متابعات

صور باباذيموس تؤرخ للشرق الأوسط

شادي الأيوبي

يعرض المركز الثقافي التابع للمصرف الوطني اليوناني في أثينا، حوالي مائتي صورة من عمل المصور اليوناني الراحل ذيميتريس باباذيموس، تمتد ما بين أعوام 1840 حتى 1980، وتعتبر أرشيفا سياسيا واجتماعيا وثقافيا لمنطقة الشرق الأوسط وقبرص واليونان وبعض الدول الأفريقية.
وتعرض الصور للقطات من اللحظات الإنسانية والتاريخية لتلك المنطقة، تميل بشدة لصالح اللحظات الإنسانية، حيث كان المصور مولعا بالنفس الإنسانية ولحظاتها المختلفة أكثر من أي ناحية أخرى.
ولد ذيميتريس باباذيموس في القاهرة عام 1918 في وسط حي متعدد الجنسيات تعلم منه اللغات والتعددية، توفيت والدته وهو طفل، ثم توفي والده وهو في سن المراهقة، مما اضطره للعمل مبكرا.  تعرف في سن المراهقة على المهندس البريطاني "أوستن سايد بارب هاريسون" الذي كان يصمم مباني في الشرق الأوسط مستوحيا تفصيلاتها من الفن والتقاليد العربية، وقد عرفه على مفكرين عرب وأوروبيين. تأثر باباذيموس كذلك بالمستعرب اليوناني "خريستوفوروس نوميكوس"، وخلال فترة الحرب العالمية الثانية عمل كمصور في الجيش اليوناني الذي تجمع في الشرق الأوسط بعد احتلال القوات النازية لليونان، وبعد الحرب سافر في عدة دول أفريقية وعربية صحبة كتاب ومؤلفين غربيين. عام 1956 انتقل بشكل نهائي إلى اليونان، حيث جال في مناطقها وجزرها، تعاون مع فنانين ومجلات تصوير، كما تعاون في عدة أفلام سينمائية يونانية وأجنبية، عام 1974 نشر جزء من صوره في كتاب بعنوان " اليونان التي تغيب ". توفي عام 1994 في أثينا عن 76 عاما، قضى جزء وافرا منها في الترحال والتصوير.

بعد تحرير اليونان من الاحتلال النازي، عاش باباذيموس وأبناء جيله مرارة الحرب الأهلية بين اليمين واليسار اليونانيين، تلك الحرب التي دمرت اليونان أكثر مما فعلت الجيوش النازية، وتركت هذه الفترة، جراحا في نفس المصور اليوناني الرحالة وفي نفوس أبناء جيله، وثّقها من خلال صور كثيرة، لكنه فضل بعد تلك الحرب العودة إلى مصر.
خلال شهر أيار/مايو 1944، أرّخ باباذيموس بصوره وصول الوفود اليونانية المختلفة، التي كانت متوجهة إلى لبنان في تلك الفترة لعقد مؤتمر بين حكومة جورج باباندريو في المنفى والمجموعات اليونانية المقاومة، وفي شهر كانون ثاني/ يناير من عام 1947 رافق الكاتب البريطاني "روبين موم" بحماية عسكرية بريطانية إلى واحة " سيوى" وتوقف الموكب في مكان موقعة العلمين، وهناك صور باباذيموس  للكاتب البريطاني، مصحوبا بحوالي 100 Journey to Siwa(1950) حياة البدو في تلك المنطقة، وكانت محصلة تلك الرحلة كتاب
صورة من صور باباذيموس.
كما كان لباباذيموس علاقة خاصة بدير " سان كاترين" في صحراء سيناء والراهب المسؤول عنها " بورفيريوس" الذي كان مدرسه في القاهرة، وتردد على الدير مرات عديدة مصورا المكان وحياة الرهبان فيه والصحراء المحيطة به.
خلال شهر آذار/ مارس 1946، رافق باباذيموس المهندس الإنكليزي " هاريسون" في رحلة إلى القدس والأردن، حيث قدم الأخير نصائح بشأن الحفاظ على آثار البلد، وتزامن موعد السفر مع إعلان استقلال الأردن من السيطرة الانكليزية وتتويج الملك عبد الله، وقد التقط باباذيموس الكثير من الصور التي تؤرخ للاحتفالات بتلك المناسبة، إضافة إلى صور خاصة بالملك عبد الله، وقد جلبت له هذه الحادثة شهرة واسعة في العالم العربي، وبدأ بعدها في التعاون المهني مع العديد من المجلات.
قبرص، غانا، نيجريا
زار باباذيموس جزيرة قبرص مرات عديدة بين أعوام 1947 و1955، وصور فيها الناس والعادات والأماكن، ورافقت صوره تلك كتاب     .Journeys in Cyprus (1951)تحت عنوان Orphaned Realmالمؤلف البريطاني

