريطاني آصف كاباديا ببعض اللقاءات، التي قدمت كخلفية صوتية ضمن أحداث فيلمه " سينا "، دون أن تشي تلك اللقاءات بزمن إجرائها، أو إذا كانت، وكحال المادة الصورية في الفيلم، تنتمي للسنوات القليلة، التي سطع فيها نجم سائق سيارات السباق البرازيلي آيرتون سينا قبل أن يقتل بالحادث المعروف في عام 1994. والذي تم هو الآخر أمام عدسات الكاميرات، تماما ككل محطات رحلة المتسابق البرازيلي الوسيم مع المجد.
لا يكتفي فيلم " سينا " بتلك المشاهد التي عرضتها محطات تلفزيونية وقتها في تغطياتها لعقد من السنوات من حياة آيرتون سينا. هو في الواقع يبحث عن المشاهد "الأخرى" التي صورتها تلك القنوات ولم تصل إلى العرض التلفزيوني، لأنها لم تملك وقتها الإثارة والآنية الكافية. تلك "الزوائد" أو "فضلات" المونتاج التلفزيوني، أي عندما كان المصورون يتركون كاميراتهم تتابع آيرتون سينا في دخوله البعد البؤري للعدسة أو خروجه منها، أو تلك التي تسجل أحيانا مشاهد طويلة مقربة لوجهه، هي التي ستشكل الصورة الموازية للصورة "الشائعة" الأخرى لحياة المتسابق البرازيلي، والتي ستكون عماد فيلم " سينا"، والتي ستسلط بعض الضوء على خلفيات الظروف التي أحاطت بحياة آيرتون سينا، إصراره على الفوز، تنافسه الشرس مع زملائه المتسابقين وعلاقته بالرياضة الخطرة.
يولي الفيلم اهتماما كبيرا بعلاقة آيرتون سينا ببلده البرازيل. وتأثيرات تلك العلاقة في دفع المتسابق للاستمرار في الرياضة التي ستصل به إلى حتفه. لم يكن "سينا"، واحدا من أبناء أحياء الفقر في البرازيل، والذي خالف السائد، ليتحول إلى أيقونة وطنية، فهو ينتمي إلى أسرة غنية، أرسلته في عمر مبكر إلى أوربا، ليبدأ طريقه في سباقات السيارات، الرياضة التي يعشق. لكن نجاحه السريع في تلك الرياضة، وتمسكه بالهوية البرازيلية، جعله يتسلق قلوب البرازيليين، ليتحول إلى إحدى "المتع" القليلة لأبناء البلد المهمومين بالمشاكل المستعصية على الحل، وكما وصفت سيدة، كانت تنتظر آيرتون سينا في طريق عودته إلى بيته، من إحدى المسابقات الدولية التي فاز بها.
تدين آيرتون سينا، والذي كان يؤكد عليه الشاب بكل مناسبة ممكنه، رفعه أيضا إلى مرتبة تقترب من القداسية، عند أبناء بلده الفقراء، وخاصة في سنوات منتصف الثمانيات من القرن الماضي، عندما كانت البرازيل تواجه صعوبات شديدة الجدية في التعامل مع مشاكل الفقر والعنف. سينا انتبه إلى الدور الذي يمكن أن يقوم به، وبدأ نشاطات خيرية في بلده، مازال بعضها مستمرا حتى هذا اليوم. كل ذلك جعل رحيله صدمة قاسية لأبناء بلده. والذين سينتظر كثير منهم، الجنازة القادمة من ايطاليا، وسيبكون خارج الكنيسة، التي أقامت القداس المهيب للشاب الراحل، والذي سجلته الكاميرات التلفزيونية وقتها، ونقل جزء منه فيلم "سينا".

