متابعات

السينما الفلسطينية 2011 : حصاد وفير..وفعالية مميزة

غلّة وفيرة من الجوائز نالها سينمائيون وأفلام فلسطينية في «مهرجان دبي السينمائي الدولي»، (جائزة المهر لأفضل فيلم عربي في الروائي الطويل، وجائزة لجنة التحكيم الخاصة للفيلم الروائي الطويل، وجائزة أفضل ممثل، وجائزة أفضل ممثلة، وجائزة أفضل موسيقى)، وحضور أكثر وفرة، حققتها فلسطين في السينما هذا العام. نعم!.. يحتاج المرء لقليل من النباهة، ولشيء من الاطّلاع، والقدرة على محاكمة الأمور، والنبش في المتواري خلف العناوين المباشرة، ليصل إلى نتيجة باهرة، وهي أن السينمائيين الفلسطينيين كانوا على قدر متميّز من الفعالية والحضور والإبداع، خلال العام 2011، تتوَّجت أخيراً بالجوائز الكبيرة في «دبي السينمائي»، وبالحضور الأكثر تميّزاً في غير مهرجان سينمائي، وبتناسل أجيال سينمائية فلسطينية جديدة، وورشة تدريب سينمائية ميدانية مميزة، فضلاً عن قدرة عدد ملحوظ من السينمائيين الفلسطينيين على استجلاب المزيد من فرص التمويل والدعم لمشاريعهم السينمائية الكامنة.
قافلة السينما الفلسطينية تتقدّم نحو الأمام، وتنهض إلى الأعلى فنياً وتقنياً. وفعالية السينمائيين الفلسطينيين تتوسّع باضطراد، وترمي بطيفها على أمداء واسعة، حتى بات وجودهم يشكّل علامة بارزة في الكثير من المهرجانات، داخل الوطن العربي، وخارجه، وبات من النادر أن ينعقد مهرجان سينمائي، دون أن يكون لأحدهم وجوده، عارضاً فيلمه الجاهز، أو حاملاً مشروعه قيد الإنجاز، أو مشاركاً في لجنة تحكيم، أو ورشة، أو ندوة، أو ملتقى.. ومع هذا فإن سؤال السينما الفلسطينية، الذي يبدأ عند جنسيتها، هويتها، حدودها، تخومها، ولا ينتهي عند صفائها!.. ما زال قائماً.

سؤال السينما الفلسطينية
إنها إشكالية هوية السينما الفلسطينية، المُرتبطة منذ البدء بإشكالية الواقع الفلسطيني ذاته؛ شتات السينمائيين الفلسطينيين، وتناثرهم في أنحاء العالم، وجوازات سفرهم المتعددة (بما فيها جوازات السفر الإسرائيلية)، وبحثهم الدؤوب عن تمويلات لتحقيق أفلامهم، من هنا وهناك، داخل العالم العربي وخارجه. وكذلك شتات الأفلام الفلسطينية، التي كانت تأتي، قبل أربعين عاماً، على أيدي مخرجين من العرب، وغير العرب، قبل أن يتولّى الفلسطينيون بأنفسهم صناعة أفلام السينما الفلسطينية، دون أن يمنع هذا استمرار مخرجين عرب، وغربيين، من تحقيق أفلام، ذات همّ فلسطيني، وإن كانت لا تنتسب للسينما الفلسطينية!..
وهي أيضاً إشكالية الفلسطيني ذاته، ومنه السينمائي، وفي المقدمة طبعاً، ذاك الذي بات عابراً للهويات، متكئاً على هويته الفلسطينية، بدايةً، بحكم المولد أو الأصل، منطلقاً تالياً في مدىً أوسع، حاملاً همومه وقضاياه، مشتغلاً على البعد الإنساني فيها، المُتمازج مع هموم وقضايا إنسانية عامّة، خاصة بعد أن ذوت مستلزمات التحريض والتثوير والدعائية، في سينما القرن الماضي، وبات منفتحاً على مصادر التمويل، المتعددة الجنسيات، العابرة للقوميات؛ عربية وغير عربية، مشاركاً في الهمّ السينمائي العام، الذي يلفّ السينمائيين، في العالم، شرقاً وغرباً.


