متابعات

"تانيا هيد": المرأة المزيفة

 عاشت احداث الحادي من عشر من سبتمبر دون ان تعشها وخدعت العالم كله!!!!

طاهر علوان

لم تنقطع الوثيقة السينمائية عن مرافقة الحدث الأضخم منذ الحرب العالمية الثانية وظلت وفية لمتطلبات الحشد والشحن الأعلامي في مواكبته وهو احداث الحادي عشر من ايلول سبتمبر التي كانت وماتزال ركنا مهما من اركان الذاكرة الجمعية للمجتمع الأمريكي وقسما كبيرا من الرأي العام العالمي حتى اشيعت في اطار تلك الحملات السياسية والتغطيات الأعلامية عبارة عالم مابعد ذلك الحدث وعالم ماقبله في اطار الحرب على من يسمون اولئك الأشرار الذين يستهدفون الحلم الأمريكي ...ومع القصص والأفلام والمؤتمرات المصدقة والمكذبة على السواء في تصميم واخراج الموضوع ومدى عقلانيته وواقعيته ومطابقته للحقائق العلمية والهندسية فقد كانت هنالك مابين ذلك قصص تراجيكوميدية ومنها قصة تلك الفتاة الأسبانية ذائعة الصيت  "اليسيا ايستيف هيد" التي عرفت  في طول الولايات المتحدة وعرضها على انها ايقونة ضحايا  جريمة الحادي عشر من سبتمبر والصوت الأقوى من بين الناجين والتي شكلت قصتها اختصارا لقصص العشرات من الناجين من تفجير وانهيار البرجين .


                                          تانيا هيد

هذا الفيلم الوثائقي الذي حمل عنوان
Tania Head :the 9/11 faker
يحكي فصولا مثيرة من تلك القصة ، "تانيا هيد" هو الأسم الأمريكي لتلك الفتاة والفيلم من اخراج جيمس بلوميل ويعد واحدا من اجمل الأفلام التي واكبت تألق تانيا هيد وانطفائها ، الفتاة القصيرة والبدينة التي يبدأ الفيلم معها وينتهي بها وهي تحشد المجتمع الأمريكي كله للتعاطف مع اسر الضحايا وتأطير حياة الناجين من الواقعة والذين ماانفكوا وهم  يعانون من مشكلات نفسية واجتماعية وتداعيات خطيرة من جراء الصدمة وهول ماجرى.
"جيري بوكاد" و "كاري كوين سيلفيا" و "سينثيا شيفيرد" ليسوا الا نماذج من الشخصيات التي شاءت الأقدار ان تنجو بأعجوبة من الموت ولكل قصته في كيفية خروجه من المبنى سالما او انه غادر في الدقائق الأخيرة قبل الأنفجار المهول وانهيار المبنيين مثل هيكلين كارتونيين او مبنيين من الرمل .
كل من الناجين شارك تانيا هيد رواياتها المؤثرة وصدق بها واشاعها وساندها لأن ميزة تلك الروايات  انها جمعت اركان الوقائع  المؤثرة كلها ، فأذا كان لكل واحد من الناجين قصة منفردة فأن لتانيا القصص كلها : انها كانت في مركز التجارة العالمي تعمل في احدى الشركات المالية ساعة وقع الأنفجار وانها تعرضت الى اصابات شديدة واحترقت ذراعها بالكامل وان شريكها وزوجها المستقبلي كان يعمل في البرج المقابل وقتل هناك فيما كانت وهي تنازع الموت تحت الركام تسترجع خيالاتها وهي مرتدية بدلة العرس وسط الأحتفال بزواجها ، هذه القصص المأساوية التي ماانفكت ترويها تانيا ادمت قلوب المجتمع الأمريكي واوجعتهم لواقعيتها ودقة تفاصيلها وفرادتها وانسانيتها ولم يكن من احد يخالطه ادنى شك ولو واحد من المئة في صدقيتها بل ان روايات تانيا هي من افضل الوصف لمجريات الواقعة وتفاصيلها الدقيقة ومشاهد الضحايا من زملائها من حولها .
يتابع الفيلم هذه الواقعة من زواياها المتعددة ويرافق تانيا وهي تكتب يومياتها وتروي ذكرياتها  في مشاهد مؤثرة متتابعة .
بعد عامين من احداث سبتمبر كان الناجون مازالوا يعانون كوابيس تلك الواقعة الأليمة ومضاعفاتها عندما قررت تانيا وبضعة نفر من الناجين تشكيل جمعية لهؤلاء سرعان ماتجد اصداءها الواسعة وينضم اليها قرابة 500 شخص من الناجين ثم لتنتخب هي  بالأجماع رئيسة لتلك الجمعية ويذيع صيتها في طول الولايات المتحدة وعرضها وتحتشد الماكنة الأعلامية الجبارة للترويج لها باعتبارها ايقونة الناجين وانها علامة من علامات  الضمير الأمريكي الحي.

