متابعات

شباك التمويل الأجنبي والسينما

الصناعة، التجارة، والفن، لا يمكننا تجاوز هذه الركائز الثلاث عندما نتحدث عن السينما والتمويل، وغالبا في هذا المقام يَنصَّب الاهتمام على تناول ركيزة الفن المتعلقة بمضامين الأفلام، والكيفية التي يؤثر التمويل الأجنبي في صياغة هذه المضامين، لتؤثر بدورها على المتلقي، وتعيد معه صياغة عقله وميوله وتوجهاته، إذا، من هذا البعد الثقافي للسينما ينشأ قدر كبير من خطر التمويل الأجنبي على السينما في الوطن العربي، وأقول هنا قدر لأن ثمة جوانب أخرى لا تقل أهمية في الخطر، وغالبا ما يتم إغفالها في الحديث، والتي سأحاول هنا أن القي عليها الضوء بما يتيحه الوقت.
ماذا عن ركيزتي الصناعة والتجارة؟
باستثناء مصر وربما المغرب، لا يمكننا الحديث عن صناعة سينمائية في الوطن العربي، إنما هناك أفلام سينمائية تُنتج بين حين وآخر، لأننا عندما نتحدث عن الصناعة نتحدث عن البنية التحتية اللازمة؛ من استديوهات، معدات، وحدات مونتاج، أفلام خام ومعامل تحميض، وعدد كافٍ من الفنيين المؤهلين...، وعندما نتحدث عن التجارة نتحدث عن الدورة الإنتاجية للأفلام السينمائية، التي تمكن الفيلم من استعادة تكاليفه مع أرباح تمكن من إنتاج أفلام أخرى، وعن سوق الفيلم، وشبكات توزيع الأفلام، ودور عرض مجهزة بشكل ملائم...
غياب كل هذه المقومات، وصعوبة العثور على تمويل للأفلام، يجعل الساحة خالية ومهيأة لاستقبال التمويل الأجنبي، ويدفع عددا كبيرا من صناع الأفلام العرب إلى حضن هذا التمويل، الذي يتراءى لهم كحل لمشاكلهم السينمائية فيما يكون وهما، إذ يفتح أبوابَه على سعتها، إنما ليُحسن إغلاق مصيدته عليهم فيما بعد، فيقدم خدماته في التمويل والتوزيع، ويجعل الأفلام تتحرر من معادلة الربح والخسارة، كما يفتح الأبواب للحديث عن مواضيع قد لا توافق عليها الرقابة، ويمنح للأفلام القدرة على الخروج من الإطار المحلي من خلال المشاركة في أهم المهرجانات العالمية وما إلى ذلك...، بينما يقوم على التوازي بالتغلغل وإحكام السيطرة على مختلف الخيوط المتعلقة بالصناعة والثقافة السينمائية العربية والتي يعمل على نسجها على مهل من خلال اذرعه المحلية المتمثلة بصناديق التمويل والمؤسسات غير الربحية المتناسخة والتي تمسك بزمام الشؤون الثقافية. 

تجليات التمويل الأجنبي

1 – عبر شركات، أو مؤسسات أو هيئات أو صناديق أجنبية (حكومية وغير حكومية) قائمة خارج المنطقة العربية.
مثل؛ (صندوق صن دانس الوثائقي) التابع لمهرجان صن دانس الأمريكي السينمائي، وقناة (ارتيه) الفرنسية الألمانية...، وصناديق تمويلية موجهة بشكل حصري للأفلام القادمة من الدول النامية، أو من منطقة الشرق الأوسط مثل: (صندوق سينما العالم) التابع لمهرجان برلين السينمائي، و(صندوق أفلام الجنوب) التابع لمهرجان أفلام الجنوب النرويجي، و(صندوق هوبيرت بالز) التابع لمهرجان روتردام الهولندي السينمائي...

