متابعات

المنظور السردي في فيلم "الكرنك"

من التشكّل اللّغوي إلى التشكيل البصري
أحمد القاسمي  

 
لا يتشكّل عالم القصّ إلاّ منغرسا ضمن رؤية، ماديّة بصريّة كانت، يجسّدها موقع رصد الحدث، أو ثقافيّة إيديولوجيّة، يجليها الموقف الفكريّ الذي يتخذه المبدع حيال عالمه التخييلي . وهذا ما يجعل من المنظور السّردي بمختلف تقنياته ومفاهيمه  مدخلا مهمّا يقارب فنون السّرد وتبيّن خصائص تشكّلها. ويكتسب هذا المفهوم أهميّته المضاعفة، عند البحث في قانون عبور الحكاية من وسيط إلى آخر شأن مقاربتنا لقصة "الكرنك" بين تشكّلها الأدبي في رواية  نجيب محفوظ وتشكيلها السينمائي في ما اقتبس منها علي بدر خان، وعند البحث في صيغ تشكيل الأحداث، بين الأثرين، على خط الزمن وتوزيعها على مساحة الفضاء وإمكانات إنتاجهما للمعنى. وذلك لما بين الوسائط من اختلاف في تجسيد المنظورات السرديّة وما بين المبدعين من اختلاف جماليّ وفكريّ في تصوّرها وتوظيفها.

1) المنظور السردي، مفترق المصطلحات والمفاهيم.
منذ أن استعار هنري جيمس مفهوم وجهة النظر من حقل الدراسات التّشكيليّة وحاول تطبيقه في مؤلفه (The ambassadors) سنة 1903 داعيا إلى تجاوز تقنية الرّاوي كليّ المعرفة، مثّل موقع سرد الأحداث هاجسا شغل نقاد الأدب  حدّا  وتصنيفا وتفريعا حتى جاء مؤلف جينات "وجوه III" متضمّنا خلاصة لمنجز هذه المباحث السردية مصطلحا عليه، على- سبيل الاستعارة - بالمنظور السردي  محدّدا مفهومه بكونه "صيغة ثانية لتنظيم المعلومات الصّادرة عن اختيار وجهة نظر  "،   ورغم ما تضمنه مصطلح التبئير  من عمق لم تُلغ المفاهيم السائدة، بل توسّعت استعمالاتها وأدركت عامّة الفنون القصصيّة كالمسرح أو السينما والأوبيرا. ورغم اشتماله على مستوى راق من التجريد وجمعه بين معرفة الشّخصيّة وإدراكها الذّهني من ناحية، وإبصارها من ناحية ثانية بما يستوعب خصوصيات القصّ اللّغوي، بدا قاصرا على استيعاب خصوصيات الفنون البصرية ذلك أنّ "غياب الضمائر  في لقطة ثابتة لصورة منزل، يسبّب إرباكا حول عمل التّعيين ذاته. فترجمتها إلى [هذا منزل] تحيل إلى موضوع خارجي بالنسبة إليّ وبالمقابل تكون الترجمة ب[هذا منزلي] مزدوجة التعيين فيحيل الملفوظ على باثّ أوان إحالته على الموضوع في الواقع. وصعوبة تحديد درجة تعيين لقْطة تولّد في علم السرد غموضا ممكنا بين السرد والتبئير" .
لقد دفع هذا الإرباك على مستوى الجهاز المفهومي في حال عبوره من الدراسة الأدبيّة إلى الدراسة السينمائيّة بكل من جوست وقودرو إلى البحث عن جهاز بديل يراعي الخصوصية السّيميائيّة للمنظور السردي في القصّ السّينمائيّ فميّزا بين التّبئير والإبصار. واعتبرا التّبئير "محتوى يعيّن وجهة النّظر العرفانية المعتمدة من قبل القصّ" ، أمّا الإبصار  ف"يميّز العلاقة الرّابطة بين ما تعرضه الكاميرا وما تراه الشّخصية" .

