متابعات

"أنا مرتزق أبيض" وأفلام خسرتها جوائز المهرجانات

يقول الناقد سمير فريد إن هناك أفلام تحتاج إلى المهرجانات وأفلام أخرى تحتاج إليها المهرجانات كي تكتسب اهميتها, ونستطيع أن نضيف إن هناك افلاما تخسر الجوائز وافلاما اخرى تخسرها الجوائز حيث كما يشرف الفيلم بالجائزة تشرف الجائزة بأنها ممنوحة لفيلم جيد. ويمكن أن نلمس هذا في عدد من الأفلام الوثائقية التي عرضت ضمن فعاليات مهرجان الأسماعيلية في دورته الخامسة عشرة حيث ضم البرنامج أكثر من فيلم جيد كسب المهرجان بعرضه واعتبرت دورته مميزة بسببه ولكن خسرتهم جوائز المهرجان ولم يخسروها.
من هذه الأفلام الفيلم العراقي "أنا مرتزق أبيض" للمخرج طه كريمي, وفيلم"ايطاليا أحبها أو غادرها" للمخرجين"جوستاف هوفر" و"لوكا راجزا "وكلا الفيلمين عرضا ضمن مسابقة الأفلام التسجيلية الطويلة.

شندلر الكردي
"انا مرتزق أبيض" تجربة المخرج طه كريمي تنتمي إلى التسجيلية الشعرية رغم ظاهرها السياسي حيث يعتبر الفيلم من أنضج التجارب التي تناولت الهولوكوست الكردي الشهير المعروف بعملية الأنفال العسكرية التي قادها نظام صدام حسين عام 88 على اقليم كردستان وراح ضحيتها 182000 كردي.
نحن أمام محاكمة شعرية ذاتية يقوم بها أحد الجنرالات الأكراد "سعيد جاف" الذي تعاون مع نظام البعث خلال عملية الأنفال حيث أنه متهم بالاشتراك في القتل قبل ثلاثة وعشرين عاما ولا يزال يعاني إلى الأن من الآثار النفسية والذهنية المدمرة لهذا التعاون الذي لا ندري هل كان بإرادته أم أكره عليه.
التعبير المستخدم في العنوان"مرتزق أبيض" له دلالة شعرية هامة ويعني بها أنه وإن كان قد  قام بالتعاون مع البعث لكنه لم يلطخ يده بالدم, كأن نقول"ثورة بيضاء", اي لم تسل دماء بسببها.
ان الجنرال الكردي يعترف بكونه مرتزق وهي مهنة دونية حيث لم يقل "جندي ابيض" أو جنرال على سبيل المثال ولكنه اعتبر نفسه اقرب للمرتزقة الذين يعملون من أجل المال وهو نوع من جلد الذات, لانه كما يعترف في الفيلم لم يقم بهذا من أجل المال ولكن في محاولة منه لإنقاذ بعض الأرواح من عنف ودموية الأنفال. وذهب في تشبيه نفسه بشخصية شندلر الألمانية الشهيرة التي قيل انها حمت بعض الأسر اليهودية من بطش النازي, فهو لم يقتل أحدا ومن هنا اعتبر نفسه (أبيض) اي ليس ملوثا بدماء قتلى الأنفال.
يقوم الفيلم على غياب التعليق الصوتي وكسر الأيهام الحاد بوجود بطل الفيلم راويا وشارحا ومستضيفا للشخصيات التي تُجرى معها اللقاءات وهم من الناجين من الأنفال والذين فقدوا أسرهم وأقاربهم قبل سنوات بل وساهم سعيد جاف نفسه في تهريبهم وفكرة كسر الإيهام هي جزء من دفاع سعيد عن نفسه فنحن نراه وهو يسأل الشخصيات عما فعله معهم وقت الحرب ولا نرى الشخصيات مباشرة تتحدث عما فعله أي يؤكد على فكرة المحاكمة والشهادة إخراجيا.
ولا يكتفي الفيلم بهذا الخط الأحادي للدفاع عن سعيد جاف ولكنه يقدم أيضا ممثل الادعاء أو الخصم دراميا والصوت المضاد للبطل وهو أحد الأشخاص الذين يتهمون سعيد جاف بأنه متواطئ مع نظام البعث ومذنب في عملية الانفال وأنه لم يكن ابيض في الاطلاق.

