متابعات

نجاح كرم.. في مرآة السينما

بشار إبراهيم
غادرت «نجاح كرم» الحياة، يوم السبت 14/01/2012. في المسافة ما بين مهرجانين سينمائيين، رحلت. ما بين مهرجان دبي السينمائي الدولي الثامن، الذي اختتم أعماله في 14/12/2011، ومهرجان الخليج السينمائي الخامس، الذي انطلق في 10/4/2012، كان الرحيل. فكان مهرجان دبي السينمائي الدولي الثامن، آخر مناسبة سينمائية تتواجد فيها، على الرغم مما ألمّ بها، وأمضّها.
وما بين أسفٍ وحزنٍ، وتسليمٍ بقضاء الله، عزّ وجلّ، كانت صورتها الباهية تتألّق، لامرأة استطاعت أن تحقّق أجلّ ما يمكن، في عمرها القصير، ولصديقةٍ بَنَت عماراتٍ عالية من الاحترام والتقدير، ولأختٍ تفيض مودّةً ورقّةً. كاتبة عرفها القرّاء في وطنها. شغوفة عرفها السينمائيون المتابعون للمهرجانات العربية. هادئة قدّرها كل من التقاها. وسمعة عَطِرة سوف تبقى.
على مدى قرابة عشرين سنة، احترفت «نجاح كرم» الكتابة. كانت إطلالتها، شبه اليومية، على جمهور واسع من القرّاء، والمتابعين، والمهتمّين. لم تتوقّف عند حدود الكتابة في الشأن السينمائي، فقط، بل اتسع موشور اهتمامها، وتنوّع، وتلوّن، حتى كاد يغطي على مختلف شؤون الحياة، وشجونها. ليس من المبالغة في شيء القول إن «نجاح كرم» لم تترك شيئاً مما يهمّ الإنسان الكويتي، العربي، المسلم، ومما يهمّ كل إنسان على وجه البسيطة، دون أن تتناوله بقلمها، متأمّلة فيه، ومتألّمة له.
كتبت «نجاح» في السينما. وبدت في كثير من الأحيان، أنها كانت تأخذ من الكتابة في السينما ذريعةً لقول ما تريد، وفي سبيل الخوض في كثير من القضايا والموضوعات الراهنة، والمسائل الملحّة، والأسئلة المُعقّدة. من الحرب التي اكتوى بها بلدها؛ الكويت، والعرب والعالم عموماً، إلى أنشودة السلام والأمن والأمان، التي رهنت لها الكثير من كلماتها وكتاباتها؛ زوايا وأعمدةً ومقالات.


                            الراحلة نجاح كرم

كانت السينما بالنسبة لها مرآةً تنظر فيها، فترى الإنسان، الحياة، الماضي والحاضر والمستقبل. صارت السينما عندها مدخلاً مناسباً، إن شاءت الحديث في أمور التربية والأخلاق، والدفاع عن الدين، وتظهير صورته الحقيقية، في مواجهة من أرادوا به شراً؛ شططاً أو تشويهاً. كما كانت السينما أداتها في مناهضة كل ما يؤذي مجتمعها، وبلدها، ووطنها، وأمّتها. ففي السينما وجدت الأسلوب الأكثر قدرة على العون، لدن محاولة التعبير عن الهوية الدينية، والوطنية، والقومية، والإنسانية.
نقرأ اليوم كتاباتها، فنجد أحاديث متواصلة عبر السنوات، متناغمةً كأنما ثمة خيط خفيّ ينظمها جميعاً، وما كان هذا الخيط إلا هي، برؤاها، وأفكارها، وقناعاتها، وإيمانها، وتناسق انتقالاتها من مرحلة إلى أخرى، ومن زمن إلى غيره، في انضباط فكري، مستعينة بالصبر والأناة، والهدوء والتدقيق، قبل كل كلمة تكتبها، وكل موقف تتّخذه.
آمنتْ بالمستقبل، وأدركتْ أهمية الشباب، فمنحتهم القسط الوافر من اهتمامها، ودعتْ لفسح المجال أمامهم، دون أن تنسى نصيب الكبار والروّاد من التقدير والاحترام. مجتمعها هاجسها، على المستويات جميعها. نقده وتقويمه ودفعه على الطريق السديد، سعياً كي يتبوأ المكانة اللائقة به بين الأمم؛ ما يليق بإمكاناته وخيراته، البشرية والطبيعية. الصراحة عنوانها، فكان هذا عنوان أحد زواياها الصحافية التي كتبت تحته الكثير مما تريد قوله، وترجوه أن يصل إلى القلوب والعقول، قبل العيون والأسماع.
تكتبُ في السينما، دون أن تُفلت المسرح، والإذاعة، والتلفزيون، وسائر الفنون والآداب، ووسائل التعبير والإبداع. تكتبُ، وينكشف الكلام عن اهتمام لا يُدانى بالإنسان، أولاً وتالياً. لا تميل إلى الثرثرات الجوفاء، ولا إلى النظريات المُترفّعة، ولا العبارات المُفخّمة. بساطتها من بساطة الإنسان نفسه. قضيتها قضيته، وهمومها حاله، وأوجاعها مما يؤلمه.
من خلال الحديث عن السينما، انتقدت الصورة النمطية المُشوّهة عن «الخليجي»، تلك الصورة المُتوهَّمة في أذهان البعض، بمن فيهم من العرب والمسلمين، والغرب وغير المسلمين، والتي تظهر بين حين وآخر في كتاباتهم، وأفلامهم. تماماً في وقت لم تكفّ فيه عن دعوة جميع القوى، من قطاعات حكومية وأهلية للمبادرة والمساهمة في تحقيق الأفلام التي يمكن لها أن تقدّم الصورة الحقيقية عن الخليج، ومجتمعاته، وناسه، وقضاياه، بتوثيق تاريخه، ورسم حاضره، واستشراف آفاق مستقبله.
في كتاباتها عن السينما، دائماً ثمة قضية جوهرية تتناولها، وموضوعاً هاماً تناقشه، ومصير تخاف منه، أو عليه. من الواضح أنها لم تحبّ السينما لأجل السينما، ولا انشغلت بها أبداً، لولا أنها أدركت أن السينما قادرة على التعبير عن حال إنسان القرن العشرين، ومطالع القرن الحادي والعشرين؛ إنسان زمن «ثقافة الصورة». لم تكن «نجاح كرم» من عشّاق الترف الفكري، ولا اللهو والمتعة. كانت عاشقةً للإنسان، في أدقّ تفاصيله، وللوطن في أوسع أمدائه، ولأجل هذا كتبتْ وناضلتْ.