2) المنظور السردي في رواية الكرنك:
 تتداول شخصيات الرواية عمليّة القصّ معتمدة بوحا بضمير الأنا، يعرض تجاربها الخاصّة ومتصوراتها وأحلامها ورؤيتها للوجود. فتختلف الأصوات بحسب الذّات المتلفّظة ويكتسب كل صوت هويّته المستقلة المنغرسة ضمن إطار للوعي وضمن سياق اجتماعيّ ونفسي ينسّبان من المقول ويربطانه بالمعيش ويمنحانه مبررات نشأته وتناقضاته بين رواية وأخرى فيعهدان إلى المرويّ له عندئذ (ذلك المتقبل الضمني) مهمة تنسيق المواقف وتصحيح الأخطاء وملء الفراغات. مما يجعلنا نصنّف هذا الأثر ضمن روايات وجهة النظر.
ولكن المقاربة التطبيقيّة تظلّ بعيدة عن هذا الطّموح النّظري المتعالي. إذ سريعا ما تدفع بنا محاولة تصنيف الرواة/ الشّخصيات، ضمن أفق معيّن، إلى متاهة المصطلحات وتنبهنا إلى أن عمليّة التصنيف هذه ضرب من الإقصاء لصنوف أخرى وتعسّف على النصّ بالنتيجة:

نجيب محفوظ

* رواية الأنا الساردة:
يبدو عزم نجيب محفوظ التجريبيّ على مستوى توظيف الراوي معلنا منذ البداية. فبعد أن اعتمد الراوي كليّ المعرفة في رواياته التّاريخيّة أو الواقعيّة الأولى وبعد أن اعتمد الراوي المرن متعدّد الصيغ بين غائب ومتكلّم ومخاطب في رواية الوعي، ها هو يعمل على خلخلة المصادرات التي يتعاهد عليها ضمنا كل قارئ وكاتب رواية ويتحدد بمقتضاها أفق تقبل يدفع الكاتب إلى إنشاء نصّ روائي متخيّل ويوكل للراوي مهمة إخبار القارئ بما يتضمن من أحوال وتحوّلات. فيجعل راويه في "الكرنك" محرجا لا يقبل الوساطة بين الأثر والمقبّل إلاّ على استكراه وضيق. وحتى لا يبدو متطفّلا، يستهلّ إطلالته في الرّواية بتبرير سبب حضوره في الكرنك (كان عليه أن ينتظر إصلاح ساعته لوقت طويل ص 3) و يذكر أسباب تردّده عليه ("قلت اللّهم إني أحب هذا المكان، القهوة فاخرة والماء نقيّ عذب" ص 4) ويتجلى هذا الحرج في رصد عالمه بحذر فلا يرصد إلاّ ما يرى ويسمع ( كأن يلمح "امرأة دانية الشيخوخة، قسماتها الدقيقة واضحة" ص 3 أو يلاحظ زهوها "من نبرات صوتها" ص 7) أما إذا ما تكلمت الشّخصيّة بصوت خفيض فلا يتاح له أن يتبيّن كلامها (ص 8). ويلحّ على تحديد مصدره حتى يلقي بالعهدة عليه (فينسب قصة هيام عارف سليمان بقرنفلة إلى المعشوقة نفسها ص 9) وإن صادف ما لا يعرف فإنه يخمن الأمر تخمينا (فيتوقع أنّ رواد المقهى من أصحاب المعاشات (ص 4).
يتم بثّ مختلف المعلومات إذن عبر راو بضمير الأنا يسرد تجربته ولا يعرف عمّن حوله ألاّ ما يرى ويسمع، ولكن رغم حرصه على الحياد، لا يصل إلى مرتبة كاميرا ترصد مرئيها دونما اختيار أو تنظيم. وإنما يقوم بالعمليات الاستدلالية فيستنتج، على سبيل المثال، أن زين العابدين يداري في صمته وتجهّمه ارتياحا عميقا لغياب حلمي حمادة، منافسه في حب قرنفلة(ص 19) ويجعل حضوره تعلّة لسرد المكان (مقهى الكرنك) وما تنعقد فيه من العلاقات. ومن ثمة كثيرا ما عرض تجارب الآخرين فيما هو يعرض مشاهداته، فإذا الراوي بضمير الأنا وجه قفاه راو يسرد بضمير الغائب ينتقل من ضمير إلى آخر بانسيابيّة تفاجئ القارئ نفسه فلا ينتبه إلى هذا التحول ("وجئت يوما في ميعادي فوجدت مقاعد الشباب خالية. تبدى المقهى في منظر غريب وخيّم عليه هدوء ثقيل. وانشغل الشيوخ بألعابهم وأحاديثهم أما قرنفلة فجعلت تنظر نحو مدخل المقهى بترقّب وقلق" ص 17) ولئن كان هذا الرّاوي بضمير الغائب عامة محدود المعارف فإنه يتحوّل أحيانا إلى راو كليّ المعرفة بشكل صريح يقتحم باطن الشخصيّة بكلّ ضراوة حتى أننا نكاد ننسى ما ميّزه من خجل في الصّفحات الأولى من الأثر. فيقتحم عالم السّجن ليعرف أن إسماعيل الشّيخ ("أعيد إلى زنزانته فلم يلق تعذيبا إضافيا كما توقّع بادئ الأمر ولكنه أيقن من الضياع" ص 63) وأنه ("مضى عليه زمن لا يدريه حتّى مضى به حارس يوما إلى باب مغلق" ص  63 وأن "أقصى أمانيه أن ينقل إلى أيّ سجن" ص 64). بل إن صوته يتقاطع مع صوت الشخصية حتى يتوحّد بها فإذا الملفوظ لإسماعيل وإذا المتلفظ الأنا السّاردة نحو ("ترى متى يأمر بالانصراف" ص 67).  وبالضراوة نفسها يتحوّل إلى محقّق يستنطق الشخصيّة ويستفزّها ليزجّ بها في عمليّة بوح نحو "ولكنه أمر مذهل وغير مفهوم" (ص 72) أو بطريقة صريحة تحاكي ريبورتاج صحفي لجوج نحو: ( "إذن فأنت تؤمن بالثورة" (ص 76).
هل انصرف نجيب محفوظ عن اختياره الجماليّ المعلن أم هل فترت رقابته على نصّه لحظة فتمرّد الراوي على غفلة منه وعلم ما لا يريد له الكاتب نفسه أن يعلم؟ نقدر أنّ هذا التحول مقصود، ينخرط ضمن منحى الكاتب التجريبيّ فبعد أن كفل محفوظ تعاقدا ضمنيّا بين الراوي والمرويّ له مداره على الحياد والموضوعيّة والسرد من منطلق الأصوات ووجهات النظر، أضحى يعوّل على قارئه الضمني للقيام بعمليات استدلال تستنتج أنّ السماع أو المعاينة يكفلان كفاية الأنا الساردة ويبرّران اختراقها لفضاءات لم تطلها.