تروي تانيا انها كانت تعمل في الطابق 78 من المبني قبل انهياره وذلك معناه انها كانت بصحبة 17 شخصا من الناجين الذين كانوا يعملون في نفس الطابق.
تقول في احدى رواياتها المؤثرة لما جرى :
" لقد دفعتني قوة ما هائلة ان انهض وانتشل نفسي من وسط الحطام والنار ، وماكانت تلك الا القوة الروحية لشريكي فيما كان هو في طريقه الى الجنة ".
يظهر الفيلم جوانب مهمة من نشاطات تانيا للفت نظر الرأي العام للموضوع الفاجع ، بل انها بحسب رواية زملائها كانت تدفع للجمعية من جيبها لتسيير نشاطاتها وكان هذا يثير الدهشة في اخلاص تلك المرأة لقضيتها ثم لتجد الدعم الكافي من لدن السلطات فضلا عن التبرعات مما ساعد في ارتقاء الجمعية الى مستويات من الأداء اكبر واكبر ثم لتنشيء مركزا لعلاج الناجين جسديا ونفسيا.
تقول تانيا بحضور عمدة نيويورك الأشهر جولياني وطاقم من كبار المسؤولين :" لقد نظرت من حولي وشعرت وكأنني في فيلم رعب ، الموتى فوق بعضهم البعض ، رائحة الجلد المحترق تنتشر في المكان ، وسط هذا الهول كنت افكر في شريكي وذكريات الزواج وتخيلت نفسي وانا ارتدي ثوب العرس واقسم بالأخلاص له".
من وجهة النظر النفسية يروي الطبيب سيبيرت المتخصص في المعالجة النفسية للناجين من الواقعة ان تانيا تمثل النموذج الفريد للناجين فهي واجهت احداثا مروعة وشارفت على الموت وهي تعيش مأساة فقد زوجها المستقبلي وهي مازالت تحمل جراحات ماجرى ولكنها انسانة قاومت كل ذلك ونجحت في ان تكون نموذجا فريد واستثنائيا في كل جانب من جوانب قصتها .
في الذكرى الثانية لأحداث سبتمبر تقرر تانيا انشاء ورشة عمل لكتابة مذكرات ومشاعر الناجين وكانت هي في صدارة من كانوا يبثون قصصهم المأساوية  ...تقول :" لقد فقدت نصفي الثاني ، اني اشعر بخسارة فادحة ...شريك حياتي وها انني اكتب له وهو لايرد علي ".
ويعلق الجميع من شركاء في الحدث وصحافيين واعلاميين ومجتمع مدني ان تانيا كانت الشخص الأكثر معاناة والأكثر تعبيرا عن معاناة الناجين من موت محقق .
يقول عدد من زملائها انها كانت تتجنب الجلوس والحديث بشكل مباشر مع الناجين من نفس الطابق الذي كانت فيه ساعة وقع الحدث الجلل ويقول آخرون انها تتجنب الأفصاح عن تفاصيل تتعلق بشريكها او خطيبها فلا اسمه العائلي واضح ولا هي نشرت صورته كما انها تارة تسميه شريكي وتارة زوجي وتارة صديقي وكان الجميع يجد لها العذر فهي امرأة مصدومة ومشوشة من هول ماجرى .
لكن صحفيا في نيويورك تايمز مازال حيا يرزق كان قد التقى جميع الناجين من الواقعة وذلك في شهر ايار مايو 2002 وبدافع الفضول الصحفي عاد الى اسماء جميع من التقاهم ولكنه لم يجد اسم " تانيا " قط من بين الناجين .
عندها وبدافع الفضول الصحافي ايضا يبدأ في استجواب عدد من الناجين ويخبرهم ان استجوابه شخصي وبتكتم شديد وفيه مزيد من الأسئلة عن شخصية تانيا هيد : منذ متى تعرفها ، هل شاهدت صورة لزوجها ، هل تعرفه، كم من الزمن عملت مع تانيا في ذلك الطابق الى ماهنالك من اسئلة .
في السابع من شهر ايلول من العام الماضي 2011 يكتمل عمل ذلك الصحفي في التحري عن تانيا وشخصها وتاريخها لتعلن صحيفة نيويورك تايمز مايشبه الصدمة للرأي العام ان "تانيا هيد " ليست الا شخصية كاذبة ومزيفة ولا اساس لها وانها مجرد امرأة فائقة الذكاء والشيطنة استطاعت بمهارة خداع الملايين في الولايات المتحدة بمن فيهم ساسة كبار واجهزة احترافية عالية المستوى .

شكل ذلك صدمة كبيرة للجميع ثم لتمضي التحريات الى ماهو ابعد من ذلك : ان تانيا ليست مواطنة امريكية اصلا بل اسبانية وان اسمها ليس تانيا هيد بل "اليسيا ايستيف هيد" وانها لم تكن قط موجودة في الولايات المتحدة لا في يوم ولا في شهر ولا حتى في عام وقوع احداث الحادي عشر من سبتمبر بل كانت مجرد طالبة في قسم ادارة الأعمال في برشلونة .
وماتلبث الصحافة الأسبانية ان تلتقط القصة وينشر الصحافي الأسباني زافي كاسكسا معلومات صادمة اخرى ان هذه الفتاة هي سليلة اسرة من المحتالين فوالدها وشقيقها يقبعان في السجن وذلك لأرتكابهما اعمال احتيال واختلاس بملايين الدولارات ادت بهم الى السجن .
في هذه الأثناء تكون تانيا قد استقلت الطائرة هاربة من موقع الحدث ومن الملاحقة القضائية لينتهي بها المطاف الى جهة غير معلومة وليتلقى من كانوا معجبين بها يوما رسالة نصية قصيرة مفادها ان تانيا قد انتحرت فعلا ......لكن من دون دليل مؤكد ما دفع الكثيرين الى القول ربما كان هذا فصل اخر من فصول قصة الخداع الطويلة التي اتقنتها تانيا هيد وصدقها المجتمع الأمريكي بأسره بفضل الأعلام الذي روج لها واقنع الجميع بقصتها المزيفة جملة وتفصيلا في حملة تلفيق فريدة من نوعها في مايشبه الدراما الترجيكوميدية .

قد ينال إعجابكم