متابعات

عن يهود مصر.. وثائقى لفريق من شباب المبدعين

مصريون شاركوا فى الحركة الوطنية تصادف أنهم يهود

صفاء الليثى

عن الخروج الثانى لليهود من مصر.. كدت أشحذ سكاكينى النقدية عن الفيلم الذى اختار فقط شريحة من يهود مصر فى النصف الأول من القرن العشرين، أعادنى العنوان المجهل الخالى من أدوات التعريف – الألف واللام – لأدرك أن صناع الفيلم واعون تماما أن فيلمهم عن يهود مصريين وليس عن كل يهود مصر . ركز أميررمسيس فى عمله الوثائقى الذى جاوز 96 ق على عدد من مثقفى اليهود فى مصر، جلهم من اليسار الذى شارك بتأسيس الأحزاب الشيوعية وشارك فى حركة التحرر الوطنى فى مصر وفى الجزائر أيضا، مع سرد الفيلم لمشوار هنرى كوريل الذى احتلت سيرته جانبا كبيرا من الفيلم انتقده كثير من الحضور فى ندوة تلت عرض الفيلم فى إطار بانوراما الفيلم الأوربى بالقاهرة، وامتدحه آخرون وجدوا به معلومات وفيرة لم تكن معروفة لهم من قبل. جهد بحثى واضح قام به المخرج مع مصطفى يوسف الذى ساعده أيضا بالإخراج، وتميز المونتاج  الذى قام به المخرج مع منتج العمل السيناريست هيثم الخميسى. تزامل أمير وهيثم بمعهد السينما وظلا يفكران  بهذا العمل على مدى 15 عاما، . كون الفيلم يعرض بعد وصول الإخوان لحكم مصر يثير التساؤل عن إدانتهم فى الفيلم بالاعتداء على حارة اليهود وحرقهم لبعض منازل وممتلكات اليهود فى مصر يؤكد هيثم أنهما بدآ  تنفيذ الفيلم عام 2009 قبل ثورة 25 يناير وقبل التغييرات السياسية بعدها.
 المقاربة مع ما يحدث مع مسيحى مصر الآن فى رفح وبعض قرى الصعيد أطلق حس الفكاهة لدى المخرج الذى قال فى الندوة أننا قدمنا فى الخمسينيات فيلم " حسن ومرقص وكوهين، وفى الألفية الثانية فيلم " حسن ومرقص" وأخشى أننا بعد عدة سنوات سنقدم حسن وبس – فقط-، دعابة مريرة أكدها سؤال مسيحية مصرية حضرت العرض وسألت صناع الفيلم فى الندوة هل سيأتى اليوم الذى تقدمون فيه فيلما يدعو إلى عودة المسيحيين إلى مصر بعد أن يكونوا قد أجبروا على تركها. ارتفعت صيحات الاستنكار رافضة هذه النظرة السلبية وقال جون حكيم مصور الفيلم أنه صور يهودا فى أكثر من عمل وكان يسأل نفسه كمسيحى مصرى هل سيأتى اليوم الذى أصور مع أهلى الذين تركوا مصر مطرودين؟، وأعود فأنفى لنفسى أن هذا لن يحدث طالما يوجد كل هؤلاء المؤمنين بحق المواطنة وبأن الدين لله والوطن للجميع.

