متابعات

وجهة نظر : هل هي دورة لبنانية أصلاً؟

ينتمي الناقد السينمائي رامي عبدالرازق إلى الجيل الشاب من نقاد السينما العرب، عموماً، وفي مصر، على وجه التحديد. إنه أحد أكثر النقاد السينمائيين الشباب نباهة وفطنة، وقدرة على الدخول في أعماق الأفلام التي يشاهدها، ويتناولها بالنقد والتحليل. بل ليس من المغالاة في شيء القول إنه أحد الحالات الشبابية النادرة القادرة على الإبداع في مجال النقد السينمائي، تماماً إلى درجة أن جعلته ينتسب إلى نسق النقاد السينمائيين المبدعين، قادراً على تجاوز مسألة التحقيب الجيلي، في إطار النقاد العرب، ويلفت النظر إليه، وإلى كتاباته، التي تأتي على قدر من الرصانة.
هنا؛ في موقع الجزيرة الوثائقية، وبعد أيام من انتهاء أعمال الدورة الثامنة من «مهرجان دبي السينمائي الدولي»، كتب رامي الناقد عبدالرازق (بتاريخ 26/12/2011) ما أسماه وجهة نظر، انتهى بمجملها إلى وصف الدورة الثامنة من دبي السينمائي بأنها «دورة لبنانية بامتياز»، منطلقاً من إحصائه مشاركة «أحد عشر فيلماً لبنانياً روائياً ووثائقياً وقصيراً»، في فعاليات المهرجان، داخل المسابقة، وخارجها. ومن ثم قام باستعراض شبه شامل للمشاركة اللبنانية في دبي السينمائي.
لن نختلف مع ما أدلى به الناقد رامي عبدالرازق من آراء نقدية ذات علاقة بالأفلام التي تناولها. ربما ثمة نقطة خلافية واحدة، هي التي تحدَّث بها بيقين عالٍ، يتنافى مع ما شاهدناه في المهرجان. يقول: «فأغلب الأفلام تتخذ من العامية اللبنانية بشتائمها المعروفة، وإشاراتها الإباحية، وتعليقاتها الساخرة، مادة لها، وهو ما لا يمكن أن يحدث مثلاً في الأفلام المصرية، فلا يمكن أن نسمع كلمة عاهرة في لفظها العامي، أو يمكن ذكر عورة المرأة في لفظها الدارج». هنا نلفت عناية الناقد رامي عبدالرازق إلى حقيقة أنه لو شاهد الفيلم المصري الروائي القصير «حكاية من صاج»، للمخرجة عائدة الكاشف، ولو شاهد نساء فيلم «في الليل يرقصن»، للمخرجة ستيفان ثيبولو، لما قال هذا الكلام أبداً.

