متابعات

"مولود فى 25 يناير"..التوريث جائز فقط في الفن

المتتبع لأعمال المخرج أحمد رشوان يمكنه  أن يتوقع شكل فيلمه عن الثورة المصرية التى بدأت فى 25 يناير 2011 ومستمرة فى تحقيق أهدافها بعد 60 عاما من الحكم العسكرى لمصر. كما فى "بصرة"، فيلمه الروائي الطويل  الأول حيث نجد المخرج حاضرا ومن خلال المخرج المصور بطل فيلم بصرة. يقدم رؤيته الذاتية للأحداث الكبرى وخاصة اجتياح العراق عام 1991  ومدى تأثره بها هو وأصدقاؤه والمجتمع الذى يتحرك في فضائه، كما يحكى حكاية قريبة جدا من أزمته الحقيقية مع النساء، مع طليقته المرأة الوحيدة التى أحبها، وفى فيلمه الأخير "مولود فى 25 يناير" يستكمل ما بدأه ونشاهده يحكى عن مشواره مع الأولاد "عديت عليهم فى البيت .." إلى التحرير وحضورهم معه ثورة التحرير.
فى الفيلم أكثر من مشهد له مع  صديق عمره وزميل الدراسة المخرج سعد هنداوى وتجربتهما مع اللجان الشعبية التى كانت تمارس الحماية بمراهقة المبتدئين فى الغالب الأعم. يجعلنا رشوان نشهد  حضوره وسط عالمه الخاص الحميم جدا مع الأصدقاء، زملاء العمل وكذا ولديه بهاء وفارس، وفسحته معهما فى التحرير، والساعات التى يقضيها معهما فى المنزل أمام التلفزيون يتابعون معا أخبار الثورة ويهللون معا عند سماع خبر التخلى. الصديق المهاجر يحي ابراهيم معه على التليفون ينتظر حضوره ويصحبه إلى التحرير.

 بناء الفيلم الوثائقي عن الثورة

 البناء  فى الفيلم روائى يمتزج فيه الخاص بالعام ليحدد رؤيته ليس بالبقاء خلف الكاميرا ولكن بالتحرك بها وأمامها مستعينا بأصدقاء هم أيضا جزء من ثوار التحرير وشباب مصر الحالم بالتغيير، الذين تابعهم المخرج منذ حركة كفاية، وحتى جمعة الدستور فى 27 مايو التى ينهى بها فيلمه، فنصل معه للعقدة الكبرى فى الثورة المصرية، وهى الخلاف حول: الدستور أولا أم الانتخابات والبرلمان؟.. وهو الخلاف الرئيس بين القوى الليبرالية التى ينتمى لها أحمد رشوان وبين قوى الإسلام السياسى من إخوان وسلفيين وجماعات جهادية.
نهاية "مولود فى 25 يناير" مع جمعة 27 مايو حيث اختفى الإخوان من الميدان وركزوا فى إعداد أنفسهم لتسلم الحكم. فى مشهد فى بدايات الفيلم عبر رشوان عن عدم تخوفه من الإخوان ورفضه أن يظلوا فزاعة لمن يخالفهم الرأي. هذه الروح المحبة المستعدة للوفاق هى السمة الرئيس لشخصية المخرج غزير العمل، الذى لم توقفه ما سُمّي بأزمة السينما المصرية، ولجأ إلى الطريق البديل لينجز فيلمه "بصرة" مستخدما تقنيات الديجتال، وعندما تحمس المخرج والمنتج السوري هيثم حقى للفيلم أمكن تحويله إلى شريط سينمائى لكى يصبح جاهزا للعروض العامة. وبعد عمل قصير بالمركز القومى للسينما " وجوه البشر" الذى شرفت بعمل المونتاج له، لم يوقفه عدم الحصول على دعم وزارة الثقافة لفيلمه وجاهد للحصول على بدائل متتبعا خطى أستاذه محمد خان وصديقه الذى يظهر معه فى "مولود فى 25 يناير" .
لا يحلم رشوان فقط بتغيير الأوضاع الضاغطة عليه بل يجاهد ليحفر طريق التغيير محاطا بأساتذة وأصدقاء، لا يضع يده على خده منتظرا الفرج بل يتحرك بمشاريعه السينمائية باحثا عن دعم هنا أو هناك، وقد نجح فى الحصول على جائزة "إنجاز" من مهرجان دبى التى تُمنح للأعمال غير المكتملة للمساعدة فى استكمالها وخروجها إلى النور. قبل ذلك كان اكتسب خبرة فى حقل الفيلم الوثائقى بعمله مع "الجزيرة الوثائقية " وتحقيقه عددا من الأفلام لحسابها.
عُرض "مولود فى 25 يناير" ليلة 17 يناير فى مركزالإبداع بالقاهرة فى افتتاح عروض لأفلام عن ثورة 25 يناير، ورغم طول مدة عرض الفيلم الذى تجاوز 80 دقيقة إلا ان الحضور المصرى – الذى لم يعتد الأفلام التسجيلية الطويلة- لم يشعر بأى ملل وتجاوبوا مع الفيلم وظهر التفاعل فى تعليقاتهم وأسئلتهم فى الندوة التى حضرها المخرج وأدارها الناقد عصام زكريا.
ظهر كثير من الحضور فى الفيلم كمتظاهرين فى التحرير ومعتصمين على مدى الأيام الأولى التى انتهت بتحقيق المطلب الرئيس من مطالب الثوار ألا وهو رحيل رأس النظام. عدد قليل من الحضور كانوا من كبار السن، وكان الشباب هم الغالبية سواء داخل الفيلم أو عند مشاهدته، حوى الفيلم مشهدا لسيدة متوسطة العمر تعبر عن سعادتها بالثورة ثم تغنى مع رفيقات لها أغنية معروفة "مصر هى أمي، نيلها هو دمي" فقد كسرت الثورة حاجز الخوف والخجل من الظهور أمام الكاميرات، وكما أدى المخرج وعائلته وأصدقاءه أدوارا فى الفيلم المصور لحظة بلحظة مع أحداث التحرير، كان العاديون من الناس يؤدون أيضا فى مواجهة الكاميرا بتلقائية وبراعة يفتقدها أحيانا أكثر المؤدين خبرة.
قابل رشوان عددا ممن يسمون النخبة فى فيلمه لا بصفتهم النخبوية ولكن بصفتهم أصدقاءه، فعلى سبيل المثال التقى الممثل خالد الصاوى الذى حدثه بانفعال " فاكر يا رشوان كنا بنقول إيه، أخيرا حصل، الثورة أهه، والثوار أهم من كل طوائف الشعب". مشهد يظهرجسارة المخرج الشاب فى تواجده وسط لحظات ضرب المتظاهرين بالأعيرة النارية، وإنقاذهم من قبل المشاركين فى التظاهرات.


