متابعات

عن الفيلم التسجيلي الفائز بمهرجان كارلوفي فاري

فاز فيلم "قصة لمادلينز"، للمخرج البرازيلي المقيم في إسبانيا سيرجيو اوكسمان، بجائزة أفضل فيلم تسجيلي في فئة الأفلام التي لا يزيد طولها عن 60 دقيقة في الدورة السابعة والاربعين من مهرجان "كالروفي فاري" والتي اختتمت الأسبوع الماضي. يثير الفيلم الفائز إشكالية التوصيفات والتسميات المتواصلة والجدل عن الفروقات بين السينما التسجيلية والتوثيقية، فهو لا يوفي تعريفات أي من الإتجاهين السابقين بالكامل، كما أنه طُبع بإسلوبية خاصة للمخرج، تعتمد في جزء منها على الأفتراضات والتخمينات، يقربه من "المتخيل"، من دون أن يفقد من قيمته في تقديم شخصيات وحوادث حقيقية، عاشت حيوات غريبة طويلة، وشاءت الأقدار وحدها أن تقع بعض آثارها بين يدي المخرج قبل أن تنتهي إلى النسيان.

يصادف المخرج شخصيات فيلمه بالشارع، وهذا ليس وصفا مجازيا فقط، فهو عثر بالحقيقة على قصة فيلمه بالشارع القديم الذي يعيش فيه في العاصمة الأسبانية مدريد، في صندوق كبير مرمى في القمامة. عندما بدأ المخرج بتقليب محتويات الصندوق من صور ورسائل قديمة، عرف وقتها إن هناك حكاية في الصندوق يجب أن تروى، ليبدأ بعدها بتركيب أحداث تلك الحياة مستعينا بالصور والرسائل والتي سيقدمها في فيلمه " قصة لمادلينز ".

ربما يعود الفضل للمخرج المثير للجدل رومان بولانسكي وبالخصوص فيلمه الشهير "طفل روزماري" في إشعال فضول المخرج البرازيلي، فالأب في العائلة (اسمه الاول إليمار) التي تعود اليها الصور والرسائل، ظهر ككمبارس في فيلم الستينات الشهير للمخرج البولندي الأصل. يستعين المخرج بمشاهد من فيلم الرعب ذلك، لكن العثور على "إليمار" في الفيلم سيكون عسيرا، هو يظهر في مشهد واحد فقط، عندما تكتشف "روزماري" في حفلة جمعتها بأصدقائها بأن زوجها عقد اتفاقا مع الشيطان، وإن طفلهما هو الثمن الذي دفعه الزوج لنجاحه المهني الخاص. في ذلك المشهد تمر كاميرا بولانسكي على  "إليمار" بشكل خاطف، رجل في منتصف الثلاثينات من عمره، طويل القامة، يملك سحنة نجوم هوليويود عقد الخمسينات. لن يصل "إليمار" الى النجومية، لن يتحول الى ممثل ثانوي ايضا، بل سيكون فيلم رومان بولانسكي هو أقرب ما يصل إليه إلى أضواء هوليويود.

حياة "إليمار" الخاصة لن تكون خالية بدورها من التحديات، فهو يواجه رفض عائلة حبيبته الشابة بالزواج منها، والتي إعتبرت إن رجلا تعدى الثلاثينات ومازال يطارد وهم النجاح في هوليويود، ليس بالزوج الأمثل لابنتهم. لكن الأخيرة تخالف نصائح العائلة وتتزوج من الممثل الفاشل، ليتركان بعد ذلك الولايات المتحدة الأمريكية ولن يعودان إليها أبدا.

