متابعات

"بيمبو مصر" وثائقي يكرس نظرة غربية للحرية في مصر

أمام سيل المعلومات المتدفقة يبقى الوثائقي على مسافة ضرورية لنقل الوقائع، وهو يوفر إدراكا آخر للعالم المحيط بنا ويحمل نظرة مختلفة على الحياة السياسية وعلى الفاعلين فيها، كما تعزز الكتابة "الوثائقية" سبل التعبير والمعارف المقدمة في التلفزيون والصحافة.
هذا ما تهدف إليه القناة البرلمانية الفرنسية LCP من وراء اختيارها لعرض الوثائقي ضمن برامجها كما تقول، والمحطة لا تكتفي بالعرض بل تدعم هذه النوعية من الأفلام عبر إنتاج خمسين فيلما منها في العام إضافة لتعاونها مع منتجين مختلفين.


واجهة أحد الشوارع المصرية

وقد عرضت المحطة مؤخرا فيلما عن مغنيات وراقصات مصر بعنوان " بيمبو مصر: تحقيق عن تناقضات"، و"البيمبو" حسب الوكيبيديا " تعبير يستخدم في اللغة المحكية ليصف امرأة مثيرة، قد تكون محدودة الذكاء، تصرفها فتي وساذج وسطحي"، وفي الفيلم هن مغنيات مصريات "معارضات" يعملن من أجل "الحرية". ولكن مهلا، فليس المقصود هنا السياسة. فالمغنيات" الجريئات اللواتي لا يضعن الحجاب"(هكذا قالت المذيعة التي قدمت الفيلم!) ينشدن الانفلات من ضغوط المجتمع وأعرافه ويعشن حريتهن في فضاء خاص بهن، فضاء الأغنية المصورة ...
 في تركيز على  تناقضات المجتمع العميقة في تعامله مع الجسد الأنثوي، لم يكتف المخرج أمين بو زيان، بالتركيز على مغنيتي كليب شهيرتين في مصر تستخدمان الجسد كركيزة رئيسية(وحيدة؟) في أعمالهما، بل اختار الاقتراب من راقصات الأعراس والمسارح التي يقتصر جمهورها على الرجال، وهذا رغم التفاوت الواضح بين الطرفين، في الشهرة على الأقل(ما يدفع إلى التساؤل عن أسباب عدم اختياره لراقصات توازي شهرتهن شهرة المغنيات).
لفت الشريط في البدء إلى التناقض المظهري الصارخ بين المغنية وبين السائد في الشارع، فمغنيات" الإغراء" يناقضن في مظهرهن الواقع الذي يغطي فيه الحجاب والنقاب رؤوس ثمانين في المئة من المصريات، ما يبرز الهوة بين "رغبة المجتمعات العربية بالحرية وبين ضغوط المحيط الديني والاجتماعي". ثم يطرح تساؤلا عن كون المغنيات "آخر فضاء حرية في مجتمع متجمد؟"!
وللإجابة على هذا السؤال" الجوهري"، يعرفنا بساندي (هنا أعترف بأن تعريف الفيلم الوثائقي الوارد أعلاه انطبق علي) وانجازاتها. ساندي أصدرت ثلاث مجموعات غنائية (ألبومات) وهي لم تتعد بعد الثالثة والعشرين، أحلامها ليست كأحلام الفتاة المصرية "محدودة بالزواج" كما تقول، بل هي تضع نصب أعينها ريحانا وليدي غاغا(معرفتي بالاثنتين ليست افضل حالا) وتركز على الجسد في تصويرها لأغانيها بحيث تهتم بكل تفصيل "فنجاحها يعتمد على ذلك". ساندي تعترف أنها صورت الكليب الأخير خارج مصر فهذا غير ممكن داخلها. وتعتبر أن  الإيمان" بيني وبين ربي فقط"، وأن ثمة من يغطي نفسه ويرتكب الكثير.
وهنا تفرض المقارنة نفسها على مخرج الفيلم بين لباس وكلمات جيل المطربات السابق ومنهن وردة، التي أظهرها في ثوب محتشم وهي تغني أغنية رومانسية، وبين الجيل الحالي الذي يعتمد "لغات" مغايرة.