بهاء وفارس أحمد رشوان

قامت بمونتاج الفيلم المونتيرة نادية حسن التى عملت مع أحمد رشوان فى أغلب أفلامه، ونجحت في أن تخلق توازيا بين مشاهد  الحياة اليومية  للمخرج وبين وثائق الصورة الحديثة والقديمة لتصيغ رؤية شاملة للفيلم عن ثورة متوقع حدوثها، وتحديات تواجهها، وحلم للمصريين جميعا بالتركيز على شريحة منهم تعمل فى حقل السينما والأدب، هى بينهم، مشاركة فعل الثورة وفعل الفن، مشاركة فى استمرار الثورة حتى تحقق أهدافها.
 وضع موسيقى الفيلم ابراهيم شامل وهو بحق "شاب معجزة" فهو بالكاد أكمل عامه الواحد والعشرين ، يقوم بتأليف الموسيقى الكلاسيكية، ووضع الموسيقى التصويرية للأفلام. وهو يعمل على حداثة سنة فى سلك التدريس بمعهد الكونسيرفتوار ضمن أكاديمية الفنون بالقاهرة التى تتخرج منها كل عام مواهب مصرية وعربية تغذى الحقل الفنى بالمواهب الدارسة  للفنون بشكل أكاديمى. وتم تركيب الموسيقى هادئة فى بداية الفيلم ثم يتزايد الإحساس بها مع الاقتراب من النهاية.
قام بتصوير الفيلم المصور زكى عارف الذى صور لرشوان عددا من أفلامه الوثائقية للجزيرة، وقدم له شريف المغازى وثائق مصورة وخاصة من الصور الثابتة، أكملت نسيج الفيلم الوثائقى المقدم بمسحة روائية تناسب أسلوبا ينمو مع الفيلم التسجيلى بدأه فى مصر المبدع سمير عوف، وهو ما يمكن تسميته أفلام السيرة الذاتية الوثائقية  كما فى عمله " أيام الراديو"، ورثه عنه رشوان ويتضح تأثيره على مريده أحمد رشوان فى "مولود فى 25 يناير" وجدير بالذكر أن رشوان هو صاحب كتاب تكريم سمير عوف ضمن المكرمين بالمهرجان القومى للسينما المصرية. وبقى أن يرث بهاء وفارس توجه والدهما فى النضال بالكاميرا والعمل على تحقيق الحلم المستمر بالتغيير إلى الأفضل. 

قد ينال إعجابكم