متابعات

فيلم" عندما يأتي الظلام"

عدنان مدانات
تتناول المخرجة اللبنانية سينتيا شقير في فيلمها الجديد" عندما يأتي الظلام" الذي أنتجته قناة" الجزيرة" قضية الكهرباء في لبنان والتي تعاني من انقطاعات متواصلة مزمنة وتعتبر من الأزمات المفصلية في الوضع اللبناني الراهن والتي تختلف الأحزاب و القوى السياسية و ممثلوها في السلطة على إمكانية حلها. بدأت المشكلة عقب اندلاع الحرب الأهلية في لبنان في العام1975، ما أدى إلى عجز سلطة الكهرباء في لبنان عن القيام بمهامها على الوجه الصحيح، وهو ما أدى بدوره إلى انتشار موتورات توليد الكهرباء بين الناس سواء على مستوى الشركات والمؤسسات أو على مستوى المنازل. لم تنجح جميع المحاولات لحل المشكلة خاصة بعد اتفاق الطائف بين القوى السياسية المتصارعة والذي أدى إلى وصول رجل الأعمال رفيق الحريري إلى سدة رئاسة الوزارة. بعد اغتيال الحريري في العام 2005 تفاقم الخلاف بين القوتين الرئيسيتين في لبنان:" تيار 14 آذار" بقيادة سعد الحريري و تيار" 8 آذار" بقيادة حزب الله و بقيت مشكلة الكهرباء بلا حل.


سينتيا شقير

تذكر سينتيا شقير كل هذه المعلومات العامة في مقدمة الفيلم ما يشير إلى أننا أمام ريبورتاج تلفزيوني مصور عن قضية كبيرة راهنة، لكن المخرجة تنجح في تحويل هذا الريبورتاج إلى مادة حية تقربه من صيغة الفيلم التسجيلي التلفزيوني، وذلك بسبب من التنوع الشديد في المادة المصورة بما يتيح الإحاطة بكافة أبعاد المشكلة بكل تعقيداتها، ولكون المواد المصورة عبارة عن مشاهد حية راهنة جرى تصوير معظمها لصالح الفيلم وأيضا لكون المخرجة نجحت في تقديم مشاهد ممتعة أو مشاهد تتضمن بعض المفارقات، ومنها على سبيل المثال أحد المشاهد الافتتاحية في الفيلم والذي يظهر فيه وزير الطاقة باسيل جبران من أنصار ميشيل عون وهو يلقي خطابا يبدأ بجمل توحي بالإصرار على الحل. يقول الوزير:" استلمناها كرة نار، هم رأوا في النار حريقا لنا ونحن رأينا في النار طاقة من بلادنا".  وفجأة تنقطع الكهرباء عن القاعة حيث تسمع أصوات التصفيق من قبل الحضور فلا ندري إن كان التصفيق تأييدا لما يقوله الوزير المتحمس أم تحية للكهرباء التي انقطعت للتو عقب كلامه. والمشهد يعرض على وقع موسيقى حيوية مرحة أو حتى ساخرة، هي امتداد لمشاهد أسبق في بداية الفيلم، يبدو فيها صوت البوق المرافق لبقية الأصوات الموسيقية أقرب ما يكون إلى صوت بوق السيارات.
لا يجري عرض أزمة الكهرباء في الفيلم باعتبارها أزمة جزئية تطول قطاعا هاما في لبنان، بل يجري عرضها باعتبارها أزمة دولة منقسمة إلى دويلات لكل منها مصالحها الخاصة، بحيث تقف الحكومة المركزية عاجزة أمام هذا الوضع المعقد، الذي ينعكس سلبا على حياة غالبية الناس الفقراء بخاصة. نتيجة لانقطاع الكهرباء يلجأ المقتدرون إلى استخدام المولدات الكهربائية الخاصة. ويتلقف بعض المستثمرين هذه الإمكانية ليؤسسوا شبكاتهم الخاصة لتوليد الكهرباء و يقومون بتأجيرها للناس ويتحولون إلى مافيات يسيطر كل منهم على منطقة معينة بحماية التنظيم أو الحزب المهيمن على المنطقة.  تقدم المخرجة بعض المآسي الناتجة عن انقطاع الكهرباء ومنها تعرض بعض المرضى للوفاة بسبب حاجة فورية للمعالجة بأجهزة خاصة فلا يتمكنون من ذلك بسبب انقطاع الكهرباء في ذلك الوقت.

هذا كله بالطبع جزء من وظيفة التحقيق داخل الفيلم حين يقصد منه الإحاطة الشاملة قدر الإمكان بالظاهرة التي تجري معالجتها في الفيلم، لكن المخرجة لا تكتفي بذلك بل تقدم شخصيتين تضيفان بعدا إنسانيا على أجواء الفيلم. الشخصية الأولى هي شخصية رجل في أواسط العمر يبدو شكلا أقرب ما يكون إلى المتشرد بشعر رأسه المنفوش وشعر ذقنه الكثيف وهو يعاني من مشكلة خاصة بسبب انقطاع الكهرباء تتمثل في انه متزوج من امرأة رومانية وهي تهدد بالانفصال عنه وهجره بصحبة أولادهما إن لم يجد حلا لمشكلة الكهرباء، لهذا  فهو لا يكف عن إرسال العرائض للمسؤولين مطالبا بحل مشكلة الكهرباء استنادا إلى حقه كمواطن في الحصول على الكهرباء و يكتفي بذلك بل يرفع دعوى بهذا الشأن أمام المحكمة. الشخصية الثاني شخصية كهربائي شاب يطلق على نفسه لقب روبن هود، وهو أسس شبكته الخاصة معتمدا على سرقة الكهرباء من الشبكات الأخرى وتقديمها للفقراء، وهو يبدو على استعداد دائم لحل مشكلة كل من يتصل به طالبا المساعدة في حال انقطاع الكهرباء عنده. هو روبن هود لأنه يسرق الكهرباء من الأغنياء و يوزع ما يسرقه على الفقراء ولا يردعه عن ذلك ما يتعرض له من عقاب.
ثمة ملاحظة أخيرة على الفيلم. تعرض المخرجة مشهدا يتكرر خلال الفيلم يظهر فيه رجل يقف على شرفة أحد الأبنية وهو يعزف على آلة التشيلو فيما تقف مقابله مديرة ظهرها للكاميرا شابة تستمع إليه. هذا المشهد بدا لي شخصيا ناشزا عن الفيلم ولم أتمكن من العثور على تفسير أو تبرير له باستثناء أنه حالة خيال تقدم صورة فنية غامضة المعنى فيما يشبه ما يورده الشعراء من صور فنية يظل معناها في قلب الشاعر.

قد ينال إعجابكم

حوارات

الأبديّة في مصنع هندي

هل فكرت يومًا كيف وصلت إليك قطعة القماش الفريدة هذه؟ تعرف على يوميات عمال هنود منسيين يشتغلون في أحد المصانع الهندية...