حوارات

أحمد محفوظ : نجتهد في أن يكون لرمضان نكهة خاصة

 قبل أن ندخل إلى مواضيع رمضان، فلنتحدث قليلا عن أفلام الوثائقية عن الثورات.. حيث كتبت بعض المقالات النقدية لوثائقيات الثورة التي أنتجتها القناة وكانت تتراوح بين التقييم الإيجابي والسلبي؟


مدير الجزيرة الوثائقية أحمد محفوظ

في البداية أقول لكل الجمهور، جمهور الوثائقية، كل عام وأنتم بخير، اعتادت الوثائقية دائما أن تتواصل مع جمهورها في كل فترة، واعتادت أن تذكرهم بالقيم الحاكمة التي تحكم عمليات الإنتاج والعرض على القناة. بالنسبة إلى السؤال أنا أظن أنه يحمل شقين: بالنسبة إلى الشق الأول له علاقة بنقد قناة الوثائقية في موضوع الثورات، سواء من كان من النقاد مع أو ضد، وأنا أظن أن هناك نوعان من النقد:

 نقد لموقف القناة من تغطية الثورات، والنقد الآخر هو نقد فني له علاقة بالمحتوى. النقد الفني نرحب به لأنه في آخر الأمر سيكون مفيدا بشكل أو بآخر للقناة، أما موقف من ينقد القناة حول مسألة الثورات فنحن سنقف في موقف الذي يستمع لهذا الأمر. فقد يكون فيه من الإيجابيات وقد يكون فيه من السلبيات، ولكن لا أظن أنه من الضروري أن نرد على كل نقد يقال لنا، وخصوصا إذا ما كان هذا النقد ليس نقدا فنيا ولكن كان نقدا سياسيا أو أمرا أيديولوجيا. وليس من حقنا وخاصة اليوم وبعد الثورات أن نتحكم في نقد الناس لنا أو نكون أوصياء على افكارهم ومواقفهم. فهم أحرار ونحن صدرنا رحب لتقبل نقدهم.
الشق الثاني من الإجابة يتعلق بما أنتجناه حول الثورات العربية فأقول لا يمكن أن نغفل فعلا إنسانيا مزلزلا مثل فعل الثورات، سواء كنا مع أهدافها أو كنا ضد أهدافها. فهذا الفعل يجعل كل مبدع سباقا نحو عمل فني يواكب المرحلة. والجزيرة الوثائقية لا بد أن تحظى بقدر من اسمها بأن توثق لهذا الفعل الإنساني، لأن الذي حدث هو ثورة، وهي ثورة نظن أنها فارقة في تاريخ الأمة العربية، ليس فقط على مستوى بلد معين ولكن نظن أن جميع هذه الحركات التي بعضها مازال يتطور ليصبح ثورة كاملة.
الأمر الآخر في فعل هذا التوثيق هو أننا نعتقد أن الأخبار دائما تقدم خدمة، وهي خدمة سريعة لها علاقة بالتغطية الآنية، ولكن دور الفيلم الوثائقي أبعد من ذلك. وبالتالي أتت فكرة توثيق الثورات برؤية أعمق وبرؤية تتوافق مع رؤية الجزيرة الوثائقية في أنه ليس فقط يجب أن نعرض الأمور والأحداث والشؤون الجارية ولكن أن نعرض ما هو أعمق من ذلك.

الملاحظ أن القناة شهدت تطورا كميا ونوعيا في إنتاجها بعد هذه السنوات الخمس فإلى أين وصلتم؟
أولا القناة اليوم وصلت إلى تأكيد ريادة معينة على مستوى العالم في الفيلم الوثائقي العربي، وثانيا نحن لا نستطيع أن نغفل إسهام قناة الوثائقية في دعم الوثائقيين من منتجين ومخرجين  في العالم العربي، ولا نستطيع أن نغفل أنه بعد خمس أو ست سنوات وصلنا إلى أكثر من 600 ساعة من إنتاج عربي خالص حاولت أن تلبي ما له علاقة بالمشاهد العربي في حياته اليومية، الاقتصادية والسياسية والدينية ..الخ. هذا زخم المرحلة، ونحن نظن أن هذه الخمس سنوات كانت مرحلة أولى من التثبت من الطريق ومن التثبت من الرؤية والتوجه.
هل يمكن أن نسميها مرحلة تأسيس؟
نعم هي مرحلة التأسيس، ومرحلة تهيئة البنية التحتية لثقافة الوثائقي في العالم العربي.

طيب، بعدما أسستم الآن أين أنتم ذاهبون؟
لقد قلت ذلك في المؤتمر العام للمنتجين - الذي نعقده كل عام والمصاحب لمهرجان الجزيرة للأفلام الوثائقية- إن المرحلة القادمة ستكون الانتقال بهذه التجارة أو الصناعة إلى مرحلة الاحترافية العالمية، يعني سنحاول أن ندفع بالمنتجين الذين يعملون معنا حتى يكونوا على مستوى عال من التقنيات ومستوى عال من المهنية، وهذا سينعكس على الجمهور بشكل أو بآخر، نظن أننا اليوم نستطيع أن ننقل إلى الجمهور كل ما هو جديد في هذا المضمار، أي في مضمار الفيلم الوثائقي، سواء على مستوى الاقتناء أو على مستوى الإنتاج، وكل ذلك سينعكس بالضرورة على الشاشة ومشاهديها.