نعم.. يا صديقي رامي.. سوف يكون صادماً لكَ لو شاهدتَ هذين الفيلمين، واستمعت إلى ما ورد على لسان ممثلة مصرية شابة، في الأول، وشخصيات نسائية مصرية واقعية، في الثاني. ونزيد في القول إن ما ورد في هذين الفيلمين، من ألفاظ وعبارات مغرقة جداً في بذاءتها وإباحيتها، لم يكن إلا من قلب الحكاية، وواقعيتها، إذ أن الفيلم الأول؛ الروائي القصير المصري «حكاية من صاج»، يتناول بشكل «دوكيودرامي» حكاية فتاة ليل، تتعرض للانتهاك والاغتصاب، بينما يغوص الفيلم الثاني؛ الوثائقي الكندي «في الليل يرقصن»، في عالم الراقصات، متكئاً على شخصية «رضا»، وأخواتها وبناتها، ممن امتهنَّ الرقص الشرقي، في الأفراح الشعبية!..
ننتقل إلى النقطة الأساسية التي نريد مناقشتها، وربما تفنيدها، وهي ما ذهب إليه رامي عبدالرزاق في وجهة نظره، عندما اعتبر هذه الدورة «لبنانية بامتياز»، لنتساءل: هل كانت هذه الدورة لبنانية أصلاً؟.. وفي محاولة الإجابة، لا شك في أن الأرقام، والأعداد، والعناوين، والموضوعات، ستكون هي الحكم النهائي، في هذا النقاش، الذي نجد أنفسنا دون حاجة للتأكيد أنه ينطلق من محبة واحترام وتقدير لوجهة نظر الناقد، والذي من المؤكد أنه لولا تقديرنا له، لما حاورناه ولا ناقشناه، أبداً.
قبل أن نقول إنها «دورة لبنانية بامتياز»!.. نجد أن من الواجب علينا سؤال: هل كانت هذه الدورة لبنانية أصلاً؟.. وكي نبحث عن الإجابة، سنذهب بداية إلى مسابقة «المهر العربي للأفلام الروائية الطويلة»، حيث سنجد مشاركة 3 أفلام من لبنان (بيروت بالليل، تاكسي البلد، تنورة ماكسي)، و3 أفلام من المغرب (جناح الهوى، شي غادي وشي جاي، عاشقة من الريف)، و2 فيلم من الأردن (الجمعة الأخيرة، فرق سبع ساعات)، وفيلم من فلسطين (حبيبي راسك خربان)، وفيلم من مصر (واحد صحيح)، وفيلم من العراق (إن مت سأقتلك).. نعم.. لتتساوى هنا المشاركة اللبنانية مع المشاركة المغربية!..
أما في مسابقة «المهر العربي للأفلام الوثائقية»، فسوف نجد مشاركة 4 لبنان (القطاع صفر، يامو، الحوض الخامس، مرسيدس)، و3 أفلام من مصر (مولود في 25 يناير، ستو زاد، نصف ثورة)، و2 فيلم من الجزائر (قم نغتنم ساعة هنية، هنا نغرق الجزائريين)، و2 فيلم فلسطين (شرطي على الهاش، نصف ثورة)، إضافة إلى فيلم من تونس (لا خوف بعد اليوم)، والعراق (حلبجة الأطفال المفقودون)، وسوريا (أسبرين ورصاصة)، والسودان (سوداننا الحبيب)، الأردن (عمو نشأت). هنا تتقدم المشاركة اللبنانية على المشاركة المصرية بفارق فيلم واحد، فقط.
وفي مسابقة «المهر العربي للأفلام الروائية القصيرة»، فسوف نجد مشاركة 4 أفلام من مصر (زفير، أحد سكان المدينة، حكاية من صاج، بحري)، و2 فيلم من لبنان (بعدنا، مكان يُعاد)، و2 فيلم من فلسطين (صياد الملح، غرفة سمير)، و2 فيلم من العراق  (أرض الأبطال، نخبك)، وفيلم واحد من الجزائر (حراقة)، وتونس (الطيّاب)، والمغرب (الطريق إلى الجنة)، والأردن (عبور)، وسوريا (حاضنة الشمس). إذاً تتخلف المشاركة اللبنانية عن المشاركة المصرية بفارق فيلمين.
هكذا.. على مستوى عدد الأفلام، سنجد أن المشاركة اللبنانية تتساوى مع المشاركة المغربية في «الروائي الطويل»، وتتقدّم بفارق فيلم واحد عن المشاركة المصرية في «الوثائقي»، وتقلّ بفيلمين عن المشاركة المصرية في «الروائي القصير». وبشكل إجمالي، يمكن القول إن من بين 41 فيلماً شارك في مسابقات «المهر العربي»، وفضلاً عن 13 فيلماً في «المهر الإماراتي»، وجدنا أن المشاركة اللبنانية تمثّلت بمشاركة 9 أفلام من لبنان، و8 أفلام من مصر (فيلم «نصف ثورة» مشترك لمخرج فلسطيني، ومخرج مصري)، و5 من فلسطين، و4 من المغرب، و4 من الأردن، و4 من العراق، و3 من الجزائر، و2 من تونس، و2 من سوريا، و1 من السودان.
أما على صعيد الموضوعات التي تناولتها الأفلام، فسوف نجد أنها توزَّعت على 9 للبنان، و9 لمصر، و5 لفلسطين، و4 عن كُرد العراق، فيما تناول 4 أفلام منها موضوع الثورات العربية (1 تونس، 3 مصر، 1 سوريا). فهل يمكن بعد هذا القول إنها «دورة لبنانية بامتياز»؟!..
بقراءة خارطة توزّع الأفلام المشاركة في مسابقات «المهر العربي»، وموضوعاتها، على النحو الذي بيّناه أعلاه، نميل إلى الاعتقاد بأن ثمة توازناً نسبياً أمكن توفيره، على الأقل أخذاً بعين الاعتبار طبيعة الظروف الخاصة التي مرّ بها هذا البلد العربي، أو ذاك، وكذلك بالانتباه إلى حجم الإنتاج السينمائي العربي المُتحقِّق خلال العام 2011، والذي يمكن أن يتوافق مع شروط المهرجان للمشاركة (عرض أول في الدولة، على الأقل).


