متابعات

السينما الأردنية في الجزائر فاتحة لتعاون عربي عربي

على مدار ثلاثة أيام ومن خلال ستة عروض سينمائية تمكن و إلى حد كبير الجمهور الجزائري من التعرف على ملامح، واقع السينما الأردنية وجديدها ، التي تعد سينما فتية وناشئة يعبر من خلالها المخرجين الأردنيين الشباب عن مظاهر البيئة الأردنية، بأعمال تنبئ بمستقبل سينمائي كبير و مشرف وبغد أفضل لسينمائيي الأردن. فقد أظهرت الأعمال الستة المشاركة في أيام الفيلم الأردني بالجزائر المنظمة من طرف الوكالة الجزائرية للإشعاع الثقافي والهيئة الملكية الأردنية للأفلام، القدرات الإبداعية لهؤلاء الشباب والوجه الذي سيكون عليه المشهد السينمائي مستقبلا بعد أن تعزز في السنوات الأخيرة بدعم كبير قدمته مختلف الهيئات الحكومية أو المؤسسات و الشركات الخاصة، و من الأشياء التي تخدم صناع العرض السينمائي مواقع التصوير التي تتمتع بها الأردن جعلتها متحف مفتوح على الطبيعة.


ندى دوماني

الوفد الأردني جاء ممثلا بكل من الناقد والإعلامي الأردني ''ناجح حسن'' و ''ندى دوماني'' مديرة قسم الإعلام و الثقافة بالهيئة الملكية الأردنية للأفلام، التي أكدت أن هذه الخطوة تندرج في إطار التبادل و التعاون الثقافي بين البلدين، وفي حديثها للجزيرة الوثائقية اعتبرت ''دوماني'' أن أهمية مثل هذه المبادرات التي من شأنها إقامة مشاريع مشتركة مستقبلا تكمن في أنها تنطلق من رغبة فعلية لجمهور البلدين في أن يطلع كل واحد منهم على سينما الآخر و يتعرف عليها أكثر،  خاصة أن الأفلام الجزائرية  - تضيف دوماني- لها تراث و توزيع أكبر بينما الأفلام الأردنية لا توزع في الصالات التجارية و بالتالي الفرصة الوحيدة لمشاهدتها إما في المهرجانات أو من خلال الأيام السينمائية التي تعد خطوة مهمة جدا تستوجب الدعم المتواصل.
و عقب الافتتاح استعرضت ''ندى دوماني'' مديرة قسم الإعلام و الثقافة بالهيئة الملكية الأردنية للأفلام واقع و ملامح السينما الأردنية و في هذا السياق قالت: ''أنها لا تزال سينما فتية فرغم أن الكم محدود لكن النوعية موجودة، ففي ثلاث أو أربع سنوات نشاهد انتاجات سينمائية بمستوى عالمي يمكنها المشاركة في أكبر المهرجانات الدولية خاصة أن الكثير من هذه الأفلام هي من صنع شباب عملوا في ورشات تدريبية واشتغلوا على أنفسهم وصنعوا هذا الكم المعتبر من الأفلام التي توجت بعدة جوائز دولية، ويعتبر ذلك ثمرة جهد وعمل متواصل لسينمائيي الأردن''.

صور اجتماعية و ملامح أردنية
انطلاقة القافلة السينمائية القادمة من الأردن وقعها فيلم زيد أبو حمدان ''بهية و محمود'' الذي أعجب به الجمهور لبساطة الطرح و لجمال الموضوع الذي قدم بشيء من الكوميديا التي أضفت على العمل جمالية، حيث تناول المخرج ذلك من خلال قصة زوجين عجوزين، تبدو حياتهما مصابة باليأس، في أجواء تعبر عن خلوها من كل أشكال الود و الحنان بين أي زوجين، غير أن نهاية العمل تؤكد عكس ذلك، ففي أحد الأيام يستيقظ محمود ولا يجد بهية في البيت فينزل للشارع بملابس النوم بحثا عنها ليتأكد خوف كل منهما على الآخر رغم ما تحمله الأيام من شجارات بين الزوجين العجوزين، وقد توج فيلم ''بهية و محمود'' بعدة جوائز في العديد من المهرجانات من بينها جائزة ''بالم سبيرنغ'' و مهرجان السينما العربية بايطاليا، شأنه شأن أول فيلم روائي طويل لمحمد الحشكي ''مدن الترانزيت'' المتوج مؤخرا بجائزة الاتحاد الدولي لنقاد السينما بدبي، فقد استطاع عبره الحشكي من رصد تحولات المجتمع الأردني من خلال قصة شابة أردنية تتغرب في أمريكا مدة 14 سنة وبعد عودتها لبلدها تصطدم بمجتمع غير الذي ولدت وعاشت فيه، مجتمع تقيده جملة من الضوابط والأعراف التي لا تتماشى وعقلية الشابة القادمة من أمريكا بعد طلاقها من زوجها، و يعتبر هذا العمل الذي شارك فيه نخبة من خيرة فناني الأردن نتيجة ورشات تدريبية استفاد منها محمد الحشكي.

