متابعات

"كل سينما الغرب ضد المرأة العربية"… مغالطات نقدية

تحت عنوان "السينما الغربية تحاول تحطيم هالة المرأة العربية" كتب دكتور في مجلة ثقافية عربية مهمّة مقالاً من المفترض به أن يكون رصيناً. ألا تعني "الدكترة" مكانة علمية في ترتفع عن سواها؟ ألا تعني بحثاً وتمحيصاً؟ معلومات وحقائق؟ ثم ألا يعني وجود مجلة للثقافة بطاقم من "الدكاترة" والأساتذة أن عليها مسؤولية التفريق بين الكتابات فترفض الغوغائي وتقبل المرهون بالوقائع الثابتة؟
عدم ذكر لا اسم "الدكتور" (الذي ليس من بين الزملاء) ولا اسم "المجلة" ليس تهرّباً من مواجهة، بل حتى لا ينتشر الاعتقاد أن هناك مصلحة ما وراء الكتابة عنهما. لكن الأول نشر في الثانية مقالاً تحت هذا العنوان الذي ينتمي إلى عصر الكتابات الاستهلاكية التي كان بعضنا في الستينات مأخوذاً بها: السينما الغربية (ولا فرق أي غرب هذا) تحاول تحطيم هالة المرأة العربية. هناك معول بيد تلك السينما وهي تضرب به تلك الهالة التي تحتلها المرأة العربية. أية هالة؟ ليس مهمّاً. العنوان أهم...

والمقدّمة تقول بالحرف: "منذ بدء الاستشراق وحتى الآن والغرب يحاول جاهداً تشويه صورة الإنسان العربي رجلاً كان أو امرأة" هذا إقرار خطير أيضاً. كل الاستشراق معادٍ أولاً، وكل الاستشراق سار على منهج واحد هو محاولة تشويه صورة الإنسان العربي رجلاً او امرأة أو ربما من النوع الثالث أيضاً!. وبعد أسطر لم يمتلكني سوى الضحك وأنا أقرأ: "ولقد أخذت عمليات التشويه منحنى كبيراً منذ أيام السينما الناطقة وحتى الآن". ضحكت إذ لم أكن أعلم أننا تجاوزنا عصر السينما الناطقة… أعلم أنني أعيش في الماضي … لكن إلى هذا الحد تأخرت فلم أكتشف أن السينما ودّعت النطق وعادت إلى الصمت..
لا. لا تقل لي خطأ مطبعياً او خطأ استعجال. الخطأ خطأ والمقال لم يكتب ويتّجه مباشرة إلى المطبعة بل مرّ على محرر مناط به أن يقرأ.


ثيو بارا

وبعد المقدّمة الطامّات الكبرى: "ومن أشهر بطلات السينما الأميركية اللواتي أسأن إلى المرأة العربية الممثلة اليهودية (وكتب أسمها باللاتينية) Theodosia Burr" التي -يقول الكاتب بعد أسطر قليلة أصبح اسمها Lori Bara
المقال لا يزال في مطلعه، فكّرت في نفسي وأنا أقلب عدد صفحاته، والأخطاء بدأت تتراكم. من هي ثيودوسيا بَـر؟ أيعقل أن يكون الدكتور قد كتب عن تيودوسيا بَـر وليس غيرها؟ ابنة آرون بَر الذي قدّم للمحكمة سنة 1807 (قبل نحو واحد وسبعين سنة على إنجاز أول فيلم) والتي توفيت  سنة 1813؟
ثم من هي بحق السماء لوري بارا؟
هل كانت هناك ممثلة أسمها لوري بارا؟
نعم…. كانت هناك ممثلة أسمها لوري بارا لكنها لم تقم ببطولة أي من الأفلام الثلاثة التي مثّلتها ولم يكن من بينها فيلم معاد للعرب والعروبة والمرأة وهالتها او الرجل او أي "إنسان" آخر.
طبعاً هو يقصد ثيو بارا، لكن هل من واجب القارئ أن يحصّن نفسه بقاموس الممثلين لكي يجري بحثاً على حسابه كلما ورد أسم لسينمائي؟
هل أكمل المهزلة؟ هل آتي إلى ذكر الدكتور الذي كتب لأقاويل وضعها على لسان أشخاص لا نعلم متى قيلت؟ كيف قيلت؟ أين قيلت؟ الدكتور يستشهد بالناقد الأميركي ألكسندر ووكر (رحل قبل نحو سبع سنوات) الذي يقول إنه كتب أن "لوري (في أحد الأفلام) أميرة عربية وأنها فطمت على أكل لحوم الثعابين (هل هناك ما يؤكل غير لحمها؟) وشرب الدماء، وهذه هي طبيعة العرب حبهم الدماء والتدمير"… الا يذكر الفصيح المرجع الذي أورد هذا الكلام؟ أم أذكر أنه لا وجود لفيلم فرنسي عنوانه Lasng D'Ailsh (والعنوان خطأ أساساً) ولا يوجد فيلم عنوانه Gun Powder  أو أن فيلم «جحا» لا علاقة له بالقول أن للرجل حق الزنا والمرأة لا حق لها بذلك؟
او هل أكتب عن قصّـة فيلم «جريكو» تختلف بـ 180 درجة عن تلك المذكورة في المقال وأن المخرج  (ثورنتون فريدلاند) لم يؤد دور مخرج في الفيلم؟ أو عن مقال لا يصلح للف السمك بورقه؟
هل يعقل ذلك في مجلة ثقافية؟ بل هل يعقل في منشور مدرسي؟ هل وصل الاستهتار بالعلم والحقائق وأهمية المادة الموثوقة إلى درجة الكتابة من دون ذكر مراجع ولا تواريخ ولا التأكد من أسماء ولا من سير ذاتية ولا حتى ألفبائيات اللغة؟
الجواب: نعم.
وصلنا وتربّعنا ونحن في زمن يشبه من فرط تقدّمه مطلع القرن التاسع عشر. حلقة وصلت نهايتها فبدأت من جديد.
أنت تكتب والكتابة أمانة. ليس كل قارئ قادر على أن يعي الحقائق او أن يميّز الأخطاء. وهذا الدكتور النابغة ليس وحيداً. هناك "نقاد" يكتبون عن أفلام لا يرونها ويكتبون خطأ وحين يتم كشفهم لا يعتذرون. لا أحد منهم يعي أن القارئ أكثر أهمية من الكاتب. إنه المستقبل في حين أن الكاتب هو جزء من التاريخ يضع ما تعلّمه لسواه لذلك عليه أن يكون نقيّـاً وأميناً تستطيع الوثوق به.
إذاً، أعزائي القراء، هالة المرأة العربية (والرجل وأي "إنسان" آخر!) كانت هدف السينما والمستشرقين. ليس حبّاً بها طبعاً، لكن لبلوغها شأناً اجتماعيا راقياً في بلادها شكّل تلك الهالة الكبيرة حولها. ليس لديها مشاكل ولا هي ضحية ألوان الظلم والجحود وسوء المعاملة… لا… قرر الدكتور أن العالم ترصّد لها بسبب هالتها وقبض أجره من الناشر وبدأ يغزل فكرة موضوعه القادم.

قد ينال إعجابكم

بورتريه

السادات .. ممثلاَ!

لم يكن السادات يعشق السينما فقط.. وإنما كان يتمنى أن يصبح من نجومها.. وكان منذ فجر شبابه يحلم بالوقوف أمام كاميرات...