متابعات

سقوط سلالة رومانوف .. إعادة اكتشاف فيلم تسجيلي

 عندما ظهرت السينما الناطقة في أواخر عشرينيات القرن الماضي صار يكثر الاعتماد على الحوار بين الممثلين ما أدى إلى أن يعتبر النقاد أن السينما بدأت تثرثر. جرى توجيه هذا الاتهام بخاصة للسينما الروائية التي كانت توصف في عصر ما قبل اكتشاف السينما الناطقة بالصامت العظيم، ومع أن السينما التسجيلية استفادت، كما السينما الروائية، من اكتشاف تسجيل الصوت البشري على شريط الفيلم وسارعت إلى استخدامه، إلا أنه لم ينلها من تهمة الثرثرة ما نالته السينما الروائية، مع أن السينما التسجيلية الصامتة كانت أيضا تستحق أن توصف بالصامت العظيم، بل على العكس من ذلك، بدا أن استخدام الصوت البشري فتح مجالات و آفاقاً جديدة أمام السينما التسجيلية. شرعت السينما التسجيلية بداية في استخدام الصوت البشري على شكل تعليق، ومنذ بداية استخدام الصوت البشري كان التعليق في غالبية الأحيان يرافق الفيلم من بدايته حتى نهايته، وصار التعليق يُعتبر من اللوازم الأساسية في الفيلم التسجيلي، بل وأكثر من ذلك، بدأت تتشكل تقاليد جديدة في طرق إنتاج الفيلم التسجيلي حل فيها نص التعليق محل السيناريو المسبق، أي أن التعليق صار يلعب دور السيناريو ويجري تصوير مواد الفيلم وتوليفها وترتيب تسلسلها وفقا لتسلسل التعليق. كان التعليق يصاغ بطرق مختلفة، فهو إما تعليمي، أو إعلامي، أو دعائي، أو حتى أحيانا أدبي شعري التوجه، كما هو الحال بالنسبة لأفلام المخرج الفرنسي التسجيلي كريس ماركر الذي يُطلق عليه لقب" شاعر السينما"، فأكسبت هذه الطرق المختلفة  استخدام التعليق مشروعية إضافية. ظل هذا الوضع سائدا إلى أن أضاف تطور تقنيات التصوير وتسجيل الصوت للفيلم التسجيلي عنصرا جديدا هو المقابلة الصوتية المصورة مع شخصيات الفيلم فصارت المقابلة تترافق أو تتداخل مع التعليق أو حتى تزاحمه على السيادة، بل وقد تحل محله كليا، وهذا بدوره فتح مجالات وآفاقاً جديدة أمام الفيلم التسجيلي الذي بات بمقدور الشخصيات البشرية فيه التعبير مباشرة، وعرض المشاعر الداخلية الخاصة بها، وهو أمر كان يقتصر في الماضي على الشخصيات في السينما الروائية.

هذا التبادل في الأدوار ما بين التعليق والمقابلة والاعتماد عليهما كعناصر مركزية في صياغة الفيلم، مع ميل متزايد لتغليب صيغة المقابلة على صيغة التعليق، هو ما يميز الأفلام التسجيلية المعاصرة وخاصة المنتجة من قبل، أو لصالح، المحطات التلفزيونية.
تاريخيا، لعب التعليق والمقابلة دورا هاما في توسيع مجالات التعبير في الفيلم التسجيلي، وهذا هو الأمر الإيجابي الخاص بهما، لكن ثمة لهما بالمقابل جانب سلبي حيث أن تزايد الاعتماد على المقابلات والتعليق في الأفلام التسجيلية أدى في النتيجة إلى أن السينما التسجيلية صار يغلب عليها طابع الثرثرة. هذا ما تسبب في واقع الحال في أن تخف شيئا فشيئا الإنجازات الفنية والدرامية في مجال الأفلام التسجيلية بحيث صار من النادر ظهور أفلام تسجيلية يمكن وصفها بالتحف الفنية التي سيظل يرجع إليها المعنيون بعد مرور عشرات السنين كما هو الحال بالنسبة للعديد من الأفلام التسجيلية التي جرى إنتاجها في عصر السينما الصامتة العظيمة، وهي الأفلام التي يمكن اعتبار أنها تنتمي إلى السينما التسجيلية الصافية، لأنها أفلام، على الرغم من اختلاف أو تنوع أساليبها أو مناهجها، كانت تتشابه في أنها صادقة في إخلاصها لطبيعة وجوهر الفيلم التسجيلي وتنبني وفقا لها.

مناسبة هذا الكلام أعلاه هو إعادة اكتشاف فيلم تسجيلي طويل من عصر السينما الصامتة جرى إنتاجه في العام 1927 وهو فيلم"سقوط سلالة رومانوف"(حوالي تسعين دقيقة)، للمخرجة المونتيرة السوفييتية إسفير شوب وهو الفيلم الذي شكل إنجازا ثالثا وأساسيا في تاريخ السينما التسجيلية يضاف إلى إنجاز دزيغا فيرتوف في فيلمه "الرجل والكاميرا" و إنجاز روبرت فلاهرتي في فيلم "نانوك من الشمال"، حيث يمثل كل من هذه الأفلام الثلاثة تيارا مختلفا في السينما التسجيلية.
يتميز فيلم"سقوط سلالة رومانوف" الذي يصور مرحلة في التاريخ الروسي معقدة و حاسمة تبدأ من عام 1912 حتى عام1917 بأنه مبني كليا و حصريا من وثائق أرشيفية أخذت من مصادر مختلفة وجرى تجميعها خلال عملية بحث استمرت زمنا طويلا. يدور الفيلم حول الوضع السياسي والاجتماعي السريع التبدل الذي عاشته الإمبراطورية الروسية بقيادة القيصر نيقولا الثاني والذي اتسم ببداية دخول الرأسمالية إلى المجتمع الروسي الزراعي أصلا، ثم دخول روسيا الحرب العالمية الأولى، وصولا إلى انهيار إمبراطورية سلالة رومانوف بعد انتصار الثورة الاشتراكية. عالجت المخرجة كل هذا بوسائل سينمائية بصرية خالصة معتمدة بشكل أساسي على الطاقات التعبيرية التي يتيحها المونتاج، وتمكنت، و هذا ما يعتبر إنجازا لها، من معالجة موضوعها المتشعب لا باعتباره سردا تاريخيا وحكاية عن وطن، بل باعتباره عملا "دراميا" يعكس مأساة انهيار سلطة سلالة حكمت روسيا لمدة ثلاثمائة عام، وهي أنجزت كل هذا بدون تعليق أو مقابلات.

قد ينال إعجابكم

نقد سينمائي

وراء كل نار قصة!

رحلة إلى 12 دولة من العالم للتعرف على معاني فكرة "الشِواء" والبحث عن علاقته بالمكونات الثقافية والحضارية لكل مجموعة...
حوارات

الأبديّة في مصنع هندي

هل فكرت يومًا كيف وصلت إليك قطعة القماش الفريدة هذه؟ تعرف على يوميات عمال هنود منسيين يشتغلون في أحد المصانع الهندية...
نقد سينمائي

أنا لست عبدًا لك

قال "روبرت كنيدي"عام 1968 إن وضع "الزنوج" يتحسن تدريجيًا في الولايات المتحدة، وإنه ربما سيكون هناك رئيس أمريكي أسود في...