حلم بطل و لقاء حضارات على أرض واحدة
تزامنت عروض اليوم الثاني و عطلة نهاية الأسبوع، فكان الموعد مع قصة الملاكم في ''موت الملاكم'' التي استوحاها المخرج ''ناجي أبو نوار'' من الواقع، فسرد سينمائيا حكاية الملاكم الأردني ''محمد أبو خديجة'' الذي يناضل لأجل تحقيق حلمه في أن يصبح بطلا عالميا، فطموح كل مدرب و أي رياضي الوصول إلى أكبر بطولة في تاريخ الرياضة العالمية، لكن من الأحلام ما يتحقق و منها من يتبخر فأحلام أبو خديجة تجد نقطة النهاية بعد رحلة البحث عن تحقيق الحلم و النتيجة نهاية مأسوية في قمة العطاء.
ومن سجلات التاريخ استعاد محي الدين قندور مرور بل قدوم المهاجرين الشراكسة الأوائل إلى الأردن، متعقبا جملة الأحداث التي دونها التاريخ في دفتر ذكرياته، ففيلم ''الشراكسة'' كان فرصة لإعادة صور اللقاء الذي جمع حضارتين و ثقافتين مختلفتين على أرض واحدة، فلمّا سادت قيم التعايش تغلّب الحوار الحكيم على كل النزاعات والصراعات، حيث أبرز قندور كيفية اندماج الثقافتين.
و قد بدت واضحة اللمسة الاحترافية لمحي الدين قندور الذي أمضى سنوات طويلة في هوليود، وحصّل تلك التجربة التي خدمته كثيرا وهو يسعى لاستثمار تجربته السينمائية المكتسبة من عاصمة السينما في العالم، فالعمل يتمتع بجمالية وفنيات عالية أحسن المخرج الأردني المخضرم توظيفها في العمل الذي لقي استحسانا كبيرا لدى الجمهور .

رصد لهموم المرأة و دعوة للإنسانية


كابتن أبو رائد

ختام أيام الفيلم الأردني بالجزائر وقعته ثنائية "الكعب العالي" لفادي حداد و "كابتن أبو رائد" لامين مطالقة ، فقد عرض حداد في 20 دقيقة هموم المرأة التي تجد شوكتها منكسرة في كل مرة، بطريقة أو بأخرى حيث اشتغل المخرج على تفاصيل دقيقة خدمت كثيرا العرض الذي دخل إلى عالم المرأة و رصد معاناتها، بدون أن يفرط حداد في السوداوية في تصوير الأحداث، بل اعتمد على بعض الأغاني المحلية واستخدم الذكاء السينمائي ليسرد حكاية بنات حواء بنظرة تؤكد انتماءه للمدرسة الواقعية التي تميل إلى القصص المبنية على شخصيات جذابة. وقد تُوج هذا العمل بجائزة أحسن فيلم قصير بمهرجان عمان العربي سنة 2009، جاء نتيجة ورشة تدريبية أقامتها الهيئة الملكية الأردنية للأفلام و كان فادي حداد أحد المستفيدين منها.
 و حكاية ''كابتن أبو رائد'' اختتمت بانوراما السينما الأردنية، وقد استحضر ''أمين مطالقة''  في ساعة و عشر دقائق صور متعددة للمجتمع الأردني، و من تلك المظاهر التسرب المدرسي، الفقر والتهميش... و قدمت هذه المواضيع و أخرى عبر حكاية كابتن أبو رائد العامل الأردني البسيط الذي يأخد بيد غيره، فمن خلال علاقته الجيدة  مع الغير يسعى أبو رائد لمساعدة أحد الأطفال على عدم ترك الدراسة، و في مشاهد أخرى يظهر باسم الرجل الحكيم و المدافع عن أم وابنها الذين يتعرضون للضرب من طرف الوالد، و قضايا إنسانية أخرى جسدتها شخصية أبو رائد الذي تجلت فيه القيم الإنسانية والتي ترفع من شأن وقيمة العامل البسيط الذي بإمكانه خدمة الغير في الوقت الذي يعجز كثيرون عن تقديم خدماتهم ومساعداتهم لأمثال هؤلاء الذين ظلمهم المحيط الأسري والمجتمع فقد تجد في النهر ما لا تجده في البحر، فقد نال العمل أكثر من عشر جوائز، و في ذلك تأكيد على أن إرادة السينمائيين الأردنيين و الكفاءات التي تتمتع بها و كذا طبيعة المواضيع المطروحة ستؤسس فعلا انطلاقة حقيقية لحركة سينمائية جديدة بالأردن ستقول كلمتها في المستقبل القريب.
وأيام الفيلم الأردني بالجزائر كانت همزة وصل بين السينما الأردنية و الجمهور الجزائري الذي اكتملت لديه الصورة الفنية للسينما الأردنية بعد أن سبقتها الدراما الأردنية إلى ذلك، كما ستخلق التظاهرة حسب المنظمين من الجانبين الجزائري و الأردني فرص تعاون في المستقبل، لمستقبل سينمائي عربي عربي، و ما أثبتته التجارب السينمائية للمخرجين الأردنيين أن الجهود التي تبذل من قبل المخرجين وخطة عمل المؤسسات الأردنية في الاتجاه الصحيح و في غضون سنوات قليلة ستعزز مكانها أكثر في عربيا ودوليا.

قد ينال إعجابكم