متابعات

كريستيان لوبرا: التجليات السينمائية المُباشرة

 حوار : رافائيل باسان
ترجمة : صلاح سرميني

من بين السينمائييّن الفرنسيين الخمسة الذين تحاورتُ معهم،  يمكن إعتبار أعمال "كريستيان لوبرا" المُتعلقة بالتجريد في السينما هي الأكثر راديكاليةً، وصفاءً، ومع ذلك، لا يعتبر هذه المُمارسة الفنية هدفاً بحدّ ذاته، ويلتحق أيضاً، ومن خلال مساراتٍ أخرى، بالمُمارسات المُتعددة المعاني لزملائه، ويصل عن طريق تعليق حركة الأشكال ـ المُتجانسة مهما قلنا عنها ـ كما تمنح نفسها للمُشاهدة، والقراءة في الأفلام البنيوية، الأمريكية بشكلٍ خاص، إلى تكثيف اللونيات، وجماليةً ترفع من قيمة التجريد.
يمكن القول بأنه، من خلال العودةٍ إلى التفكير بالرسم الذي كان واحداً من هواياته الأولى، يؤسّس الفنان الأداء السينمائي المُباشر المُعنون بـ Ultra والذي يتجسّد على شكل تنظيماتٍ مكانية/زمانية تفحص من جديد، وبطريقةٍ مختلفة، الآلة نفسها التي تُنتج التجريد.

 ـ أرغب بأن تعود إلى مفهوم سينما "ما بعد البنيوية" كما نظرتَ له في نصّك الذي كتبته في عام 1979، واليوم بعد ثلاثين عاماً، هل مازلتَ تجده وثيق الصلة دائماً بالموضوع ؟

ـ وقتذاك، كتبتُ ذاك النصّ للردّ على نوعٍ كسولٍ في النقد السينمائيّ الفرنسي، إكتفى بتشبيه أعمالي، وتلك الخاصة بفريقٍ من السينمائيين من نفس الجيل، بالسينما "البنيوية" تلك التي أطلقها "ب. آدامز سيتني" على مجموعة أفلامٍ من السبعينيّات، أمريكية بشكلٍ خاص، صحيحٌ بأننا أُعجبنا بأعمالهم، ولكن، لم يكن لدينا أيّ رغبةٍ في تقليدها، حيث كنا نبحث عن طريقنا المُتفرد، وقد مرّ هذا الأمر، وبشكلٍ ما، معكوساً، وذلك برفض مناهجهم، وإكتشاف طرائق جديدة للعمل مستوحاة أكثر من "نشاط" الفيلسوف الفرنسي "جان فرانسوا ليوتار" عن "بنيوية" ب. آدامز سيتني.
يبدو لي، بأن التباينات التي أظهرتُها بوضوح في ذلك النصّ صالحة دائماً لأفلام تلك الفترة، بمعنى، تفعيل عمليةٍ تتجسدُ في أشكالٍ كحال التشابك، التحوّلات، الإنفجار : كرةٌ من النار تدور حول نفسها، زوبعة، وأيضاً، وهذه لازمةٌ دائمة، بدون قصة، ولا أيّ قصة، ولا حتى تلك الخاصة بالسياق نفسه كما مارسه السينمائيون "البنيويون".
أنظمةٌ تتقدم، أشكالٌ في حالة حركةٍ مستمرة تتوالد تلقائياً، ومنها جاء عنوان واحداً من أفلاميHolon ، ويعني  تشابك الأنظمة، نظامٌ من نظامٍ من نظامٍ، وهكذا....


                          كريستيان لوبرا

أضيف بأنني كتبتُ ذاك النصّ أيضاً من أجل توضيح أفكاري، ولم يُنشر إلاّ بعد فترة طويلة، أيّ عام 1997 في مجموعتي "بين الصور".

ـ أعمالكَ، كما حال أعمال السينمائييّن الآخرين المُعاصرين من هذا الفريق، تتأرجح بين جمالياتٍ، و/أو مدارس متعددة، ومع ذلك، Trama  و Holon هما أكثر فيلمين يقتربان من نسخةٍ "تجريدية" في السينما، أليس كذلك ؟

ـ لا أعتقد بأنّ أعمالي تتأرجح بين جمالياتٍ، أو مدارس متعددة كما تقول، لا يوجد أيّ تهجينٍ فيها، ولكن، بالعكس، هناك، من طرفٍ، رغبة برسم خطاً مستقيماً، وحفر أخدوداً، ومن طرفٍ آخر، الإقدام على توظيف السينما، والسينما وحدها، إلى أقصى حدٍ من كثافتها، نوعٌ من ضرورة البحث عن الصفاء، هي أيضاً، تجربةٌ أثرّت جوهرياً في خطواتي نحو التجريد : يتعلق الأمر بإكتشافي، في منتصف السبعينيات، لوحات كبيرة من ألوان التعبيريين التجريديين الأمريكان، وخاصةً رسومات "روتكو"، ومن المُؤكد بأنني، وبطريقةٍ لا واعية من طرفي، بحثتُ في السينما عن وسيلةٍ لإعادة إنتاج ذاك الإحساس"المُتألق" الذي أصابني أمام تلك الرسومات.
بالنسبة لـ Trama  و Holon(ولكن، سابقاً، يعود تاريخ المحاولة الأولى إلى عام 1977 مع الأداء المُباشر عن طريق جهازيّ عرض لفيلم LIMINAL MINIMAL ) يتجسد التحدي الذي واجهته برفض أيّ صورة شكلانية تُظهر أشخاصاً، وإستخدام الألوان فقط، لقد كان بالفعل تحدياً مجنوناً.
في Trama كما يُشير العنوان، الألوان موضوعة في شريطٍ عمودي، تنتقل فيما بينها بسرعاتٍ كبيرة، وقد تمّ إنجاز الفيلم صورةً صورة.
في Holon تُضاف الألوان يدوياً بمُساعدة شرائط مثقوبة الجوانب تتحرك أفقياً أمام العدسة : ينجم الفيلم بطريقةٍ مرتجلة عن طريق عدد من الأيدي، حصيلة طبقات لونية تتموضع فوق بعضها، وتتقاطع، الفيلمان مختلفان تماماً، ولكن، ينجمان من نفس الإنشغالات السينمائية : محاولة الهروب من الشكل عن طريق اللون، وبناء أفلاماً تتكوّن بكاملها في ذهن المتفرج، تأثيراتٌ بصرية، وإرتجاجاتٌ لا تعمل إلا عندما تنشط عن طريق عقل المتفرج.
بشكلٍ ما، هي أفلامٌ "واقعية محددة" تماماً، نبضات كلّ واحد منا.....