غيفارا مات في لبنان

وبالانتقال إلى خارطة توزّع جوائز مسابقة «المهر العربي»، سوف يتأكّد لنا بوضوح أن الخاسر الأكبر، هو لبنان ذاته، إذا لم يتمكّن من الحصول بأفلامه التسعة إلا على جائزتين، بينما فاز فيلم واحد من فلسطين (حبيبي راسك خربان) بأربع جوائز، وفاز فيلم واحد من الأردن (الجمعة الأخيرة)، بثلاث جوائز. مع ضرورة الانتباه أن السينمائيين الفلسطينيين، فازوا بالحصة الأكبر من الجوائز (أفضل فيلم روائي طويل، جائزة لجنة التحكيم الخاصة للفيلم الروائي الطويل، جائزة أفضل ممثل، جائزة أفضل ممثلة، جائزة أفضل موسيقى)، دون أن نذهب للقول إن هذه الدورة دورتهم بامتياز!..
من جهة أخرى، وفي صدد تظاهرة «ليال عربية»، سوف نجد مشاركة 6 أفلام ذات علاقة بفلسطين (لا تنسيني يا اسطنبول، ثمن الملوك، بعد الصمت، السمكة الذهبية، الأرخبيل، سينما جنين)، و4 أفلام ذات علاقة بلبنان (غيفارا مات في لبنان، روميو 11، كل هذا وأكثر، شكراً على اللقاء)، و2 فيلم ذات علاقة بمصر (في الليل يرقصن، ميدان التحرير)، و2 فيلم ذات علاقة بالجزائر (الخطّ البني، أوكتوبر 1961)، وفيلم واحد ذات علاقة بسوريا (البريق في عينيها)، وبالعراق (صمتاً: كلّ الطرق تؤدي إلى الموسيقى)، وبالكويت (الـ99 بلا حدود)، وبالجزائر (الرجل الأول)، وبالمغرب (السلاحف لا تموت بسبب الشيخوخة).
يبقى في الختام، من الجدير القول، إننا نحترم وجهة نظر الناقد السينمائي رامي عبدالرازق، تماماً في وقت نرى أنها ذهبت إلى حدّ غير صحيح في استخلاصاتها. لقد كانت المشاركة اللبنانية في المقدمة، من الناحية العددية، ومن ناحية تنوّع الموضوعات، ولكنها أبداً لم يكن لها أن تأخذ الدورة لنفسها، ولا أن تكون قادرة على أن تجعل الدور الثامنة من مهرجان دبي السينمائي «دورة لبنانية بامتياز».. فأين نذهب بالمشاركات العربية المتميزة؟.. وماذا عن الأفلام الإماراتية (13 فيلماً في «المهر الإماراتي»)، والأفلام الخليجية (5 أفلام في «أصوات خليجية»)؟.. لا يا صديقي رامي.. لم تكن «دورة لبنانية أصلاً».

قد ينال إعجابكم

أخبار

سينما من أجل التنمية

على هامش مهرجان "كام" السينمائي الدولي،بمصر، عقدت ندوة بعنوان "سينما من أجل التنمية"، تناولت كيفية استخدام السينما في...