وفي محاولة لايجاد توازن وموضوعية للشريط، يورد رأي مسؤول من الإخوان المسلمين الذي يشرح دور الفن وأهمية احترامه للنفس وللقواعد نافيا عن الحركة محاولتها فرض أفكارها في هذا المجال لأن الجمهور هو "صاحب الخيار".
أما روبي "الظاهرة" الأكثر مدعاة للخلاف والجدل والتي تصدم الشارع لأنها "لا تمثل ثقافته" كما أظهرت بعض الآراء، فتحتج لمحاولة خلط الدين بالفن وخاصة الرقص والغناء. وتتابع العدسة روبي في تمريناتها الرياضية وتحركاتها في الشارع، حيث لا يتعرف عليها الناس، ويشير إلى الضغوط العائلية قبل النجاح ثم انقلاب الموقف بعده حيث طلب منها فقط أن تنتبه لنفسها. ويسمعنا الشريط اقوال المحامي الذي يسخر وقته برفع الدعاوي على الفنانين لأنه يعتير" الكفاح ضد هذا "السكس كليب كما يقول "واجبا وطنيا"  رافضا هذا النوع من "الفنون" و نادبا حظه لأن دعاويه تربح ولكنها لا تطبق!


الممثلة حنان الترك

وبعد أن نسمع رأي محجبة تعتبر هذا الغناء "سوقيا"، تعبَر فتاة فرانكوفونية في إحدى علب الليل" هذا ما نريد عمله ولا نستطيع. ولا أعرف لماذا؟". لقد كان ممكنا هنا تطوير الفيلم وتوجيهه نحو مسار يساهم أكثر بفهم ما يحدث من قبل مشاهد أجنبي، لكن المخرج فضل متابعة أكثر إثارة  بالتطرق إلى حوداث تبرز كبت الشباب أمام ما يرونه مثل الاعتداء على المغنية مروة وتمزيق ثيابها وعلى الراقصة دنيا. وترك للإخواني تفسير السبب "شباب بالبطالة حرضناهم جنسيا".
ثم يحشر الفيلم مواضيع أخرى. فيقحم برجوازيات يتعلمن تجويد القرآن في تفصيل لا داع له، وينتقل إلى الحديث عن  واقع الرقص في مصر مختارا راقصات مغمورات، هن اللواتي "يواجهن الواقع الصعب" وليس مغنيات الكليب حين يرقصن وجها لوجه أمام حشود من الرجال ويخفين الأمر عن عائلاتهن خوفا من القتل ربما. ويصل إلى حقيقة أن هذه الظروف الموضوعية وهذه النظرة إلى "الجسد" أدت إلى انخفاض عدد الراقصات في مصر إلى المائة، ما استدعى إحضار أجنبيات مكانهن. وهؤلاء أيضا لا يفهمن حقا "متناقضات" المجتمع المصري كما تعبر إحداهن. وتطرق الفيلم إلى "قضية" حنان الترك وتحجبها بعد فيلم "دنيا" التي ادت فيه دور راقصة.

ثم لاينسى بالطبع رأي السلفيين، ويعود إلى روبي التي تبدو أكثر صراحة وتحملا لمسؤولية افكارها من ساندي  إذ "لا ثمن للحرية ولست مستعدة لأتغير أحب الحرية جدا".
لم يسع الشريط للاشارة إلى القيمة "الفنية" لهذا النوع من الأغاني، بسؤال مختص وليس فقط استطلاع آراء الشارع، واهتم فقط بالتعبير الجسدي فيها، كما حفل حتى التخمة بالكليشيهات، الغربية منها بالطبع، عن النظرة إلى المرأة والدين. وحصر مفهوم التحرر "بالجسد"، واختار عيناته من"الأكثر تحررا" من اللواتي لا تشكل نسبتهن شيئا في المجتمع المصري. لقد اعتبر ان "التحرر" على الطريقة الغربية هو النموذج، دون أن يذكر أن هذا النوع من الكليب يثير نفورا لدى كثيرين في الغرب أيضا لاستخدامه المرأة كسلعة.

قد ينال إعجابكم