متابعات

السينما في المغرب: قضية وطنية

رغم تعدد المهرجانات السينمائية بالمغرب وكثرتها وتنوعها والفروقات الشاسعة في ما بينها وفي مستوياتها ومحتواها إلا أنه لا يتذكرها أحد. وكثير منها بمثابة تضييع للوقت وغير مفيدة لأنها تسيء للسينما أكثر مما يعتقد أصحابها بأنهم يخدمونها. وأخرى قليلة تنجح في أن يصل صداها إلى بقاع العالم كمهرجان الدولي بمراكش أو مهرجان السينما المتوسطية بتطوان أو أيضا مهرجان الفيلم القصير المتوسطي بطنجة ومهرجان السينما الإفريقية بخريبكة في سنواته الأخيرة. ويبقى المهرجان الوطني للفيلم الذي يعنى بالسينما المغربية فقط، وتحتضنه مدينة طنجة في شمال المغرب، هو أهمهم على الإطلاق ويحتل رأس المرتبة وقيادتها لاعتبارات عدة، من بينها أنه لحظة هامة في الإنتاج المحلي المغربي، ولقاء بدأ يتجدد سنويا بعد ارتفاع وثيرة الإنتاج في السنين الأخيرة. ويستجيب له مدراء المهرجانات الدولية لاختيار الأفلام وكذا مختلف وسائل الإعلام الدولية لمواكبته.
فبعد أن كان المغرب قبل عقد فقط مجرد مستهلك، أصبح بدوره الآن ينتج صوره وأصواته برجالاته ونسائه من فنيين وتقنيين بغض النظر عما يمكن أن يٌقال عن بعضها والنقد الذي يمكن توجيهه لها. المهم، أنها خلقت نقاشا وطنيا غنيا يعبر عن تعدد الرؤى في المجتمع ومن يمثلهم من أهل الفكر والمعرفة والعلم بينما كان هذا النقاش يدور سابقا حول إنتاجات الآخرين. هذا في حد ذاته مكسب لفنون السينما بالمغرب وللثقافة المغربية عامة. وهذا يؤكده وصولها إلى قبة البرلمان المغربي نفسه، ليس لمناقشة قوانين الدعم والتسيير وإنما لمحتواها. وبالتالي، فهي أصبحت بذلك تشكل إحدى القضايا الأساسية لأنها صورتنا في الداخل والخارج مُنعكسة لديناميكيتنا.
ولابد أن نسجل نقطة جد إيجابية رصدناها خلال الخمس سنوات الماضية وهي أنه لم يتم منع أي فيلم مغربي من العرض بالقاعات السينمائية من لدن المؤسسات الرسمية، خاصة وزارة الاتصال والداخلية والأوقاف، كما كان يحصل إلى عهد قريب جدا، مثل ما حصل مع أفلام: "أحداث بدون دلالة" و"حرب البترول لن تقع" و"الباب المسدود" و"لحظة ظلام".
إن أجهزة الدولة أصبحت أكثر ذكاء ودهاء في الألفية الثالثة بترك مهمة الرقابة والمنع والتخويف والترهيب لأطراف في المجتمع حتى تبتعد هي عن نعوت الماضي التي كانت تلتصق بها.  

 

معلقة المهرجان

المهرجان الوطني: برلمان السينما المغربية

إن المهرجان الوطني للفيلم بطنجة، ليس مجرد مناسبة لعرض الأفلام المغربية المُنتجة خلال السنة وتوزيع الجوائز عليها في  احتفال جماعي. وإنما أكثر من هذا بكثير حيث يتجلى ذلك بالأساس في ردود الفعل تُجاه الأفلام، ليس من طرف الجمهور فحسب بل كذلك من المهنيين أنفسهم من خلال تقييمها خلال الندوات الصحفية اليومية وداخل مختلف مكونات المهرجان وفضاءاته المختلفة وكذا بمحيطه العمومي حيث تتحول أمكنتها إلى مجمعات للنقاش. وهذا ما ينقص جميع التظاهرات المقيمة بالمغرب.
وتكمن أهمية ذلك النقاش بالمساهمة الفعالة للأجانب الذين ينظرون إلى السينما المغربية بحياد دون خلفيات أو أفكار مسبقة عن هذا الفيلم أو ذاك المخرج أو في حق ممثل أو ممثلة. بعض الآراء تدفع لإعادة النظر في مقاييس النقد عندنا. كما أن هذا الاحتكاك أنتج أفكارا قيمة وهو ما يمكن رصده بالمتابعة العينية.
وكل النقاشات التي تروج في المهرجان، سواء بشكل رسمي أو على هامشه أو في كواليسه، فهي غنية من كل جانب، وصحية في عمقها، حتى التي تخرج عن الإطار السينمائي وتبحث عن أجوبة تدخل في تخصص المعارف الإنسانية الأخرى. وتبقى قلة قليلة من الآراء المعزولة التي تشوش لغرض في نفسها مستغلة الظرف الزمني لتصفية حسابات تفضحها قبل أن تنتهي من قولها.
ليس سُبَّة إذا وصفنا المهرجان الوطني ب"سوق عكاظ" الذي يروج الجميع فيه "سلعته"، وينطلق من كونه يملك الحقيقة سواء بفيلمه على أنه الأفضل من الجميع أو برأي يعتبره عين الصواب وهلم جرا. فقد صدق الإمام الشافعي حين قال "رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب". إذن المطلوب هو تحمل الآخر بروح رياضية وديمقراطية.
وعليه، فجميع ما يجري ويدور ويحصل إبان المهرجان الوطني ـ حتى المشاجرات الكلامية والبدنية وغيرها من المشاحنات ـ أعتبره إيجابيا لأنه بمثابة برلمان للسينما المغربية في مجتمع ما زال يتعلم المبادئ الأولى في الديمقراطية.

