متابعات

فيليب كوت: من مدرسة الجسد إلى التجريد

حوار : رافائيل باسان
ترجمة : صلاح سرميني

يعمل "فيليب كوت" في هوامش التجريد، ومدرسة الجسد، الرسم على الشريط الحسّاس، والتصوير الحقيقي، وهو حتى هذه اللحظة لا يستخدم غير صوره، وأجزاء من جسده، ويشعر بأنه قريبٌ من أعمال السينمائي الفرنسي "باتريس كيرشهوفير" بدون أن يدعي ذلك فعلياً.
بالنسبة له، يفسّر هذا التقارب بتلاقحٍ ثقافيّ، نقل، وتغيّير أشكال بعض المُنجزات إلى رموز، وإشاراتٍ جمالية، غالباً لم نشاهدها من قبل، وفي بعض الأحيان بدون علاقة مباشرة مع نماذجها الأصلية.
غارقٌ في عشق السينما، لا يستخرج منها عناصر إلا بطريقةٍ عَرضية، ليست مباشرة أبداً، وعلى شكل إقتراحاتٍ تشكيلية نراها لأول مرة.

يمكن القول بأنك تعمل على فكرة التجريد بطريقةٍ قريبة من تلك الخاصة بالتشكيليين ؟
بالنسبة لي، يبلور الفيلم تجربةً مُعاشة، وأحاسيس تُلزمني شخصياً، لا أجد رموزاً مناسبة في السينما التقليدية للتعبير عن ذلك، ما نراه تجريدياً ليس، في الحقيقة، إلا مُحصلة عاطفية أصبحت مرئية لهذا التعبير.
إنطلاقاً من موتيفٍ محدد، يفتح التجريد نحو تعددية صور، وإيقاعاتٍ ممكنة تسمح بتوجيه الفيلم في إتجاهاتٍ جديدة، الصورة ليست مستقرة، إنها مدعومة في تجسيدٍ غير مؤكد، ومحيط غير محدد، حالةٌ من عدم الإكتمال، حيث كلّ شيئٍ بصدد التحقق.
وهكذا، في Ether (2003) لم تعدّ العين تسيطر على صورٍ تتزحلق، وتتداخل، وتعبر عدة حالاتٍ من اللون حتى تتجسّد في صورة مكتملة .

كيف تتطوّر أفلامك بين الرسم المباشر، وتصوير عناصر حقيقية مشوّهة حتى التجريد ؟
الفيلم عملية عبور تُترجم تحولاتٍ، وإنتقالاتٍ من حالةٍ إلى أخرى، في الصورة، تحدث هذه الإنتقالات فجأةً في تدفق أفلامي، وتمنحها إنطباعاً فوضوياَ.
في  L’En dedans II (2005) يتأرجح الفيلم بين مكوّنات الصورة (حبيبات، خطوط...) وتجسيدها،
في الجزء الأول، والثاني من فيلم Emergences (1999-2004) أرسم شريطاً حساساً حتى تتشبّع مكوّناته، ويصيبها الإنهاك، ومن ثم أضيف خليطاً جديداً من عناصر إيقاعية، وبعدها أنتقل إلى شريطٍ آخر.
بينما يقدم فيلم L’Entre deux (2003) مسيرة جسد حيث ننتقل من صور يصعب إدراك محتواها إلى أخرى يمكن معرفة تفاصيلها بوضوح، وبأنها تنتمي إلى جسد، يُظهر الفيلم هويةً متفردةً أستطيع تشاركها مع أخرى مع الإعتقاد بأنّ إبداعاً يمكن أن يُحوّل مجرى الأشياء، ويتوضح هذا الأمر أيضاً عبر تعادلاتٍ تشكيلية، وعاطفية في الذهاب، والإياب بين المادة المُحددة للصورة (ضوء، إيقاع، ألوان،....)، وبناء الصورة، وهويتها.
أشارك جسدياً في أفلامي : علاقةٌ تلامسية مع الشريط الحسّاس لحظة الإبداع حتى الرغبة بمُرافقة عرض أفلامي.
أتطرق إلى السينما التجريبية كحالة تواصل بين أعمالٍ، وأشخاصٍ في وسط طاقةٍ مشتركة، ومن أجل هذا الغرض، من الضروري الإستفادة من التجارب السابقة، حيث تأثرتُ بالسينما الرؤيوية، وبشكلٍ خاص، أفلام "ستان براكاج" التي حفزتني على البحث عن طرائق تعبير شخصية، وحتى التواصل مع حساسياتٍ أخرى، بدون الإرتكاز على مرجعيات لغة معيارية.
بالنسبة لي، من خلال إزالة الغموض عن السينما من وجهة نظر تقنية، وإقتصادية، فهمت بأنه يمكن إخراج أفلاماً بمقاس 8، و16 مللي بطريقةٍ مستقلة معتمداً على شبكة مختبراتٍ أهلية، وتعاونيات المُبدعين.

