متابعات

"آباء مثاليون" نموذج للفيلم التليفزيوني المتميز

كان الاعتقاد السائد في الماضي القريب أن الفيلم التليفزيوني أقل أهمية من الفيلم السينمائي، وأنه لا يتمتع بالقدرة على الحركة في اتجاهات فسيحة أو سبر أغوار مواضيع معقدة، ولا توجد فيه مساحة للإبداع في الشكل بحكم محدودية إطار الصورة.
كان المفهوم القديم السائد يتلخص في أن الصورة السينمائية أكثر عمقا وشمولية من الصورة التليفزيونية التي تعتمد أكثر من اللقطات القريبة (كلوز أب) للوجوه التي تكشف عن تعبيرات الممثلين للمتفرج، أو اللقطات المتوسطة الحجم وهي تلك التي يظهر فيها عادة شخصان يتحدثان أو يسيران إلى جوار بعضهما البعض أو حتى يتصارعان.
وكانت غلبة هذا النوع من أحجام اللقطات (إذا جاز التعبير) مرتبطة بمساحة الصورة كما توفرها شاشة جهاز التليفزيون التي لا تستطيع أن تضاهي مثلا، شاشة السينما، كما يرتبط أيضا بالإمكانيات المحدود للإضاءة عند التصوير بكاميرا الفيديو.
غير أن ما لا شك فيه أولا: أن العرض المتواصل لأفلام صنعت أساسا للعرض السينمائي أثر على الصورة التليفزيونية كما تأثرت السينما بتقنية التصوير للتليفزيوني.
وثانيا: تطورت كثيرا جدا تقنيات التصوير بكاميرا الديجيتال خلال السنوات الأخيرة، مما جعل من الممكن استخدام الألوان بحرية أكثر وبشكل تعبيري، وكذلك إبراز عمق المجال في الصورة بقدر الإمكان، إضافة بالطبع إلى أن مساحة شاشة التليفزيون لم تعد محصورة في الأبعاد القديمة (التي كانت أقرب إلى الشكل المربع) بل أصبحت تمتلك أبعادا جعلت البعض يطلق عليها - عن حق- "السينما المنزلية".
لذلك لم يفاجئنا كثيرا المستوى الفني الممتاز للفيلم البريطاني "آباء مثاليون" الذي أنتجه تليفزيون بي بي سي.

قضية اجتماعية
يتميز هذا الفيلم بتناول قضية اجتماعية شديدة المعاصرة، وهو ما يؤكد أن الوظيفة الأساسية للفيلم التليفزيوني الذي يشاهده عادة الناس من كافة الطبقات وربما الأعمار أيضا، يجب أن يتعامل مع الأحداث الجارية التي تهم هؤلاء الناس، ولكن من خلال الدراما بالطبع، وليس الشكل الإخباري التعليمي.
يتناول فيلم "آباء مثاليون" موضوعا يرتبط بالتدهور الحالي في مستوى المدارس العامة في بريطانيا.
ستيوارت وأليسون والدان يرغبان في توفير مستوى جيد من التعليم لابنتهما الوحيدة "لوسي" ذات السنوات العشر، ويزداد إصرار الأب على نقلها إلى مدرسة جيدة بعد أن تقع مشاجرة بين فتاتين في مدرسة لوسي، تتطور إلى طعن بالسكين ووقوع إصابات وتدخل من جانب الشرطة.
ويبدأ الوالدان البحث عن مدرسة بديلة، لكنهما يكتشفان أن في كل واحدة عيبا قاتلا. مدرسة واحدة فقط هي المدرسة المثالية بمعنى الكلمة، وهي المدرسة التي تتشبث بها لوسي نفسها هي مدرسة "سانت ماري".
لكن هذه مدرسة "كاثوليكية"، بينما ستيوارت وأليسون أقرب إلى الإلحاد، فما العمل؟
تقترح لوسي التظاهر بالكاثوليكية، وتروق الفكرة لستيوارت رغم المعارضة الشديدة من جانب زوجته التي ترفض أصلا فكرة إلحاق ابنتها بمدرسة ذات منحى ديني، ثم تقتنع على مضض لأنه لا يوجد بديل آخر بعد أن تركت أليس مدرستها الأولى ومكثت تتعلم في البيت.
غير أن الأمر ليس سهلا. حقا يشتري الزوجان كتبا ومطبوعات تسهل لهما لوسي، الإلمام بكل ما يتعلق بالتاريخ والتقاليد والطقوس الكاثوليكية، لكن يتعين أيضا اجتياز امتحانات قبول ليس فقط للوسي، بل لوالديها أيضا، بل ويستلزم الأمر الحصول على شهادة من قس كاثوليكي يشهد قيها أنه يعرف الأسرة معرفة وثقة منذ سنوات، وأن الأسرة تتمسك بالكاثوليكية!
بعد صراع مكشوف مع مديرة المدرسة التي تبدو متشككة في سلوك الزوجين، بينما تميل إلى لوسي التي تبدأ بالفعل في الاقتناع بالجوانب الدينية الكاثوليكية، يجتاز الجميع الاختبارات القاسية بنجاح.
أما بالنسبة للشهادة المطلوبة من القس، فيتوصل ستيوارت إلى قس يقدمه له أحد معارفه ويقول إنه سيمنحه الشهادة مقابل الحصول على 4 آلاف جنيه.