تتميز الأفلام المغربية بكونها مختلفة عن بعضها ولا تتشابه في ما بينها رغم ما قد يبدو من تقاطع أحيانا في مواضيعها، إلا أن التناول السينمائي يتغير من مخرج لآخر بحكم اختلاف المرجعيات الفيلمية والفكرية والسياسية وحتى الاجتماعية طبعا. وهذا تحصيل حاصل من جهة وتغني التجربة المغربية في تعددها من جهة أخرى حيث لا نكون أمام أفلام منسوخة عن بعضها وإنما نشاهد وجهات النظر التي قد نتفق مع بعضها كما نختلف مع أخرى. ومن لا يتعامل مع السينما (الكتابة والفنون عامة) من موقع ديموقراطي ومنفتح وأنها أراء إبداعية قابلة للنقاش فهو شخص غير سوي حتى لا أصفه بأوصاف أخرى.
ومن المميزات الإيجابية للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة هو أنه يفتح السنة السينمائية الجديدة مع بداية كل سنة ميلادية جديدة أيضا (في شهر يناير) وقبل انطلاق المهرجانات في عديد من الأقطار التي تمتد إلى آخر السنة فيكون للفيلم المغربي الجديد حظوظ المشاركة فيها. أو تكون بعض الأفلام قد شاركت من قبل فتُتوج مشاركتها في المهرجان الوطني بعد جولاتها الموفقة.

إنه ـ أي المهرجان الوطني للفيلم ـ هو لحظة مكثفة في الزمن فيتيح إمكانية التقييم السنوي للمنتوج الوطني ولكل الجوانب السينمائية حيث أصبح عند المهرجان، الآن، تقليد سنوي لم يكن من قبل. وهو نقاش الحصيلة السينمائية السنوية بالمغرب في نهاية المهرجان، من خلال تقديم منشور يتضمن كل المعلومات للحضور، ومدعومة بندوة صحفية مع المدير العام للمركز السينمائي المغربي وهي المؤسسة الرسمية الراعية لإدارة شؤون السينما بالمغرب. تكون هذه الندوة، التي ينتظرها الجميع، من أهم لحظات المهرجان وأقواها، فهي تتيح الفرصة للخوض بشكل مباشر في التجربة السنوية بما لها وما عليها، وترسم آفاق المستقبل وتضيء الطريق أمام من يغفل حيثيات الفعل السينمائي ببلادنا وتنيره له لكي يتفاعل مع التطور الحاصل ويفهم أن المؤسسة تدير شؤون السينما وتنظمها وتدعمها وتسهر على ترجمة فعالياتها وليست مسؤولة على الإبداع في ذاته الذي هو شأن سينمائي للمخرج نفسه ولأصحاب الفيلم الذين يتحملون المسؤولية المطلقة في إنجازه، وهم الذين ينبغي محاسبتهم وليس غيرهم. وبالتالي، لا يمكن للمؤسسة أن تتدخل في كيفية التصوير أو المونطاج والكاستينغ والإنارة وغيرها من متطلبات السينما وإلا سيكون ذلك تدخلا سافرا ليس من اختصاصها وعمل غير ديموقراطي.
إن حرية المخرج لا جدال فيها ولا ينبغي للمجتمع المدني من مبدعين ومهنيي الإعلام أن يطلبوا التدخل في خصوصية المخرج. هذا لم يُمارس إلا في ألمانيا النازية وفي الاتحاد السوفياتي سابقا والأقطار التي كانت تدور في فلكها وفي الأقطار العربية البعثية وما يشبهها. لا يمكن أن نطالب ما ناضلنا ضده لسنوات وهو تدخل الدولة المباشر في توجيه الفنون والثقافة. لا يحق للدولة إطلاقا أن ترسم خطا تحريريا لمحتوى الأفلام. أو كيف يكتب شاعرا قصيدته والرسام لوحته. فحين يقع ذلك يكون الإنتاج في نهايته شاذا ومعوقا ولقيطا فيرفض التاريخ أن يفتح له أبوابه فيموت في الطريق.

