متابعات

مهرجان الخليج السينمائي الخامس 2012

نظرة على الأفلام الإماراتية

بشار إبراهيم

يكفي أن نقرأ أسماء المخرجين عبدالله حسن أحمد، وليد الشحّي، هاني الشيباني، جمعة السهلي، نوّاف الجناحي، أحمد زين، نائلة الخاجة، نجوم الغانم، طلال المحمود، علياء الشامسي، هناء الشاطري، راوية عبدالله، سارة العقروبي، ومنى العلي، وناديا فارس، وخالد علي، دون أن ننسى حضور السيناريست محمد حسن أحمد، والسيناريست يوسف إبراهيم، ومهندس الديكور أحمد حسن أحمد.. لندرك أننا أمام دورة استثنائية، على المستوى الإماراتي أولاً، ومن ثم على المستوى الخليجي، عموماً، إذ من نافل الأمر القول إن مشاركات واسعة ومتميزة، توفّرت من الكويت والبحرين وعمان والسعودية وقطر واليمن والعراق، وبمشاركات تحمل توقيعات أهمّ وأشهر الأسماء التي برزت في عالم صناعة الفيلم الخليجي.
نتوقّف هنا أمام بعض أهم الأفلام الإماراتية الجديدة، المُشاركة في الدورة الخامسة من مهرجان الخليج السينمائي، وجلّها في عرض عالمي أوّل، لنستطلع بعض الملامح الأولية للحضور الإماراتي في هذا المهران. ويمكننا البدء مع فيلم «أصغر من السماء»، للمخرج عبدالله حسن أحمد، الذي يبدو على شكل عودة باهرة يقوم بها المخرج، بعد غياب سنوات، منذ أن قدّم فيلمه «تنباك»، قبل سنوات. الآن، ومع فيلمه «أصغر من السماء»، وهو فيلم ورائي قصير، تتبدّى براعة هذا المخرج، الذي شكل مع شقيقيه (محمد حسن أحمد، وأحمد حسن أحمد) ظاهرة فنية لا مثيل لها في العالم العربي. في «أصغر من سماء»، ثمة عائلة إماراتية، زواجان وابنتهما اليافعة، تتعرّض لحادثة سير، على طريق نائية موحشة. يموت الأب والابنة، فوراً، وتتبقّى الأم ما بين الحياة والموت، والصحو والهذيان. تتالى عليها الصور، وتتوارد إليها الرؤى، قبل أن تأتيها المفاجأة على جناح طائر بريء.


                                      من فيلم اصغر من سماء

أما فيلم «الفيل لونه أبيض»، للمخرج وليد الشحي، فسوف يأتي استمراراً لمنهجه الإبداعي الذي بات يُعرف باسمه، يستمرّ المخرج وليد الشحّي؛ صاحب «طوي عشبة»، و«حارسة الماء»، و«باب»، و«ريح»، في مراكمة منجزه المتميز في مجال صناعة الأفلام، التي لا تترك نفسها بسهولة للمشاهد، وتضعه ما بين الوضوح والغموض، ما بين متعة المشاهدة وضرورة إعمال العقل وحثّ المخيلة، لاكتشاف مكامن الفيلم ومراميه. هنا، ومرة أخرى، يأتي فيلم «الفيل لونه أبيض»، وهو فيلم روائي قصير، مُصاغاً بأسلوب وليد الشحي، في البناء والسرد، والتعبير البصري، متكئاً على خبرة المخرج في الإخراج والتصوير والمونتاج. وسيبقى من المثير في هذا الفيلم أن المخرج وليد الشحي يصنع أطول لقطة في الأفلام الإماراتية.
وفي فيلم «جنة رحمة»، وفضلاً عن حضوره منتجاً لفيلم «أفواه»، للمخرج خالد علي، يحضر هاني الشيباني مخرجاً في فيلمه الروائي القصير «جنة رحمة»، الذي لا يفارق اهتمامات المخرج في تناول الحكايات النابعة من الواقع الاجتماعي الإماراتي، في بعده الشعبي، تحديداً. «رحمة» الفتاة التي تنتمي إلى عالم ذوي الاحتياجات الخاصة، تعيش في كنف امرأة تقوم بالعناية بها، ورعايتها، منذ أن قررّت تبنّيها. تثير الفتاة، بسبب إعاقتها، الكثير من المشكلات خاصة لناحية قيامها بتصرفات متهورة، لا تتناسب وعمرها، كقيامها باللعب في الشارع مع الأولاد الصغار، أو تعرضها دون إدراك منها لتحرشات. في الوقت نفسه تتعرّض المرأة لضغوط متواصلة من قبل أفراد العائلة، سواء بسبب اصرارها على تبنّي هذه الفتاة المُعاقة، أو طمعاً منهم بوراثة البيت الذي تمتلكه المرأة، وقد قاربت حافة النهاية.
ومع فيلم «راس الغنم»، وبعد أن شاهدنا فيلمه «مساء الجنة»، قبل سنتين، يعود المخرج جمعة السهلي بفيلمه الروائي القصير «راس الغنم»، ليتوقف أمام مسألة غاية في الأهمية، خاصة في مجتمعات شرقية محافظة، من طراز مجتمعاتنا، التي ما زالت تعاني في جوانب واسعة منها من نظرة الخفض الاجتماعي للمرأة، إلى درجة أن البعض لا يراها أكثر من مجرد «غنمة». هنا، وما بين زوج متسلّط، وأب تقليدي، وأخ صغير فاقد الحيلة، تعيش امرأة في واقع قهري، لا يكتفي بمنعها من ممارسة حياتها، ولا التعبير عن إنسانيتها، بل يريد سلبها حتى حياتها، سواء بتحريض من الزوج، أو بتهور من الأب. بينما تصر المرأة على أن يكون لها هويتها، وشخصيتها، وحياتها، كإنسانة.
وخلال دقيقتين فقط، هما مدّة فيلم «لمحة»، تسلّط المخرجة نائلة الخاجة الضوء على بطلة فيلمها الشابة سارة (نيفين ماضي)، التي تبدو على قدر كبير من الرفاهية والجمال، ولكنها في الوقت نفسه تعاني من الوحدة، في غرفتها الحافلة بكل مستلزمات التجميل والترفيه، ويبدو أنها لا توفّر لها أيّ معنى من معاني التواصل الانساني، حتى مع الشقيقة الصغيرة، التي تدخل وتخرج، بسرعة فائقة، ودون أدنى كلمة. سارة، الوحيدة في غرفتها، تلمح من نافذتها العالية شاباً ظاهر الشباب والأناقة، فتتلهّف روحها لمرآه، وتتملّاه حذرةً من وراء حافة النافذة، كي لا ينتبه لوجودها. عما قليل، وعندما ستظهر امرأة برفقة ذاك الشاب، سيكون لسارة شأن آخر.


