متابعات

"كوكب القواقع"..تحطيم قواعد الفلم الوثائقي

أتاحت لنا الدورة الخامسة عشر لمهرجان الإسماعيلية السينمائي الدولي أن نشاهد عدداً كبيراً من الأفلام الوثائقية والروائية القصيرة المتميزة ومن بينها فلم "كوكب القواقع" للمخرج الكوري الجنوبي سونغ جين يي، صاحب الفلم الشهير "أطفال الله". لابد من الإشارة إلى أن "كوكب القواقع" قد حصل على العديد من الجوائز المهمة نذكر منها جائزة "مهرجان "IDFA" بأمستردام" وجائزة مهرجان تريبيكا السينمائي، وجائزة لجنة التحكيم في مهرجان الإسماعيلية السينمائي الدولي، ومازال مخرج الفلم ومُنتجه يتنقلان من بلد لبلد، ومن مهرجان لآخر لكي يجيبوا على الأسئلة التي تتفجّر في أعماق المتلقين غِبَّ مشاهدتهم لهذه التحفة البصَرية التي ارتقت إلى مصاف الأفلام الشعرية التي تلامس العواطف الإنسانية في لحظات التجلّي العظيمة.


سونغ جين يي

العزلة المطلقة
ربما يتساءل غالبية الناس الذين شاهدوا هذا الفلم عن ثيمته الرئيسية ومهيمناته الفكرية الأخرى التي أسَرَت النقاد والمتلقين على حد سواء. وقبل الخوض في القصة السينمائية للفلم لابد لنا من الوقوف عند الشخصيتين الرئيسيتين يانغ – تشان وسوون هو لنعرف نوع الإعاقة البدنية التي تعاني منها كل شخصية على انفراد. فبعض النقاد الأجانب على وجه التحديد لم يتوقف عند أسباب الإعاقة ونتائجها القاسية التي أفضت إلى العزلة المطلقة، والتوحد شبه النهائي. فيانغ – تشان الذي يبلغ الأربعين من عمره قد تعرّض في طفولته إلى حمّى قاتلة أوشكت أن تودي بحياته، وكانت النتيجة إن فقد السمع والبصر في آنٍ واحد، ولم تبقَ في ذاكرته المشوّشة إلاّ صور ضبابية مبهمة عن الأشياء التي شاهدها. أما سوون هو فقد سقطت في سن الثالثة، وتحطّم عمودها الفقري، فتوقفت عن النمو بحيث لم يجتز طولها خصر حبيبها يانغ- تشان. لابد من الأخذ بعين الاعتبار أن يانغ- تشان هو شخص هابط من "كوكب القواقع"، وقد سُميّ الكوكب بهذه التسمية لأن أناسه يتحركون ببطء القواقع وهدوئها، كما أنهم يتواصلون باللمس فقط، وأكثر من ذلك فإن اللمس هو الحب بمفهومه العام من وجهة نظرهم. حينما يهبط يانغ- تشان إلى الأرض يُصاب بغربة مضاعفة، فهو ناءٍ ووحيد ومعزول مثل "رائد فضاء" محاصر داخل مركبته الفضائية. كيف سيتواصل مع الآخرين وهو لا يرى، ولا يسمع، ولا يُحسن الكلام بلغة أهل الأرض؟ وكيف سيتجاوز إعاقته السمعية والبصرية إن ظل قابعاً في منزله، راضياً بوحدته القاسية التي تشعره باليأس والإحباط القاتلين؟
أشرنا قبل قليل إلى أن الفلم يتوفر على بناء شعري لافت للانتباه يتجاوز تقاليد الفلم الوثائقي، بل ويحطّمها حينما يعتمد المخرج وكاتب السيناريو سونغ جين يي في مقدمة الفلم تحديداً على عنصر المخيلة التي تستقدم لنا هذا الكائن البشري الهابط من كوكب آخر لا نعرف عنه الكثير على وجه الدقة سوى هدوء أبنائه وسكينتهم المقرونة غالباً بالكسل والخمول، وطريقة تواصلهم بواسطة اللمس. كما أن شاعرية الفلم وثيمته الرئيسية تبدو وكأنها روائية ولا تسعى إلى التوثيق، وإنما تحاول الخوض في موضوعات روائية كالتوحد، والعزلة، والانتصار على الإعاقة البدنية وما إلى ذلك.
تكمن أولى المفاجآت في هذا الفلم باللقاء الذي سيجمع بين يانغ- تشان و سوون هو، ولأنه لا يفهم لغة الكائنات الأرضية فإنه سيلجأ إلى لغة اللمس التي تُعّد أرهف وسيلة من وسائل التواصل وأدقها بالنسبة إليه، فلقد سبق له أن تعلّم القراءة والكتابة حينما كان مُبصراً، فلم يجد أية صعوبة في فهم هذه اللغة التي تعتمد على النقر الخفيف بواسطة أنامل الكفّين على قفا أصابع الشخص المُتحدّث إليه وكأنه يعزف على مفاتيح البيانو فتأخذ العلاقة الحميمة بينهما بُعداً آخر لتنتهي بالزواج. فـ "سوون هو" ليست مجرد امرأة تساعده على تخطي صعوبات الحياة اليومية، وتكسر إيقاع وحدته المقيتة، وإنما هي نصفه الآخر، ورفيقة روحه وقلبه، ونافذته التي يطل بواسطتها على العالم الخارجي، كما أنها الجسر الذي يربطه بالآخرين، إنها، باختصار شديد، العين التي يرى بها، والأذن التي يسمع بواسطتها، والدليل المُحب الذي يقوده في مناحي الحياة المتعددة.
لابد من الأخذ بعين الاعتبار أن مخرج الفلم سونغ جين يي لايستدِّر دموع المشاهدين وعواطفهم، وإنما يميط اللثام عن الطاقات الكبيرة الكامنة في أعماق هذه الشخصيات المُعاقة التي تريد أن تعيش حياتها كالآخرين من دون الشعور باليأس والإحباط والنكوص. وهذا هو جوهر الفلم وثيمته الأساسية. فبواسطة تكامل الطرفين يذهب البطلان في مغامرة الحياة إلى أقصاها.