2-عبر  برامج أو مبادرات أو مؤسسات أو هيئات أو صناديق عربية (حكومية وغير حكومية) قائمة داخل المنطقة العربية لكن تمويلها بشكل رئيسي أجنبي.
  في منطقتنا العربية ثمة قوتان كبيرتان ناشطتان بشكل كبير في تمويل هكذا برامج ومشاريع وهما: الـولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، فمنذ مطلع القرن الحالي، بدأ ضخ الأموال الأجنبية عبر برامج وصناديق –لا حصر لها- لتمويل المشاريع والأفلام السينمائية في الحيز العربي، لتصبح هذه الصناديق بديلا لصناديق التمويل الأوروبية والأمريكية المباشرة (السالفة الذكر)، يطلق على بعض هذه الصناديق "الصناديق العربية" تجاوزا، إذ تستمد تمويلها الرئيسي من جهات أجنبية اغلبها يرتبط بدعم الحركة الصهيونية، مثل؛ شركة فورد ومؤسسة المجتمع المفتوح لـ جورج سوروس، أما عددا آخر من هذه الصناديق يضطلع المال العربي الخليجي بجزء كبير من تمويلها، وأقول جزءا كبيرا لان ثمة شراكات قد تنشئها هذه الصناديق مع جهات أجنبية قد لا يتم الإفصاح عنها، وتكون في خدمة أجندة هنا أو هناك.
بعض أمثلة هذه البرامج والمؤسسات؛ برنامج (الاوروميد السمعي والبصري)، و(مبادرة مبادلة) المنبثقة من مهرجان دبي السينمائي الدولي، ومؤسسة (المورد الثقافي)، و(الصندوق العربي للثقافة والفنون-آفاق)، و(ناس – شبكة الشاشات العربية المستقلة)، و(مؤسسة الدوحة للأفلام – قطر)، (صندوق الأردن للأفلام) المنبثق من الهيئة الملكية للأفلام، وكذلك مهرجان (كرامة) لحقوق الانسان – الاردن، المنبثق عن (شبكة الاعلام المجتمعي)...


روبرت مردوخ

3- عبر مؤسسات عربية تمويلها بشكل رئيسي عربي، ولكن أجندتها أجنبية.
 مثالها مؤسسة (روتانا)، فقدرة وسائل الإعلام - خصوصا الفضائيات والسينما- على الوصول إلى شريحة كبيرة من الناس، ومقدار رواج ما تقدمه تلك الوسائل الإعلامية من أفكار، هو ما يجعل منها سلعة مرغوبة وغالية الثمن، لأن الثمن هنا يدفع لعدد العقول التي يمكن النفاذ إليها والتأثير عليها، وصياغة أفكارها وميولها. هذا تماما ما أغرى قبل أكثر من عامين رجل الأعمال الأمريكي روبرت مردوخ - صاحب أكبر إمبراطورية إعلامية "نيوز كورب"- لشراء %20 من أسهم شركة روتانا للخدمات الإعلامية التي يملكها الأمير السعودي الوليد بن طلال، وهي نسبة تمكنه من التدخل في رسم السياسات وامتلاك ناصية القرارات المهمة فيها، وفق أجندته الخاصة التي لم تعد خافية على احد؛ فروبرت مردوخ بإمبراطوريته الإعلامية المنتشرة حول العالم، هو من اكبر الداعمين للكيان الصهيوني استثماريا وإعلاميا ولسياستها في فلسطين المحتلة، وكانت الصفقة تسير وفق تخطيط مسبق ومبرمج، بدأ أولا بشراء الشركة القابضة التي يمتلكها ويديرها الوليد بن طلال، حصة تقدر بـ 5,7% من أسهم شركة"نيوز كورب" التي يمتلكها مردوخ، ثم باستضافة روتانا قناة الأفلام فوكس- التي تعود ملكيتها لمردوخ - على مجموعة قنواتها، وآخر هذه الصفقة شراء مردوخ لاسهم من شركة روتانا..

كامل المقال

قد ينال إعجابكم

نقد سينمائي

اللحوم القاتلة!

يفضح الوثائقي تواطؤ مؤسسات صحية وجمعيات طبية معنية بالحد من انتشار الأمراض مع منتجي اللحوم المسببة لها!