التشويق والمضمون
من هنا تبدأ الأحداث تتخذ إيقاعا اسرع، هو إيقاع فيلم التشويق البوليسي، وبذلك ينتقل الفيلم من الاجتماعي إلى البوليسي ولكن دون أن يفقد الخيط الأساسي: رغبة الوالدين في إلحاق ابنتهما بأي ثمن بمدرسة لائقة.
وتحت شعار الغاية الجيدة تبرر الوسيلة القذرة، يقترض ستيوارت ويدفع للقس المبلغ المطلوب، ويحصل على الشهادة ويلحق لوسي بالمدرسة.
لكن الأمر ليس بهذه البساطة، فهناك أولا الأم الكاثوليكية المتشددة التي كانت على ثقة من نجاح ابنتها في الالتحاق بالمدرسة، لكنها تفشل في ذلك.
ويجن جنون الأم التي تعتقد أن ستيوارت وأليسون اختطفا مكان ابنتها دون وجه حق، فهي تتشكك في أن يكونا اصلا على صلة بالدين، ناهيك عن الكاثوليكية.
من ناحية أخر، سرعان ما يعود الشخص الذي قام بالوساطة مع القس، إلى ابتزاز ستيوارت طالبا مزيدا من المال للقس وإلا فضح الأمر.
ومرة أخرى يضطر ستيوارت إلى تدبير المبلغ المطلوب لكنه يكتشف أن القس يدفع المبلغ إلى هذا الشخص (الوسيط) لقاء تستره على شذوذ القس وقيامه في الماضي بالاعتداء على الأطفال.
هذا ما يفهمه ستيوارت، فيجن جنونه، ويتصور أن القس اعتدى على لوسي خلال إحدى جلسات الاعتراف، ويقوم بمواجهته، لكن القس يصر على الإنكار، فيضربه ستيوارت بقسوة.
بعد ذلك، نعرف أن القس مات ونفهم أنه مات متأثرا بحراحه من آثار الاعتداء، ثم يعود الشخص اياه إلى ابتزاز ستيوارت ملوحا بأنه لم يحصل فقط على شهادة موزرة، بل وقتل القس أيضا.
تدريجيا نكتشف أن هذا الشخص كان قد تعرض لاعتداء من جانب القس في طفولته، وأنه قام بابتزاز القس، وابتكر له هذه الطريقة في منح الشهادات مقابل الحصول على المال لنفسه.
ونكتشف أيضا أنه قام بالإجهاز على القس بعد انصراف ستيوارت، بعد أن كان القس على وشك إبلاغ الشرطة عنه.
مديرة المدرسة تتدخل بعد أن تتسرب الحقيقة. والأم الملتاعة بسبب فقدان ابنتها مكانا في المدرسة تواصل ضغوطها على لوسي إلى أن تعترف لها بما تم من تحايلات.
غير أن الفيلم ينتهي دون الإبلاغ عن ستيوارت (الذي قتل دفاعا عن النفس على أي حال)، وبعد أن تتخلى لوسي لمكانها في المدرسة للفتاة الكاثوليكية، وتعود إلى مدرستها القديمة بعد أن تكون قد شهدت تحسنات كثيرة.

أكثر من موضوع
بالطبع الفيلم يناقش أكثر من موضوع: هناك أولا كما أشرنا، موضوع تدني مستوى المدارس العامة في بريطانيا، وثانيا: الكنيسة الكاثوليكية وما يحدث فيها، ثم هناك ثالثا: فكرة الغاية التي تبرر الوسيلة.. هل هي فكرة تستند إلى أي أساس أخلاقي؟
لا شك أن الفيلم يجيب على التساؤل الأخير دون أن يتورط في اتخاذ موقف محدد من الكنيسة الكاثوليكية، فهو يعرض للجانبين: الجانب السلبي (القس وممارساته) والجانب الإيجابي (مديرة المدرسة المتشبثة بالقيم المبادئ والأخلاق).
ولكن هناك انتقاد واضح لموقف الكنيسة من الجنسية المثلية مثلا، وتأكيدا على أن الانتهازية تقود إلى التدني والسقوط في مستنقع الجريمة، وأن النوايا الجيدة (المدفوعة بالحب – كما يقول ستيوارت) لا تبرر الممارسات السيئة.
ولعل أهم ما في هذا العمل، ليس فقط ما يمور به من أفكار وما يطرحه من دعوة إلى التأمل فيها، بل في اساسا في البناء المحكم الذي يعتمد على سيناريو مكتوب بمهارة كبيرة، وعلى الأداء التمثيلي الذي يصل إلى أفضل مستويات التقمص والليونة في التعبير، والانسجام بين مجموعة الممثلين جميعا.

ولعل أسلوب التشويق البوليسي الذي يعتمد على الكشف التدريجي عن عقدة جديدة في نهاية كل فصل من الفصول، والانتقال بطريقة مقنعة تماما من الناحية الدرامية، من مأزق إلى آخر، ساهم كثيرا في تقريب الفكرة المطروحة من أذهان الجمهور.
ورغم جدية الموضوع وقسوته أحيانا، إلا أن الفيلم لم يخلو من مشاهد كثيرة تشع بروح المرح، وتتمتع بخفة الظل.

قد ينال إعجابكم

نقد سينمائي

أنا لست عبدًا لك

قال "روبرت كنيدي"عام 1968 إن وضع "الزنوج" يتحسن تدريجيًا في الولايات المتحدة، وإنه ربما سيكون هناك رئيس أمريكي أسود في...