"خيركم من أهدى إلي عيوبي"
لقد كانت ندوة الحصيلة السينمائية السنوية التي واجه فيها الأستاذ نور الدين الصايل، المدير العام للمركز السينمائي المغربي، قاعة غصت بمتتبعي المهرجان من ضيوف ومهنيين وصحفيين، لأنها تُعد الحدث المهم والأهم في المهرجان حيث كل واحد يحضرها من موقع ما كقنبلة موقوتة وحاملا أسئلة تصل إلى حد الاستفزاز أحيانا. إلا أن نور الدين الصايل المُتمرس في التجمعات الجماهيرية منذ كان طالبا ثم أستاذا لمادة الفلسفة، وما ادراك النقاش حينها حول الفلسفة، وإدارته للجامعة الوطنية للأندية السينمائية التي كانت قاعدتها تتكون من الشباب ذي التوجه اليساري الراديكالي في السبعينيات من القرن الماضي.
فهو يدرك جيدا التموجات التي تشتعل في القاعة لذا يحول كل الاستفزازات إلى مسارها الصحيح في النقاش السينمائي. إنه يُحول ندوة الحصيلة السينمائية إلى دروس يلقنها لمن ركب قطار الفن السابع أول أمس أو ربما خلال المهرجان نفسه. دروس حول كُنْه الفيلم السينمائي ومعنى الإنتاج والتوزيع وهوية الناقد والنقد ودورهما في خريطة الفن السابع. إنه يسعى من خلال أجوبته رفع من مستوى النقاش وفتح أفاق جمالية أمام السائل لكي يرى بعيون حاذقة كل الأبعاد التي تُتيحها فنون السينما في علاقتها بالوجدان الفردي أولا والجماعي بعد ذلك لأن الديمقراطية تعتمد على الفرد (في التصويت على سبيل المثال لا الحصر).
لا يستثني أحدا من الجواب، ولا يلغي الأسئلة من الجدول، فهو دائما، كما عرفته طيلة 40 سنة، يبحث عن السائل ليتساءل معه في مواضيع شتى، مستحضرا الجملة الشهيرة للفيلسوف الإغريقي سقراط " تكلم حتى أراك". وهي دعوة للنقاش بدون تحفظ من جهة ومن جهة أخرى فهو يتقبل ما يُطرح من النقد في حقه أو في حق المؤسسة التي يشرف عليها، عملا بمقولة عمر بن الخطاب حين ذكر في قومه "خيركم من أهدى لي عيوبي". فهل يا تُرى يستفيد الحضور من تلك الدروس السينمائية السنوية؟  
 
لقد انعقدت الدورة 13 للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة برسم سنة 2012 في ظل متغيرات وطنية وعربية ودولية من أهمها أن هيئة السينما الرسمية المتمثلة في المركز السينمائي المغربي، التي تخضع إداريا لوزارة الاتصال، وهذه الوزارة يديرها حاليا وزيرا من حزب ذي مرجعية إسلامية، ويعلم كل متتبع للشأن السينمائي بالمغرب ما أثاره هذا الحزب في السنوات الأخيرة حول بعض الأفلام والمهرجانات. وبالتالي فأول مهرجان سينمائي يحضره الوزير الجديد هو المهرجان الوطني بطنجة عند افتتاحه. ولا أعتقد شخصيا بأنه سيغير من مسار تشكل السينما بالمغرب لأنها كما قلت قبل قليل هي شأن فردي في التعبير وإلا سيجد نفسه في مواجهة مفتوحة لن تخدمه وحزبه خاصة وأن الفرق شاسع بين أن تكون في "المعارضة" (إذا صح التعبير قول المعارضة في المغرب) وأن تكون على كرسي الحكم حيث تفرض إكراهات نفسها على "المعارض" ليصبح "لينا" و"معتدلا" ولنا في التاريخ المغربي نماذج لم يطوها الزمن بعد. والفرق واضح بين الضفتين.