وفي شهر شباط/ فبراير من عام 1949 زار باباذيموس غانا التي كانت تعرف آنذاك ب الشاطئ الذهبي، مرافقا للمهندس " هاريسون" وزميله " بيرس هامبرت" وكانا تعهدا ببناء أول جامعة في البلد، وعرض صوره من تلك البلد في معرض صور في أثينا عام 1950.
كان باباذيموس مولعا بالعادات والتقاليد لدى الشعوب المختلفة وأحب تأريخ اللحظات الإنسانية بمختلف مراحلها وتقلباتها، رافقت صوره كتبا كثيرة لأدب الرحلات، وعرضت في معارض صور في القاهرة وأثينا، صور الكثير من نواحي حياة مصر والشرق الأوسط، خاصة صور البدو والفلاحين في مصر وغيرها، كما صور بعض الأماكن التاريخية مثل المسجد الأقصى والكثير من الكنائس الشهيرة خلال فترة الخمسينات من القرن الماضي، وتظهر في صوره كذلك شخصيات هامة من تلك الحقبة مثل الملك عبد الله الأول، ملك الأردن السابق،  كما غطى عمليات عسكرية من الحرب العالمية الثانية وحركة السفن التجارية اليونانية في المتوسط خلال تلك الفترة.
ويضم أرشيف باباذيموس اليوم حوالي 65 ألف صورة بالأبيض والأسود، إضافة إلى بضعة آلاف من الصور الملونة، خص منها اليونان بحوالي 45 ألف صورة تكاد تشمل كل زاوية من البلد، فيما خص مصر ب 15 ألف صورة، لتشمل صوره تغطية قيمة للسنوات الممتدة ما بين 1940 حتى 1980، وقد تم تحويل حوالي ثلث تلك الصور إلى صور ديجيتال يمكن للجمهور مشاهدتها، حيث منحت أسرة المصور جميع صوره إلى متحف يوناني في أثينا، بما فيها صوره العائلية.

يانيس باباذيموس، نجل المصور اليوناني، أوضح للجزيرة الوثائقية أن والده كان صديقا حميما لحسن رشيد، الذي كان مسؤولا خلال أعوام الثلاثينات عن المتحف الإسلامي في القاهرة، وقد وجدت فيما بعد في مذكراته أنه أحب الفن العربي من خلال زياراته لمنزل حسن رشيد، وفيه تعرف على "هاريسون"، الذي كان صمم عشرات المباني في مدينة القدس.
وقال باباذيموس الابن، إن والده عمل، خلال الحرب العالمية الثانية، مع مجموعة من الشباب اليونانيين، على تجميع غنائم حرب تركها الإيطاليون في الصحراء مثل الرشاشات والعربات الصغيرة، وترحيلها إلى المجموعات المقاومة في اليونان عبر مرفأ الإسكندرية، وبعد احتلال اليونان من الجيوش الألمانية، تطوع الأب في معسكرات اللاجئين اليونانيين في غزة، وعمل في وزارة الإعلام التابعة للحكومة اليونانية في المنفى.
وتتابع أرملة المصور اليوناني الحديث موضحة أن زوجها الراحل كان صديقا لمعظم الشخصيات المعروفة في مصر، ومن أهم معارفه المهندس حسن فتحي، صاحب مشروع قرية القرنة الشهير، وقد أصدر حسن فتحي وباباذيموس كتابين مشتركين. 

قد ينال إعجابكم