متابعات

«ربيع الثورات العربية» في مهرجان دبي 2011

لم يغب «ربيع الثورات العربية»، عن شاشات العرض، في الدورة الثامنة، من مهرجان دبي السينمائي الدولي، المنعقدة قبيل نهاية العام المنصرم (7-14/12/2011). ربما يمكن القول إن شاغل العرب، طيلة العام 2011، لم يغب عن أيّ من المهرجانات السينمائية، التي انعقدت على مدى العام، من مهرجان كان السينمائي، إلى فينيسيا، وصولاً إلى مهرجان أبوظبي السينمائي (18 يوم، التحرير2011)، ولكن ما تميّز به مهرجان دبي السينمائي الدولي، هو عنايته بالتنقيب عن تلك الأعمال التي قام بها صانعوها، و«اكتشاف» الجديد منها، بعيداً عن ضجيج الإعلام.
مجموعة متميزة من الأفلام، الوثائقية والروائية القصيرة، التي تتناول شؤوناً وجوانب من «ربيع الثورات العربية» المستمرة، ضمتها فعاليات المهرجان، سواء داخل المسابقة الرسمية «مسابقة المهر العربي»، أو خارج المسابقة في إطار برنامج «ليال عربية»، المُتخصص بعرض أفلام روائية ووثائقية، تتعلَّق بالعالم العربي، سواء صنعها مخرجون عرب، أو غير عرب.
وإذا كان «ربيع الثورات العربية» قد انطلق عملياً من تونس، فمن اللائق البدء بالتوقّف أمام فيلم «لاخوف بعد اليوم» للمخرج التونسي مراد بن شيخ، وهو الفيلم الوثائقي الطويل (80 دقيقة)، الذي يتناول فيه الثورة التونسية على صعيديها، الميداني والتاريخي، فمن ناحية تتجوّل الكاميرا في شوارع المدن التونسية التي اشتعلت بالثورة، وتواكب الكثير من فعالياتها، كما أنها من ناحية أخرى، تلتقي بخبة من النشاطاء السياسيين، والمعارضين، الذين عانوا المرارات من حكم «بن علي» الاستبدادي، طيلة 23 سنة، وكانت لهم، عبر سنوات طويلة، أشكال مواجهة متعددة، سواء في قاعات المحاكم، ومحاولات الدفاع عن معتقلي الرأي، والسجناء السياسيين، وصولاً إلى النشطاء على شبكات التواصل الاجتماعي، وفضاء الانترنيت، الذي كان مساهماً فعالاً في التحشيد للثورة، وتأجيج شعلة الثورة، التي انطلقت من «سيدي بوزيد»، لتعمَّ البلد، كله.

يعتمد الفيلم، بشكل أساس، على صيغة «الكولاج» التي تبرز منذ اللقطة الأولى، من خلال الرجل الذي لن نرى وجهه أبداً، ولكنه يستمر في العمل على توشيج مئات الصور ذات الدلالة، فيما يقوم الفيلم في الوقت نفسه بتشبيك حكايات شخصياته الأساسية، سواء فيما تقوم باسترجاعه عبر الذاكرة الشخصية، أو تعيشه الآن على إيقاع ما حدث، ويحدث، في تونس الواقفة على حافة الانتقال إلى عهد جديد؛ زمن الثورة وما بعدها، مع ضرورة الانتباه إلى إشارات الفيلم الواضحة بصدد إشكالية العلاقة ما بين اليمين واليسار، وإن محا استبداد النظام عمق الفوارق الأيديولوجية، ونظرة كل منهما للأخر، وجعل الجميع في مركب الثورة الواحد، بغية التقدم على الدرب الذي كان لابد منه، ولم يكن بحاجة إلا إلى شرارة توقد أتون البركان، وتفجره.
ربما لم يبتعد الفيلم، على المستوى الفني والتقني، وبطريقة السرد والبناء، بشكل عام، عن الأسلوب التلفزيوني الذي عهدناه في الكثير من الأفلام الوثائقية العربية، خاصة تلك التي شاهدناها من إنتاج القنوات التلفزيونية الكبرى، وفي مقدمتها وأهمّها قناة الجزيرة والعربية. ولعل هذا ما جعل قناة الجزيرة الوثائقية تبادر إلى عرض الفيلم على شاشتها، ليس أبعد من شهر واحد، من عرضه، ومشاركته في المسابقة الرسمية في مهرجان دبي السينمائي الدولي، حيث كان من نصيبه أن نال «شهادة تقدير» من قبل لجنة التحكيم.
وبالانتقال إلى الثورة المصرية، فقد تمكّنا من مشاهدة العديد من الأفلام، المتميزة، منها ما هو بإخراج مصري، كما في فيلم «مولود في 25 يناير»، للمخرج المصري أحمد رشوان، ومنها ما هو بإخراج عربي، كما في فيلم «نصف ثورة»، للمخرج الفلسطيني عمر شرقاوي، والمصري كريم الحكيم، ومنها ما هو بإخراج غير عربي، كما في فيلم «ميدان التحرير»، للمخرج ستيفانو سافونا، ومنها ما يظهر بمثابة محاولة للربط بين هذه الثورة وتلك، في هذا البلد العربي وذاك، كما في الفيلم الروائي القصير «حاضنة الشمس»، للمخرج السوري عمار البيك، وهو الفيلم الوحيد، من بينها، الذي سبق عرضه، وكان ذاك ضمن «آفاق جديدة»، في مهرجان فينيسيا.