واحتفل المهرجان الوطني للفيلم بطنجة هذه السنة بمرور 30 سنة على انطلاقه (سنة 1982) علما أنه لم يصل إلا إلى 13 دورة، فهو كان يُقام حسب ما تسمح به الظروف والأفلام المُنجزة، أي إذا تمكن من جمع 8 أو 10 أفلام حينها يمكن أن ينعقد المهرجان بعد ثلاث سنوات أو سنتين أو أكثر. كما كان رحالا بين المدن، شرقا وجنوبا وشمالا، فكان يعاني في كل دورة من عدة مشاكل وكأنه ينطلق لأول مرة فتُعاد نفس المشاكل. لكن استقراره بطنجة أولا ثم دعم ذلك باستقرار زمني في مطلع كل سنة جديدة (في شهر يناير) مع ارتفاع الأفلام المنتجة سنويا ساعده على تجاوز كثير من المشاكل حيث أصبح من أكثر المهرجانات احترافية وتحكمه تنظيما في مكوناته.
وقد تم تمديد أيامه هذه السنة إلى 10 أيام بعد أن كان أسبوعا واحدا إلى حدود السنة الماضية. وقد أشار السيد نور الدين الصايل في ندوته التقييمية أنه بالإمكان الالتجاء مستقبلا إلى الانتقاء للأفلام التي يمكنها أن تشارك في المسابقة الرسمية حين يرتفع العدد الذي سيسمح بذلك الانتقاء كما الحال مع الأفلام القصيرة التي تخضع للانتقاء من طرف لجنة مستقلة (تم اختيار 23 فيلما قصيرا من بين 68 للمشاركة في المسابقة صحبة الأفلام الطويلة) وربما يتقلص أيضا زمن المهرجان.
كانت مناسبة الثلاثون من عمر المهرجان فرصة لتجديد وتطوير الموقع الإلكتروني للمركز السينمائي المغربي ليستجيب أكثر لزواره. والأهم، أنه قد تم تعريبه أيضا بعد سنوات من استيلاء لغة موليير على صفحاته.

ليلة العنفوان والفرح

لجنة التحكيم

ومن لحظات التوتر والمشاحنات والغضب في المهرجان الوطني هي ليليته الأخيرة التي يتم فيها الإعلان عن الجوائز. وهذه الأجواء تغيب من المهرجانات الأخرى بالمغرب التي تتضمن المسابقات مثل مراكش أو تطوان.
ليس كل المخرجين تهمهم القيمة المالية المرصودة للجوائز بل منهم من يعتبرها اعتراف أكثر مما تستحقه ماليا. ويريد الصعود إلى المنصة ليثق بكونه أجاد في العمل ويستمتع بالتصفيق. وهذه حالة إنسانية طبيعية وعادية خاصة عند الفنانين والرياضيين في الكرة الأرضية برمتها.
ففي تلك الليلة ترتفع حدة النقد ويغيب منه الحس الحيادي بشكل صارخ حيث يعتبر كل واحد أنه أحق من غيره بالجوائز. وأن فيلمه أفضل مِنْ مَنْ حصل عليها. لكن الجميع يتناسى خلال هذه اللحظة أن السينما إبداع إنساني وبالتالي فلجن التحكيم هي مكونة من أناس لهم ردود فعل تُجاه أفلام دون غيرها. وقد تُغير اللجنة فتتغير نتائج الجوائز، أو قد يفوز فيلم بجائزة في أكثر من مهرجان ولن يحصل عليها في مهرجان آخر وهكذا دواليك.
لم أقتنع بكل الجوائز التي تم توزيعها في الدورة الأخيرة للمهرجان الوطني لكن للجنة حرمتها. كما يتوقف ذلك أيضا على عناصرها وقدرة كل واحد على الدفاع عن سينما معينة يتبناها ويتوافق مع باقي الأعضاء للوصول إلى نتائج موحدة.
إلا أن سرعان ما يعود بعض السينمائيين والفنانين والتقنيين إلى أرض الواقع ويقبلون بقوانينه وأن مسارهم السينمائي لم ينته مع المهرجان بل مازال طويلا وأن النجاح لا تصنعه الجوائز فقط وإنما الاشتغال المستمر والدائم بالبحث عن الأجود. وقد نسي أو تناسى الكثيرون أن فيلم "كازانيغرا" للمخرج نور الدين لخماري لم ينل الجوائز في المهرجان الوطني لكنه عرف نجاحا جماهيريا لم يصله فيلما مغربيا آخر.
لكن المؤسف أن البعض من الذين لم يحالفهم الحصول على الجوائز يلتجئون إلى عنف خارج السياق بحثا عن بطولة مفقودة وعن أوهام ضائعة في سراب...     

قد ينال إعجابكم