التجانس بين فريق العمل واضح للمشاهدين الذين وصلتهم جميعا رسالة تدعو لعودة المصريين اليهود إلى بلدهم وعدم الاعتداد بوثيقة أجبرتهم – زمن عبد الناصر – على التعهد بعدم العودة مقابل الموافقة على خروجهم حيث سحبت منهم الجنسية المصرية، أحد شهود الفيلم يحكى كيف جاء مصر فى رحلة كان مقررا لهم الذهاب إلى الفيوم ولكنه ترك المجموعة وذهب إلى الإسكندرية، فى البداية لم يتعرف على الطريق الذى تغير كثيرا ولكن مع الاقتراب من الملاحات شم رائحة البحر وبدأ يتذكر كل شيء حتى وصل إلى بيته الذى ولد وعاش به ، بكى والسائق يطلب منه ، سيدى أرجوك لا تبكى.
 التقى أمير مع د. أبو الغار صاحب كتاب عن يهود مصر، ومع د. رفعت السعيد رئيس حزب التجمع ومع أحمد حمروش من الضباط الأحرار ومع باحث متخصص فى الشأن اليهودى، تقاطعت المعلومات التاريخية والتحليلات التى سردوها مع لقاءات لمصريين يهود بعضهم هاجر مضطرا ولكن ليس إلى إسرائيل أبدا ، بل إلى بلاد أخرى ، وبعضهم بقى مع قبوله للاعتقال والجميع يهود يرفضون الصهيونية ويعادون فكرة قيام دولة إسرائيل. أحببتهم جميعا ووصل دفئهم إلى قلوبنا وتأثرنا بقضية حقهم فى العودة لبلدهم مصر، يقول أحدهم أنا مصرى أولا وبعدين يهودى، لست يهودى مصرى بل مصرى يهودى.
"عن يهود مصر " ليس أول فيلم يتناول اليهود فى مصر ولن يكون الأخير ويتميز  بتكامل عناصره الفنية يظهر به روح الفريق المتجانس فوصلت فكرته بوضوح دون محاولات تدخل بتعليق من خارج الصورة إلا نادرا، نجح فيه أمير رمسيس وهيثم الخميسى فى مونتاج العمل الذى يثير موضوعا جدليا ، غنى بتفاصيله التى تحتمل وجهات نظر تاريخية ودينية وسياسية ، انتصرت فيه وجهة النظر التى يحملها كثير من مثقفى مصر عن المواطنة التى يجيب عنها بأدلة واضحة، أهمها ما جاء على لسان إحدى الشخصيات وهى تحكى عن تعرضها للسجن لمشاركتها الحركة الوطنية اليسارية وأن الاعتقال لم يكن يضايقها فكل ما كانت تسعى إليه أن تشارك فى العمل السياسى وفى تغيير مجتمعها وناسها مع غيرها من المصريين إلى الأفضل، بالفيلم أيضا تسامح مع قرارات سياسية اتخذت فى ظروف كانت فيه مصر تعانى من محاولات إجهاض ثورة ضباطها الأحرار، لم أقرأ الفيلم على أنه هجوم مباشر على عبد الناصر بل كان أقرب إلى نوع من العتاب تم التعبير عنه بالمزاح.
كيف يمكن أن تتناول موضوعا شائكا بخفة ظل عالية دون أن تشعر المشاهد بالملل أو بالزهق عندما تنجح فى اختيار نماذجك ومعلقيك، كيف تنجح فى إيصال رسالة دون زعيق ، يتحقق كل هذا عندما يأخذ عملك وقته من البحث والدراسة والانتقاء حتى تصل إلى أفضل النتائج. . بدأ أمير رمسيس مشواره السينمائى بنجاح مع أفلام قصيرة حازت جوائز فى المهرجان القومى للسينما المصرية، قدم عددا من الأفلام الروائية الطويلة متوسطة القيمة فى إطار السينما السائدة، ولكنه بعمله هذا يعود إلى المتوقع منه كسينمائى حقيقى يشارك بأعماله فى الجدل الوطنى حول هوية مصر، نحى ما وصل إليه من انحيازه لمصر التى يتعايش فيها الجميع ويشكلون وجدانها المركب من حضارات عدة تعاقبت عليها وشارك فى صنعها كل من ولد على أرضها مهما كانت أصوله أو ديانته.
عرض الفيلم فى إطار بانوراما الفيلم الأوربى فى دورته الخامسة المقامة فى مصر من 3 -9 أكتوبر تواصل فيه المنتجة والموزعة ماريان خورى دورها فى عرض سينما مختلفة من أوربا ومن مصر ننتظرها كل عام لنحتفى بالسينما الجادة والجديدة ونتواصل عبر السينما الفن المتجدد والممتع دائما.      

قد ينال إعجابكم