ميشيل خليفة                           رشيد مشهراوي

عربياً، لا يمكن للسينما الفلسطينية (وكذا السينما المغاربية، واللبنانية)، أن تخضع للمقاييس الصارمة، في تحديد جنسيتها، كتلك المتوفّرة في غيرها من البلدان (تبعيتها للمنتج). دائماً كانت السينما الفلسطينية هكذا!.. شديدة الالتباس، لمن يشاء التبسيط. ممكنة التحديد، لمن يريد التبسّط، والقبول بوجود عنصرين، من ثلاثة أساسية، على الأقل، لتحديد هويتها: مُنتج فلسطيني. مُخرج فلسطيني. همٍّ فلسطيني.. ومن أراد غير ذلك، فعليه أن يجرِّد الفلسطينيين من سينما ميشيل خليفي، ورشيد مشهراوي، وإيليا سليمان، وعلي نصّار، وهاني أبو أسعد، ومن أفلام مي المصري، وآن ماري جاسر، ونجوى نجار، وشيرين دعيبس، وربما من أفلام إياد الداود، وعلا طبري، علياء أرصغلي، وساهرة درباس، وساندرا ماضي، وروان الضامن، وسوسن دروزة، وماريز جرجور، وسامح الزعبي، وشادي سرور، وبلال يوسف.. ففي عموم هذه الأفلام، ثمة مساهمات تمويلية، من قبل جهات إنتاجية عربية، وأوروبية، وأمريكية.
سيفوز فيلم «حبيبي راسك خربان»، بجائزة أفضل فيلم في مسابقة «المهر العربي للأفلام الروائية الطويلة». وسيفوز فيلم «الجمعة الأخيرة»، بجائزة لجنة التحكيم الخاصة، في المسابقة ذاتها. تلتبس الهوية هنا، فالمخرجة سوزان يوسف، ليست فلسطينية أبداً. ولكن فيلمها، المُتعدّد التمويل (الإمارات العربية المتحدة، هولندا، كندا، الولايات المتحدة الأمريكية)، تدور أحداثه في فلسطين، بأداء ممثلين فلسطينيين (ميساء عبدالهادي، قيس ناشف)، وحكاية وهموم فلسطينية. بل إنها هي نفسها شاءت أن تضع فيلمها ضمن سياق السينما الفلسطينية (انظر بطاقة الفيلم، في موقع مهرجان دبي السينمائي الدولي)، ربما وفاءً منها لما جرى تقديمه لها من مساعدات، أو تسهيلات فلسطينية، وستفوز بطلة الفيلم؛ الممثلة الفلسطينية ميساء عبدالهادي، بجائزة أفضل ممثلة عربية، عن دورها في هذا الفيلم.


حبيبي راسك خربان

أما فيلم «الجمعة الأخيرة»، الذي يحمل الجنسية الأردنية، رسمياً، فهو كما مخرجه؛ أردني من أصل فلسطيني. بل إن المخرج نفسه، هو أحد شركاء الإنتاج، إضافة إلى المنتجة رولا ناصر، ومجد حجاوي، والهيئة الملكية الأردنية للأفلام. وسيكون من المُلفت أن بطله علي سليمان، الفائز بجائزة أفضل ممثل، والأخوة جبران الفائزون بجائزة أفضل موسيقى، هم جميعاً فلسطينيون، أو من أصل فلسطيني، دون أن ننسى الحضور المتألق للممثلة الفلسطينية ياسمين المصري، في دور ملفت. كأنما في هذا الفيلم نموذج للتمازج العميق، فيما بين الهوية الأردنية والفلسطينية، وتلازمهما في آن.
هذه فاتحة للكلام، تضع المشكلة، وتؤسِّس عليها، دون أن تتجاهلها. لن نعثر في تاريخ السينما الفلسطينية، على فيلم خالص الإنتاج فلسطينياً. بل بات من النادر أن نعثر على سينمائي فلسطيني، لا يحمل جنسية أخرى، غير الفلسطينية، أو إضافة إليها. والذين يتغنّون بأفلام إيليا سليمان، التي تستمد في غالبيتها تمويلاً حكومياً من إسرائيل، وتسهيلات إنتاجية منها، في وقت ينكرون أفلام ابتسام مراعنة، ويتجاهلون أفلام علي نصّار، ويقفزون فوق أفلام توفيق أبو وائل، وإسكندر قبطي، للسبب نفسه، عليهم أن يتواضعوا قليلاً، وينسجموا مع أنفسهم، ويتخلّوا عن هذه الانتقائية العجيبة، التي لا تبرّرها القيمة الفنية للفيلم، مهما بلغت!..
بناءً على هذه الفكرة، أو هذا المنهج، يمكن للمرء أن يستقصي حصاد السينما الفلسطينية، وفعالية السينمائيين الفلسطينيين، خلال عام 2011، وينقّب في عشرات الأفلام، التي أمكن له مشاهدتها، أو القراءة عنها، وسماع أخبارها.

كامل المقال

 

قد ينال إعجابكم