متاهة الديكتاتور

فيلم سيرة ذاتية

تبدو الدقائق الأولى من فيلم السيرة الذاتية لنيكولاي تشاوشيسكو كمتاهة من الصور المتتابعة، قبل أن تكشف بعد ذلك عن سياق زمني يربطها، هي تبدأ، كفيلم "سينا"، من الماضي وتتقدم بعدها إلى الماضي الأقل قدما، لتنتهي مع نهاية حياة الشخصية التي تهتم بها. يبدأ الفيلم من جنازة زعيم رومانيا السابق. أفلام بالأسود والأبيض للجنازة، والتي يظهر بعضها شاوشيسكو كأحد قيادات ذلك الزمن. قبل أن يتحول الزمن نفسه إلى ظل لحركاته. لثلاث ساعات طويلة يقدم الفيلم عشرات الأفلام القديمة لتشاوشيسكو وعصره. والذي ينتهي بالمحاكمة الشهيرة في عام 1989. والتي لم تظهر كثيرا في الفيلم، الذي بدأ غير معني كثيرا بها أو بمشهد الإعدام الذي هز العالم وقتها، بقدر اهتمامه بالطريق الذي سلكه الرئيس الشيوعي للوصول إلى السلطة، ثم التشبث بها لأكثر من عشرين عاما. كل هذا يتم بواسطة المشاهد الأرشيفية فقط، حتى الموسيقى التصورية التي منحت بعض مشاهد فيلم "سينا" تأثيرا نفسيا مضاعفا، غابت تماما عن فيلم " السيرة الذاتية لنيكولاي تشاوشيسكو ". وتم استخدام الموسيقى الأصلية للمشاهد الأرشيفية المستخدمة، وغلب السكون أحيانا، لان المشاهد التي كانت تعرض وقتها، صورت بدون صوت. كالعديد من المشاهد المنزلية الخاصة لتشاوشيسكو، وزوجته، والتي نراها هي الأخرى، تتبدل، من الزوجة الحسناء الخجولة التي كانت ترافق عضو الحزب الشيوعي الشاب، إلى سيدة في منتصف العمر، تتصرف كملكة، تكتفي بمد يديها ليقبلها المهنئون من رجالات الحزب بعيد ميلادها.

ورغم غياب أي معلومات عن المشاهد الأرشيفية التي يتم عرضها في الفيلم التسجيلي، إلا أن من الممكن تتبع بعض ملامح سياسية نيكولاي تشاوشيسكو، وحتى لغير المتخصصين بالتاريخ، أو المطلعين على تاريخ رومانيا. فكثير من المشاهد الأرشيفية التي عرضها الفيلم، يتعلق بزيارات لتشاوشيسكو إلى دول أوربا الغربية، أو استقباله لرؤساء دول غربية. والتي اندرجت ضمن سياسيته للتقرب من الغرب، في مقابل خلافاته مع الاتحاد السوفيتي وقتها. هذا التوجه لم ينج رومانيا من الغرق في الفقر والفساد الاقتصادي. والحلول التي فكرت بها الدولة الشيوعية، لمشاكل الإسكان، والفقر، ستتحول إلى إحدى أوجه شقاء الحياة هناك. فالبنايات السكنية العالية، التي كان يزورها تشاوشيسكو أثناء تشيديها، ستتحول هي ذاتها وبعد سنين قليلة، إلى رمز لفشل الحلول الفوقية، إذ سيضربها الإهمال، لتزيد من تشوه المدينة وتعبر بشدة عن اختناق سكانها.

لغة الصورة
رافقت الكاميرات نيكولاي تشاوشيسكو و آيرتون سينا لسنوات طويلة من حياتهم، بقيت معهم حتى دقائقهم الأخيرة وصورت موتهم. قام الفيلمان التسجيليان بنقل عديد من تلك اللحظات الشهيرة، لكن جهد المخرجان أندريه اوجيكا و آصف كاباديا اتجه بالخصوص للبحث عن صور أخرى مجهولة، وأيضا إلى ترتيب تلك اللحظات العامة من حياة الرجلين، لتكشف الكثير عن ذواتهم. نجاح الفيلمين المبهر لا يتعلق فقط بتوليف ذكي، قادر على منح الإثارة لمشاهد متفرقة مأخوذة من حيوات شخصيات عامة، هناك الكثير من الجهد ذهب للبحث في تلك الشخصيات، دوافعها وتركيباتها النفسية، والبحث بعدها في الصور عن إشارات تدعم خلاصات تلك البحوث. فالمشاهدة المطولة للفيلمين تدفع تلقائيا إلى التمعن أكثر بحركة الجسد للشخصيتين، تبدلها على مر الأعوام. تعابير الوجه أيضا تفصح عن الكثير. يمكن الانتباه مثلا إلى حركة جسد " تشاوشيسكو "، المتعثرة التي تنقصها الثقة، كأنه يخشى أن يأتي شخص فجأة ويكشف للجميع بأنه لا يصلح لإدارة البلاد. في حين لم تغب النظرة البعيدة الغامضة عن وجه " سينا "، الذي يشبه راهب شاب من القرن السادس عشر.

قد ينال إعجابكم