                ملصق فيلمها البحث عن رفاعة

في غالبية مقالاتها، مما كتبته عن أفلام، أو تغطية لفعاليات مهرجانات، لم تترك فرصة للتوقّف أمام ما يهمُّها، إلا وفعلت. دائماً حاولت تصحيح النظرة المغلوطة لفن السينما، تلك النظرة المُشوّهة التي تنتشر في أوساط معينة في بلدها الكويت، وبلدان عربية أخرى، خليجية وغير خليجية، بذريعة الحفاظ على القيم والأخلاق، وبذريعة تَعارض فن السينما مع «قيمنا وأخلاقنا»!.. فكان لـ«نجاح كرم» صولات وجولات في التأكيد على أنه من الممكن صناعة تلك السينما التي نريد، والتي تتوافق عميقاً مع «قيمنا وأخلاقنا»، فتعزّز إنسانيتنا، وتطوّر واقعنا، وتعالجنا من أمراضنا، وتقدّم صورتنا الرائعة.
ودائماً، أظهرت «نجاح كرم» انتسابها ومناصرتها لقضية المرأة، الكويتية بدايةً، والعربية والمسلمة تالياً، والمرأة الإنسان حيثما كانت، على هذه الأرض. آمنت بإمكانيات المرأة، وقدرتها على الفعل، وبأهمية دورها السياسي والفكري الثقافي، والاجتماعي التربوي التعليمي، والاقتصادي الفاعل، وبرقيّ مكانتها، وأن الخلاص من الواقع الراهن، والانطلاق إلى المستقبل المأمول، لن يكون بدور المرأة، ودورها، وفاعليتها، المستندة على تحررها، وأخذها لدورها.
نقرأ كتابات «نجاح كرم»، ونتأمّل في تراثها الذي تركته لنا، وندرك أن كلّ ما كتبته، أو كلّ ما أمكن لنا قراءته مما كتبته، يؤكد أنها كانت «ناشطة». كانت ناشطة حقيقية، كما في الواقع، كذلك في الكتابة. ورغم أنها كتبت في الصحافة، والنقد، ورغم أنها أنتجت أو ساهمت في إنتاج الأفلام، ومارست أدواراً إدارية معروفة، فإنها بقيت تحتفظ بالصفة الأساسية، التي نرى أنها تليق بها؛ إنها ناشطة بالقول والفعل، ناشطة في الحياة، والموقف، والسلوك، كما هي ناشطة بالرأي والكلمة. لقد قرنت القول بالفعل.
خالدٌ ذكركِ بيننا.. وليتغمّدك الله برحمته، وواسع غفرانه.

* من مقدمة كتاب «في مرأة السينما»، إصدار مهرجان الخليج السينمائي، إبريل 2012.

قد ينال إعجابكم