بناء الشخصيات
على الرغم من شاعرية القصة السينمائية، وعمق المحمولات الفكرية للسيناريو، إلاّ أن بناء الشخصيات الرئيسية هو الذي أمدّ الفلم بخصائص إضافية عززت جانبه الدرامي الذي يرصد نموّ الشخصيات وتطورها بالاتجاه الذي رسمه مؤلف الفلم ومخرجه. فلا غرابة إذاً حينما نقول إن الفلم فنتازي في مقدمته، ووثائقي درامي في بنائه العام، كما أنه ينتمي إلى سينما المؤلف بشكل من الأشكال لأن الكتابة والمونتاج والإخراج مذيّلة كلها باسم المخرج سونغ جين يي. ولكي نؤكد صحة ما نذهب إليه فإنّ يانغ-تشان كان يجيد القراءة والكتابة في منذ طفولته قبل أن يتعرّض للحمّى القاسية التي أفقدته سمعه وبصره، لكنه تعلم القراءة بطريقة برايل وبدأ يكتب أشعاره ومسرحياته ومقالاته الأدبية بهدف نشرها بين الناس. فهو كاتب متوقد الذكاء، ونحّات موهوب، وقد أنجز الكثير من المنحوتات الجميلة التي لا يخلو بعضها من جرأة وإيحاءات جنسية غير مضمرة، كما دخل مسابقة في كتابة المقالة، لكنه لم يفز، مع الأسف الشديد، فظهرت معالم الخيبة والانكسار على وجهه، غير أن "سوون هو" تداركت الأمر وأعادت الأمور إلى نصابها الصحيح.
بدأ يانغ- تشان بمزاولة حياته اليومية بشكل طبيعي والاستمتاع بها قدر الإمكان بمعونة زوجته "سوون هو" أو نصفه الثاني كما اقترحنا في بداية المقال. ومن بين الأشياء التي كان يمارسها ويستمتع بها هي الخروج إلى الحدائق العامة، احتضان جذوع الأشجار، السباحة، التجوال على ساحل البحر، تحسس الرمال بيديه، التزحلق على الجليد في المناطق الجبلية، الاستمتاع بسقوط حبّات المطر على زجاج النوافد، قراءة القصص والأشعار بواسطة جهاز برايل، شم الورود ومخاريط الصنوبر، واللهو بالطائرة الورقية لبعض الوقت وما إلى ذلك من متع قد لا يفكر بها الناس الأصحاء.

قد ينال إعجابكم