تأثرتُ أيضاً بـ "باتريس كيرشهوفر" عندما شاهدت فيلمه 1Chromaticité (1977)، و1Densité optique (1977)، كان ذلك إكتشافاً حقيقياً دفعني نحو فكرة الإستقلالية، وعن طريقه أيضاً جاءتني رغبة العمل من داخل الموتيف بمُقتضى معطياتٍ مختلفة، وذلك بإعادته، وتنويعه.
أبهرتني طريقته في التكثيف البلاستيكي، واللقاء بين إتجاه قريب من السينما البنيوية، والأهمية الممنوحة للشكل الإنساني.

إنطلاقاً من أيّ قواعد تبدأ في إنجاز فيلم جديد ؟
غالباً، تنطلق صوري من أفعالٍ لحظية متحررةً من أيّ قصدية، يقودها الإحساس الوحيد باللحظة، تجربة تنشأ في التكرار، وتعميق فكرة أفلمة مكان ما، موتيف، أو إشارة،..
بطريقةٍ يدوية، أُعيد تصوير اللقطات التي صورتها بشريطٍ من مقاس 8 مللي، مستخدماً شريطاً آخر من مقاس 16 مللي، وأعمد إلى تعديلها بطريقةٍ إيقاعية، ضوئية، ولونية.
Dissolutions (2001) هو الفيلم الأول الذي أنجزته بهذه الطريقة، حيث أعدت من جديد تنظيم صوراً من مقاس 8 مللي عن طريق حزمة من المُرشحات اللونية، ومزج الصور فوق بعضها.
وتتكشف أفلامي لاحقاً من خلال الإعادة، التنويع، التضاد :
Ether، و Sédiments(2004) يُحدثان قرابةً مباشرة مع الصورة في Dissolutions.
L’Entre deux يبدأ حيث ينتهي Corporel (1999) المُنجز بمقاس 8 مللي.
L’En dedans (2002) الذي تمّ إنجازه بالتلامس المباشر بين الطبقة الحسّاسة، والضوء، يُطيل العلاقة التلامسية في الجزء الأول، والثاني من فيلم Emergences، فيلمان مرسومان بطريقةٍ جسدية تشبه قليلاً خطوات "جاكسون بولاك" في الرسم (قمتُ بتحريك شريط من مقاس 8 مللي يدوياً أمام مصدر ضوئي).
من فيلمٍ إلى آخر، الصور تدور، متشابهة، أو متحوّلة، البعض منها يلتقي بطريقةٍ متناظرة : في نهاية L’En dedans يُنشئ التلامس المباشر مع الشريط مساحةً مشابهةً للجلد، في لحظات رسم موتيفاً نجده أيضاً في فيلم L’Entre deux.
ما يُحفزني في عملي، رغبة تحويل عنصراً لا يمتلك وجوداً محدداً إلى شيئٍ ملموس، وتجاوز ما وراء  التجسيد البسيط، يتحقق هذا البحث بحرية، وبدون الإرتكاز على قواعد مسبقة يتوّجب عليّ إتباعها، مع هذه  الضرورة بأن تفعل، وتتفاعل مع الموضوع في كل لحظة.
ـ تمّ إجراء الحوار في مارس 2005، ونُشر في مجلة BREF العدد رقم 66 )مايوـ يونيو 2005).

هوامش المُترجم :
Raphaël Bassan
وُلد "رافائيل باسان" عام 1948 في بلغاريا، وهو مخرجٌ، وناقدٌ سينمائيٌّ فرنسيّ، متخصصٌ في السينما التجريبية.
في البداية، توجهت إهتماماته نحو مسيرة أدبية، حيث أصدر مع "هوبير حداد" عام 1970 مجلة متخصصة بالشعر (Point d'être)، بينما أخرج أول أفلامه القصيرة في عام 1969.
"جان بول بورر"، وكان واحداً من أعضاء المجلة الشعرية، إستعاد ذكريات تلك السنوات في صفحات سيرته الذاتية (محاربو الحلم)، وأشار إلى "رافائيل باسان" بصفته شاعراً، وسينمائياً.
منذ ذلك الحين، بدأ "رافائيل باسان"  يكرسّ نشاطه للكتابة عن السينما بشكلٍ عام، والتجريبية خاصةً، تلك التي كان يتجاهلها معظم زملائه، وكتب مقالاته السينمائية في صحفٍ، ومجلاتٍ متعددة، وأصبح صحفياً محترفاً.
من جهةٍ أخرى، يعتبر واحداً من المجموعة التي أسّست في عام 1971 تعاونية التوزيع المُستقلة المُسمّاة "جماعة السينما الشابة" التي تُواصل نشاطها حتى اليوم.
خلال الفترة 2000-2010 تعاون "رافائيل باسان" كناقد سينمائي مع مجلاتٍ أخرى، ومواقع فرنسية، وأوسترالية متخصصة، وشارك في تحرير بعض المقالات في "الأنسكلوبيديا العالمية"(من موقع ويكيبيديا).

قد ينال إعجابكم