مولود في 25 يناير

في مسابقة «المهر العربي للأفلام الوثائقية»، يُشارك فيلم «مولود في 25 يناير»، للمخرج أحمد رشوان، وهو فيلم وثائقي على هيئة رؤية ذاتية للمخرج أحمد رشوان، ورصده لبدايات، وسيرورة، ومآلات الثورة المصرية، في فيلم وثائقي طويل، أراده المخرج على شكل يوميات يعيشها، في البيت، والشارع، والميدان، والمدينة، والبلد، كله. بعد شوط من التردّد، وربما الريبة، وإثر الأيام أو اللحظات الأولى التي أمضاها المخرج في بيته، جالساً أمام شاشة كومبيوتره الخاص، يتابع مجريات الأمور عبرها، يحمل المخرج الكاميرا وينطلق في شوارع القاهرة، يعيش الثورة برفقة أصدقاء له، طالما حلموا جميعاً بيوم يجمعهم، وهم يتقدّمون خطوة على طريق أحلامهم، في بلد حرّ، وعيش كريم.
«مولود في 25 يناير»، يفيض عن أن يكون رؤية ذاتية لمخرجه، مع أنه كذلك، ليتحوّل رويداً رويداً إلى رؤية جيل مصري كامل (بل أجيال) انتمى إليه المخرج، وسنرى العديد من الوجوه المألوفة في بحر البشر المتلاطم في ميدان التحرير، حيث انعدمت الفوارق العمرية، والجنسية، والمهنية، والطبقية، واندمج الحشد في إيقاع واحد كان له أن يعزف نشيد الثورة المتقدّمة نحو تحقيق لحظة النصر الأولى، خلال أسبوعين ونيف، وبكثير من الصلابة والصمود، والغالي من التضحيات.
وفي تظاهرة «ليالٍ عربية»، لن يبتعد فيلم «التحرير»، لستيفانو سافونا، عن ذلك، إلا بكونه رؤية موضوعية لما جرى في «ميدان التحرير»، ورصداً يومياً له، الأمر الذي منح الفيلم توازناً من حيث شموله التعامل مع مختلف فئات المجتمع المصري، بتنوعاته الغنية، والتي حوَّلت «ميدان التحرير» خلال أيام الثورة إلى برلمانها الحقيقي، وخلاصتها الفذة، إذ بدا كأن البلد بنماذجه اجتمع على صعيد واحد جعل من «ميدان التحرير» اسماً علماً، ورمزا دالاً، وحالة فريدة لم تشهدها المجتمعات العربية بتاريخها.
من ناحيته، وفي إطار مسابقة «المهر العربي للأفلام الوثائقية»، سيتميّز فيلم «نصف ثورة» بأنه يمزج الذاتي بالموضوعي، والوثائقي بالروائي، لتتمازج مصائر صانعي الفيلم، وهم مجموعة من السينمائيين العربي المقيمين في القاهرة، مع ما يدور في مصر، البلد الثاني بالنسبة لكل منهم، قبل أن يجدوا أنفسهم، وتحت ضغط مجريات الأحداث، خاصة بعد «موقعة الجمل»، على اضطرار للمغادرة، وقد شهدوا من الثورة نصفها، فقط، وستأتي الكتابات عند نهاية الفيلم، لتثير كل المخاوف التي نشهدها اليوم، بعد قرابة عشرة أشهر، على انطلاقة تلك الثورة البديعة.


هنا يغرق الجزائريين

أما فيلم «حاضنة الشمس»، للمخرج السوري عمار البيك، وهو فيلم روائي قصير (11 دقيقة)، سبق أن عرض في قسم «آفاق جديدة»، في مهرجان فينيسيا السينمائي، قبل أن يشارك في مسابقة «المهر العربي للأفلام القصيرة»، فيمكن اعتباره تحية سينمائية للثورة المصرية، التي حضرت في البيوت العربية جميعها، عبر شاشات التلفزة، التي كانت تتابعها لحظة إثر أخرى. ومما ينبغي أن يلفت الانتباه إشارة الفيلم الذكية إلى أن الثورة المصرية لم تتوقّف عند حدود الميادين والساحات والشوارع المصرية، فقط، بل هي في كل ميدان وساحة وشارع عربي، فما أن يفتح الشاب باب بيته حتى تنهمر الأصوات من الشارع، أعلى وأقرب مما هي على شاشة التلفزيون. لقد وصلت الثورة إلى هنا!..
يبقى من المثير أن فيلم «هنا نُغرق الجزائريين – 17 أكتوبر 1961»، للمخرجة ياسمينا عدي، وهو الفيلم الحائز على الجائزة الثانية في مسابقة «المهر العربي للأفلام الوثائقية»، لا يبتعد عن نسق الأفلام التي تتناول موسم «ربيع الثورات العربية»، وذلك على رغم أنه يعود في الزمن قرابة خمسين سنة، وذلك بأنه يتناول هبّة شعبية جزائرية، جرت على الأراضي الفرنسية، عام 1961، كانت في سياق اقتراب الجزائريين من تحقيقهم الاستقلال الوطني، ونيلهم الحرية، في حدث تاريخي يمكن له أن يكون درساً مُلهماً للشعوب الباحثة عن الحرية، مهما غلت الأثمان.

قد ينال إعجابكم