الآن فلننتقل إلى ملف رمضان ونبدأ بالسؤال الكلاسيكي ما هو جديد رمضان؟
أثناء تفكيرنا في الشاشة لا نستطيع أن نغفل الظرفية التاريخية التي نحن فيها، فنراعي المتغيرات والمناسبات، ولكننا نحاول في نفس الوقت نحافظ دائما على الرؤية التي ندخل بها كل مناسبة مثل مناسبة رمضان. ورؤية الجزيرة الوثائقية الخاصة برمضان، هي استلهام روح الشهر المبارك على المستوى الثقافي ونحاول أن نكون مختلفين عن غيرنا، مثلا أنتجنا أفلاما لها علاقة ببعض الطقوس والعادات والتقاليد في رمضان لدى بعض الشعوب بحسب المجتمعات، أو الرياضات الرمضانية، وتنوع مائدة الطعام شرقا وغربا، أو سلطنا الضوء على من يصوم رمضان لأول مرة، أو على وضعيات خاصة لبعض الصائمين، مثل الطيارين والغواصين أو الذين يسافرون كثيرا أو المرضى، وهي أشياء لا علاقة لها بالجانب الديني بل بالجانب الاجتماعي والثقافي والإنساني.
هذا العام آثرنا أن تكون لنا أيضا نكهة خاصة في رمضان ووضعنا بعض الأفلام التي تتواءم مع هذا الشهر، فلدينا فيلم عن تعشيق الفن الإسلامي وجماليات الزخرفة الإسلامية.
نعم رمضان هو نفسه كل عام ولكن لا بد أن لا نتشابه نحن في إنتاجنا كل عام، ستجد الأفلام الجديدة ولكن ستجد أيضا أفلاما يعاد بثها مرة ثانية وستجد كذلك أفلاما منتقاة اشتريناها تكون موائمة لطبيعة هذا الشهر الكريم، عندنا أيضا فيلم عن الأرشيف العثماني وهو أرشيف هام جدا وعندما نعرف أن الدولة العثمانية عرفت تقريبا 400 سنة من الحكم المرتبك ارتباطا وثيقا بالتاريخ العربي.

بحديثنا عما تم الاصطلاح عليه بأفلام رمضان أريد أن أسأل سؤالا في العمق حتى تتوضح الأمور، ما الذي يحدد وثائقية الوثائقي؟ هل هي المناسبة نفسها أم هناك شيء آخر كأن تكون الصنعة الوثائقية هي التي تحدد ذلك ؟
الفيلم الوثائقي الجيد هو ما تراه اليوم وما تراه غدا وما تراه في رمضان وما تراه في شوال وفي أي وقت آخر، وبحسب وجهة نظري الفيلم الجيد هو الذي يحتفظ في داخله بقوة كامنة سرية لا تستطيع أن تفك طلاسمها بسهولة، فعندما تراه في رمضان تعجب به كثيرا وعندما تراه في وقت آخر تعجب به كثيرا أيضا وربما تسقط منه الكثير على الواقع، وهذه الخلطة هي ما يجعل هذا الفيلم جيدا، أما الفيلم الذي يرتبط بحادثة معينة فقد يكون جيدا أيضا ولكن بعد انتهاء هذه الحادثة أو تغير مجريات الأمور فيها قد لا تجده بنفس القوة التي شاهدته بها من قبل.
 ولذلك أحد المفاهيم التي نعتمدها داخل قناة الوثائقية هو أن لا نهتم بإنتاج الكثير من الأفلام المعنية بالشؤون الجارية لأنها متغيرة ولأنها ترتبط أكثر بإخواننا وزملائنا في قناة الجزيرة الإخبارية الذين عليهم أن ينتجوا في هذه الفترة فيلما وثائقيا عن الانتخابات الرئاسية في مصر مثلا، ولكن هذه الانتخابات وخلال العام القادم ستكون متغيرة في فحواها وفي أهدافها وفي أشخاصها، وهذا الفيلم ستبقى له علاقة جزئية بالتاريخ لأنه يوثق لحادثة معينة ولكنه لن يحظى بهذه الخلطة السرية أو السحرية التي تجعلك تشاهده في كل وقت بنفس الطاقة وبنفس الحماس وبنفس القوة.
بهذا فالمناسبة لا تحدد الوثائقي بل المناسبة تساهم في إنتاج الوثائقي وفي توجيهه فنقول هذه مناسبة هامة ربما نصنع عنها فيلما، ولنأخذ الثورات العربية نموذجا فقد حرصنا على أن لا تكون الثورات العربية هي محور الموضوع بمعنى أن لا تكون الحادثة الواقعة الآن هي محور موضوع الفيلم، وعندما تشاهد الأفلام الوثائقية التي ارتبطت بالثورة أو التي صنعت إبان الثورة، بل حتى الفيلم الذي كان يسمى يوميات الثورة المصرية والذي كان عبارة عن أجندة يومية لما حدث، فإنك ستجد أنه على علاقة بإعادة ترتيب الأحداث بحسب أهميتها في كل يوم، وهذه الأحداث هي ما رأينا أنها كانت مطورة أو محفزة لتتقدم الثورة بشكل أو بآخر حتى انتهت خلال الـ18 يوما. 