ـ هل تفضل أفلاماً مثل تلك التي أشرتَ إليها أعلاه ؟ أم سوف تتوجه نحو أداءاتٍ، أو تجلياتٍ مباشرة كحال Ultra الذي قدمته عام 2006 في "غاليري الفيلم" ؟.

ـ بعد Holon الذي أنهيته في عام 1982، كان لديّ عدداً من مشاريع الأفلام مع شرائط مثقوبة من كلّ الأنواع، ولكن، بسبب نقص الإمكانيات من جهةٍ، وخشية بأن لا أُكرر نفسي أيضاً، فقد تناسيتُ تلك المشاريع، آنذاك إنتابني إحساسٌ بأنني وصلت إلى الحدّ الأقصى فيما يتعلق باللون...، وهكذا مرّ الوقت، وأنجزت أشياء أخرى، ومنها، بشكلٍ خاص، أفلاماً تنتمي لشريانٍ آخر من عملي، أكثر مفاهيميةً، وحكائية (Le Moteur de l’action في عام 1985، و Out of (K)nowhere : فيلم لآن برات في عام 2006).
لم يكن الأداء السينمائي المُسمّى Ultra مُبرمجاً في مسيرتي،  ولكني تعودت على تجلياتٍ مع جهازيّ عرض، أمارسها منذ عام 1977، وعندما منحني "غاليري الفيلم" فرصة تقديم عملاً جديداً ، فرض Ultra نفسه كدليل : الرسم مباشرةً على الشريط الحساس خلال زمن العرض، ومواجهة الألوان الضوئية الناتجة عن طريق العرض الضوئي مع الألوان الفيزيائية المُسجلة مباشرةً على الدعامة الفيلمية للشريط نفسه.

لقد تمّ إنجاز Ultra بالرسم لحظياً على لفافتيّن تُعرضان بتزامنٍ مختلف الواحد عن الآخر، يتكوّن كلّ واحد من أجزاء لم تُستخدم من فيلم Holon، وشرائط شفافة، ويعتبر كلّ عرض مباشر لـ Ultra عملاً متفرداً بحدّ ذاته، ويمكن تقديم اللفائف المرسومة كنتيجة للعرض المباشر من جهةٍ، وعملاً فنياً من جهةٍ أخرى.
يُسجل Ultra مع Out of (K)nowhere المُشار إليه أعلاه عودتي إلى السينما بعد إستراحةٍ دامت 15 سنة، خلالها إنشغلت تماماً بالتصوير الفوتوغرافي.
اليوم، لا أمنع نفسي عن أيّ إكتشاف، أو تجربة جديدة، ومن المُحتمل أيضاَ بأن أنجز الفيلم القادم عن طريق الفيديو.
نُشر الحوار لأول مرة في عام 2006.

هوامش المُترجم :
Raphaël Bassan
وُلد "رافائيل باسان" عام 1948 في بلغاريا، وهو مخرجٌ، وناقدٌ سينمائيٌّ فرنسيّ، متخصصٌ في السينما التجريبية.
في البداية، توجهت إهتماماته نحو مسيرة أدبية، حيث أصدر مع "هوبير حداد" عام 1970 مجلة متخصصة بالشعر (Point d'être)، بينما أخرج أول أفلامه القصيرة في عام 1969.
"جان بول بورر"، وكان واحداً من أعضاء المجلة الشعرية، إستعاد ذكريات تلك السنوات في صفحات سيرته الذاتية (محاربو الحلم)، وأشار إلى "رافائيل باسان" بصفته شاعراً، وسينمائياً.
منذ ذلك الحين، بدأ "رافائيل باسان"  يكرسّ نشاطه للكتابة عن السينما بشكلٍ عام، والتجريبية خاصةً، تلك التي كان يتجاهلها معظم زملائه، وكتب مقالاته السينمائية في صحفٍ، ومجلاتٍ متعددة، وأصبح صحفياً محترفاً.
من جهةٍ أخرى، يعتبر واحداً من المجموعة التي أسّست في عام 1971 تعاونية التوزيع المُستقلة المُسمّاة "جماعة السينما الشابة" التي تُواصل نشاطها حتى اليوم.
خلال الفترة 2000-2010 تعاون "رافائيل باسان" كناقد سينمائي مع مجلاتٍ أخرى، ومواقع فرنسية، وأوسترالية متخصصة، وشارك في تحرير بعض المقالات في "الأنسكلوبيديا العالمية"(من موقع ويكيبيديا).

قد ينال إعجابكم