 الموتى يحاكمون الأحياء


يقوم الجنرال الأبيض بعملية توثيق غريبة للشهداء وقتلى الانفال عن طريق جمع صورهم ووضعها في اطارت خشبية وكتابة عام الوفاة فوقها, والموتي في الفيلم اكثر حضورا من الاحياء بل وأكثر حركة منهم فثمة شعور بأن أحدا لم يبق في هذه القرية الكردية الفقيرة سوى بعض الناجين والخراف العجفاء والطيور البعيدة, إنها أشبه بقرية تعيش عقب نهاية العالم, ونحن نرى أهل القرى في اوضاع ثابتة امام الكاميرا يتحدثون لنا وينفون التهمة عن سعيد جاف بينما نرى الموتى يتحركون من خلال الصور الفوتغرافية المثبتة فوق الأطر الخشبية والتي يجوب بها الجنرال النادم أرض كردستان كأنه يستدعيهم أو يبعثهم ويشهدهم على الحاضر الجاف -المتمثل في واقع فقير وصحراوي كأنه لا يجد من يعمره- ويثبت للجميع أنه يحمل ذكراهم معه بل وشعوره بالذنب لأنه لم ينقذهم كما أنقذ غيرهم.
يقوم بعض الاشخاص بالفيلم بتلاوة أسماء الموتى من أقاربهم وذويهم وذلك في مشاهد تتقاطع بشكل سردي جيد مع المشاهد التي يلتقي فيها الجنرال مع أحد من الناجين ممن أنقذهم وكأن المخرج يريد أن يقول إنه في مقابل كل روح أنقذت ثمة عشرات الأرواح التي أزهقت.
ويتكرر هذا التقاطع السردي مع مشاهد الخصم الذي يتم الجنرال بالتواطئ وتسهيل عمليات القتل الجماعي حيث نرى الخصم في لقطة عامة واسعة وخلفه صفوف من شواهد القبور دلالة على أنه يمثل صوت الموتى أيضا واتهامهم للجنرال.
وتتكرر تيمة محاكمة الموتى للأحياء في المشاهد الأخيرة عندما يقف الجنرال في تكوين تخيلي خلف حواجز سور المقابر الحديدية كأنه في قفص اتهام وأمامه في الطرف الآخر يقف من أنقذهم ليشهدوا على براءته ولكن هذا المشهد "الكافكاوي" يصور بالكامل في المقابر حيث الموتى شهود وقضاة في نفس الوقت.

البكاء على الأطلال
وبتغييب صوت المعلق يعتمد المخرج في إطار التسجيلية الشعرية على الاستعارة والرمز فإلى جانب حركة صور الموتى فوق الموتوسيكل الخاص بالجنرال والذي يجوب به البلاد ثمة لقطات لأعشاش الطيور التي تسكن ابراج الكهرباء العالية والتي نراها ممتلئة دلالة السكون والسلام عند الحديث عن الوضع قبل الأنفال ثم خالية عند الوصول لرواية المذابح.
ويستعير المخرج تيمة البكاء على الأطلال وهي أحد أشهر تيمات الشعر العربي ليجعل الجنرال يقف كثيرا في تكوينات واضحة أمام وفوق أطلال القرى التي تحوي رفات من ذبحوا وقتلوا وهو في حالة من التحسر وجلد الذات, وفي نفس الوقت ومعبرا عن واقعه المعذب الذي يطارده ماض غامض واتهام خطير.
ويعتمد المخرج على الكاميرا الثابتة استلهاما لكادرات الصور الفوتغرافية التي نراها مجسدة في الصور التي يجمعها الجنرال للموتى, والصور الأخرى التي يحرص على التقاطها كتذكار مع الأحياء والناجين, والكادرات الثابتة في الفيلم هي نوع من اتساق الشكل مع المضمون فهو فيلم عن ألبومات الذكريات التي تحمل قسوة الماضي وذنوبه وعن واقع راكد وثابت وغير متطور.
ولا تتحرك الكاميرا تقريبا في الفيلم ولكن الكادر يتحرك, مثل المشاهد المصورة من فوق الدراجة البخارية الخاصة بالجنرال, ويحرص المخرج على صناعة تكوينات ذات عمق دلالي وشعوري تاركا الصورة تشرح وتعلق وتشير دون وجود ذلك الصوت العلوي اليقيني الذي يمثله التعليق الصوتي, او حتى صوت الجنرال من خارج الكادر, كي لا يؤثر على المتلقى ويظل متشككا في ماضيه.

بأي ذنب قتلوا؟
ويقتصد المخرج في استخدام الموسيقى كي لا يقع في جيب ميلودرامي فالغرض ليس البكاء على أرواح من ماتوا في الأنفال ولكن الفيلم يخرج من الخاص للعام عبر طرح السؤال الوجودي الأهم عن ضحايا الحروب والأنطمة القمعية(بأي ذنب قتلوا؟؟)
ولهذا يترك المخرج مساحة التأثير المطلوبة صوتيا للأصوات الطبيعية خاصة صوت الرياح التي تصفر فوق الأطلال الخربة (عودة للمخيلة الشعرية العربية), كما أنه يحافظ على وحدة الشخصية البصرية لفيلمه باستخدامه اللقطات الأرشيفية عبر شاشة التليفزيون الموجودة في منزل الجنرال سعيد جاف حيث نراه يشاهد لقطات أرشيفية لمجد صدام وجبروته وقت حملة الأنفال, وكأنه يعذب نفسه بالماضي او يبرر لذاته قبول التعاون او -وايضا- تصوير البيئة التاريخية للعملية العسكرية دون اللجوء للفلاش باك الصريح مونتاجيا حفاظا على الهوية الشعرية للفيلم ولا ننس أنه يشاهد هذه اللقطات اثناء عمليات تأطير صور الشهداء ودمغها بتاريخ الوفاة.
لقد استطاع المخرج عبر هذه الوحدة البصرية الخروج من حيز التجربة الخاصة والماضي الذاتي إلى افق العموم الانساني للتاكيد على كراهية الحرب ومدى فداحتها وقسوتها الغير مبررة في قتل البشر الأبرياء.

قد ينال إعجابكم