هل نفهم من كلامك أن بعض الأفلام الناجحة في رمضان ستعاد هذه السنة؟
بعض هذه الأفلام لم تنتج خصيصا لرمضان، فتعشيق الفن الإسلامي والأرشيف العثماني لم ينتجا لشهر رمضان وتعليم القرآن في طاجيكستان لم ينتج لرمضان خصيصا، بينما رمضان في الجزائر ورمضان في باقي البلدان هي أفلام مصنوعة لرمضان، هناك أفلام مثل حمزة ومعاني القرآن والبريد الطائر وغذاء الروح ليست لها علاقة برمضان، الفيلم الجيد هو الذي يفرض نفسه حتى وإن تم بثه في رمضان.
وأريد هنا أن أضيف معلومة أخرى قد تكون مهمة من وجهة نظري: سياق العرض يضفي على الفيلم الذي يعرض نوعا من المعنى أو نوعا من الاتجاه في المعنى، يعني هذا أنني إذا عرضت فيلما ما في رمضان فإن الجو الرمضاني أو الحدث أو سياق العرض في رمضان سيضفي جوا خاصا على الفيلم، وإذا عرضت هذا الفيلم خلال حادثة أخرى لها علاقة مثلا بذكرى حرب غزة فسيعطي ذلك بعدا آخر للفيلم، وإذا عرضت الفيلم خلال حدث آخر قد لا يكون جللا مثل كأس العالم أو الأولمبياد فإنه سيأخذ أيضا بعدا مختلفا بينما الفيلم لم يتغير، وهذه نقطة أردت أن أضيفها.

السؤال قبل الأخير: ما هي المشاريع الكبرى أو المشاريع القادمة التي ستحدث هذه السنة والتي يمكن أن يعرفها الجمهور؟
نحن نعمل الآن على بعض المشاريع التي نرى أنها ستكون جيدة أو مهمة أو متميزة في العام القادم لعل أهمها أن هناك محاولة لإنتاج سلسلة حلقات عن الحروب الصليبية، وهذه الحروب الصليبية ستكون الأولى من نوعها على مستوى العالم ولأول مرة تنتج سلسلة وثائقية عن الحروب الصليبية من وجهة نظر عربية، وبوجهة نظر عربية لأن كل الوثائقيات حول الحروب الصليبية كانت من وجهة نظر غربية.
والسلسلة الأخرى التي بدأت بوادر انتهائها هي سلسلة المسرح العربي، وهي سلسلة تعنى بتاريخ المسرح العربي على مستوى العالم العربي وايضا سلسلة أخرى تحت الإعداد عن تاريخ الصحافة العربية، وسلسلة عن الكشافة العربية وسلسلة أخرى عن الطلبة والسياسة وتاريخ الحركات الطلابية وكيف أسهمت في الذود عن قيم المجتمع وقيم العدالة والحرية. والسلسلة الأخرى عن العمال والسياسة وهي تحكي عن الحركة العمالية

أخيرا هل من كلمة للجمهور؟
الجمهور هو الزاوية الثالثة والثابتة من زوايا المثلث، فإذا كان هناك المنتج وهناك المبدع فالجمهور هو الزاوية الثالثة، ولكن من وجهة نظري هو الزاوية الأهم لأن المنتج والمبدع يعملان لتقديم أعمالهما لهذا الجمهور، وما أطلبه من جمهورنا الآن هو فتح قنوات للتواصل بشكل أكبر من خلال موقعنا ومن خلال مراسلة القناة ومن خلال أيضا الأبحاث التي نجريها والتي بدأنا بها بشكل متواتر ودوري على المستوى العربي وذلك حتى نتمكن من تقييم آدائنا معه ونستجيب أكثر لأولوياته.
كلماتي للجمهور أنك أنت الآن مشارك في صنع حكامك فما بالك بصنع الأفلام وصنع الميديا والإعلام، أنت مشارك بشكل كبير، وأقول له نسأل الله أن نكون عند حسن ظنك، ونسأل الله أن نقدم لك ما يعينك على فهم طلاسم هذا الواقع الذي نعيش فيه وعلى تفكيك مفردات التاريخ، فقراءتها في بعض الأحيان هي المنارة التي نرى بها الطريق أو نتحسس بها طريقا أفضل.   

قد ينال إعجابكم