ستعرفنا صور فوتغرافية لاحقة من إرشيف العائلة، بأنها وبعد ولادة الإبن الوحيد لها إنتقلت إلى مدينة مدريد الاسبانية، وإن الأب قد ودع أحلامه في التمثيل للأبد، وإن الإهتمام بدأ يتجه إلى الأم، التي ستتجه إلى العمل الفني التشكيلي وهو الانشغال الذي ستخصص له جزء كبير من حياتها، كذلك سنعرف من رسائل السنوات الأولى التي أرسلتها العائلة لأصدقاء في الولايات المتحدة الأمريكية بأنها تعيش عزلة كبيرة في المدينة الاسبانية، وهي عزلة اختارتها العائلة عن وعي لتوفير حماية لخصوصيتها وأيضا لموهبة الأم الفنية والتي بدأت بالتشكل. هذه الموهبة  لن تظهر للعالم طوال حياة العائلة. ستكشف الصور الفوتغرافية من الفترة الأسبانية عن الطباع الغريبة للعائلة، والطقوس ذات الجذور الدينية التي بدأت تمارسها، بعضها بدأ بإشراك الابن الوحيد، والذي سنشاهد صور غريبة له مرتديا ملابس إغريقية. في حين كان في صور اخرى موضوعا للأم الفنانة في أعمالها، والتي جمعت بين الرسم والنحت.

ولأن الفيلم يعتمد بالكامل على محتويات الصندوق الذي وجده المخرج بالشارع، لا تقدم الأحداث فيه بتسلسل زمني منظم ، فإحدى الرسائل من الابن إلى العائلة تكشف بأنه ترك والديه وإنه عاد إلى الولايات المتحدة الامريكية، والتي سيعيش فيها إلى وفاته المفاجئة وهو لم يتعد الخمسين من العمر، كذلك سنعرف من جواز سفره الذي أعيد إلى والديه بعد وفاته، بأنه لم يعد أبدا إلى اسبانيا لزيارة عائلته، ومنذ تركه لهم ولم يتجاوز وقتها العشرين من العمر.

من محتويات الصندوق الاخرى، شريط فيديو صورته صديقة أمريكية للزوجين، كوثيقة تسجيلية عن موهبة الزوجة. في الشريط سنتعرف على الزوجين العجوزين في شقتهما ذاتها في مدريد، تشرح الزوجة للصديقة عن أعمالها المعلقة على كل جدران الشقة القديمة. كثير من تلك الأعمال تتضمن  إشارات رمزية مسيحية مبالغ في عاطفيتها وحضورها في فضاء الأعمال. هناك أيضا عمل نحاسي لرأسين مركبين بشكل عكسي وموضوعين على لوح معدني، هما، وكما تخبرنا الزوجة، نسخة فنية لها ولزوجها.

عندما تتوقف صور ورسائل الصندوق عن تقديم معلومات جديدة عن حياة العائلة، يقوم المخرج بتحري ما آل اليه حالهم، فنعرف أن الأم الفنانة ماتت بسكتة قلبية، وأن زوجها عاش عامين بعدها، منقطعا تماما عن العالم، وإنه وُجد ميتا هو الآخر في غرفة نومه وبعدما قام بحرق كثير من محتويات الشقة، في المدفأة النارية في غرفة الجلوس. ينجح المخرج في الدخول إلى شقة العائلة وقبل أن تتحول ملكيتها إلى مالك جديد. في المشاهد الختامية تلك سنرى بعض ركام الشقة، ومنه الأعمال التشكيلية للزوجة والمتروكة على الأرض، وكذلك التمثال النحاسي للزوجين قريبا من تل من النفايات في قلب الشقة!

اختار المخرج البرازيلي سيرجيو اوكسمان أن لا يضمن فيلمه التسجيلي أية مقابلات، مع جيران العائلة مثلا في مدريد، او أن يقوم بتتبع جذروها الأمريكية، هو يرفع ومنذ المشهد الأول في الفيلم قطعة سوداء أمام الكاميرا، كأنها تأذن ببداية حكايته المصورة، ثم يعرض محتويات الصندوق وحسب تسلسلها الزمني، مع تعليق صوتي للمخرج نفسه، الذي يربط بين أطراف الحكاية. والتي ربما لم تسير  بالضرورة كما يزعم الفيلم، فالدقة هنا لا تملك أهمية كبيرة. انها بالنهاية حكاية عائلة صغيرة خاصة أخذت مسارا غريبا وعاشت أوهاما وخيبات، وعندما مات أبطالها، انتهى معظم ما تملكه من أشياء عزيزة وحميمية إلى النفايات.

قد ينال إعجابكم