                                                           من فيلم جنة رحمة

ومع فيلم «لبن مثلج»، لا ينفكّ المخرج أحمد زين عن سرده للقصص الاجتماعية، في واقع إماراتي لما يدخل عصر الحداثة الشهير عن دولة الإمارات العربية المتحدة. دائماً يعود أحمد زين إلى «الفريج»، وينهل من عالم الفتيان الواقفين على بوابة الشباب، قصصه وحكاياته، ويقدّمها بسرد مشغول بالحكاية، ودلالاتها، وخطابها التربوي. في فيلمه الروائي القصير «لبن مثلّج»، يتعارّك فتيان لسبب عابر، كأن يُسقط أحدهما كوز اللبن المثلّج من يد الآخر. كل شيء كان يمكن أن يمرّ ويطويه النسيان، لولا أن تدخل الكبار من عائلتي الفتيين جعل من العراك العابر مقدّمة لشجار دموي، بدا أنه أقرب إلى مجزرة دامية، في حين عاد الولدان للّعب، والعراك، مرة أخرى.
وسوف تعود المخرجة والشاعرة الإماراتية؛ نجوم الغانم، بفيلمها الوثائقي الطويل «أمل»، دون أن تغادر همّها واهتمامها، إذ بعد أن نالت الجوائز الكبرى، في العام الماضي، عن فيلمها «حمامة»، الذي رصدته لامرأة إماراتية، قادمة من عمق الوعي الشعبي الإماراتي، وتحمل ببساطتها، ودأبها، روح المجتمع الإماراتي، عبر ما يقارب قرن من الزمان، تأتي المخرجة نجوم الغانم، بفيلمها الجديد، الذي يحمل اسم شخصيته الرئيسية «أمل»، فتتناول حكاية الفنانة السورية «أمل حويجة»، التي قدمت إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، منذ قرابة عقد من الزمان، وهي التي كانت آتية بعقد عمل لسنة واحدة، لكن السنوات مرّت بها، هنا. لا تكتفي المخرجة بتسليط الضوء على «أمل» وحياتها، بل تجعل من الفيلم مفتاحاً لقراءة واقع الوافدين إلى دولة الإمارات، وعلاقة الوافدين ببلدانهم، دون أن تنسى الكشف عن الجوانب الإنسانية الشخصية والإبداعية لفنانة كانت تعد بالكثير، قبل أن تتحوّل إلى «صوت» في برامج ومسلسلات الأطفال.
يبقى من الجدير ذكره، في الختام، أن أفلاماً إماراتية أخرى، وإضافة إلى الفيلم الروائي الطويل المُجرّب «ظلّ البحر» للمخرج نواف الجناحي، تستحقّ الوقوف أمامها، من طراز «الدخيل» لماجد الأنصاري، و«فاكهة مُحرّمة» لسارة العقروبي، و«أفواه» لخالد علي، و«دوربين» لمني العلي، و«آمال» لناديا فارس، و«عطر المطر» لطلال المحمود وعلياء الشامسي، و«مكتوب» لراوية عبدالله، و«انتظار» لهناء الشاطري.. وكذلك مع أفلام الطلبة، من طراز «لندن بعيون امرأة محجبة»، لمريم السركال، و«لحظة» لمحمد غانم المري، و«الكمد» لأحمد الحبسي، و«بداية نهاية» لعائشة عبدالله، و«رذاذ الحياة» لفاطمة عبدالله، و«آيس كريم» لخالد العبدالله، و«دائرة الموت» لطارق الكاظم، و«أطفال» لمحمد فكري، و«قطط» لمروان الحمادي، و«شجرة البلح القديمة» لإيمان السويدي، و«القبر» لإبراهيم الراسبي، و«ظاهرة القمبوعة» لعبدالرحمن المدني، و«رائحة الجنة» لمحمد سويدان، و«الشردة» لفيصل الموسى. كل هذا مما يؤكد أن المشاركة الإماراتية كانت في المقدمة من حيث عدد الأفلام، وتنوّعها، وقدرتها على المنافسة، وإن لم تحقق ما تستحق من جوائز.

قد ينال إعجابكم