* رواية عامة الشخصيات:
هي أصوات متناثرة تمثل حشود الزبائن في المقهى منها الصوت النكرة الذي لا يحضر إلا من خلال نبرات ضائعة وسط الجلبة :
"- الطبّ الحديث يقرّر أن صعود السلم مفيد للقلب.
- ومفيد له أيضا المشي.
- ويقولون إنّ الجماع مفيد أيضا للقلب.. ( ص 33).
تتمثل وظيفتها في منح الأصوات تنوعا وأسلبة يحاكيان شتات الأصوات في الواقع وفي عرض وجهات النظر المختلفة بما يمنح الرواية بعدها الكرنفالي. ولكنّنا مع ذلك نتيّن شخصيات مميّزة استُخدمت أسماؤها عناوين لفصول الرواية الأربعة فعرضت كل واحدة منها، في الفصل الذي يحمل اسمها، الأحداث من وجهة نظرها الخاصّة هي قرنفلة وإسماعيل الشّيخ وزينب وخالد صفوان. فكانت تتحول إلى راو بضمير الغائب موصل (conducteur) لصوت الآخر على نحو ما حدث مع الأنا السّاردة أو  تنوب عن الأنا الساردة فتعرض الأحداث بضمير الأنا  وتستند إلى تجربتها لتملأ فراغات الحكاية بما كنّا نجهل أو تترك بياضا سببه نسبيّة معرفتها ليكمله غيرها فتلتحم الحكايات على هيئة مربكة (Puzzle) ولا تكتمل فيها الصّورة ألاّ بضمّ المتقبل الأجزاء وتنضيدها. فقرنفلة تجهل أن زين العابدين يعقد علاقة خنائية مع زينب وأن حمادة يحتقر فنّها فلا يظهر حماسه لكتابة مذكراتها إلاّ من منطلق الشّفقة عليها. وإسماعيل الشيخ يجهل انحراف زينب بعد تجربة السّجن أمّا زينب فلم تعلم بدورها أن إسماعيل الشّيخ كان يفكّر في الوشاية بحلمي حمادة. وتتجلى نسبيّة معرفة الشخصيّة في تأثرها بعامل الزمن ونسيانها بعض التفاصيل. كأن يلتبس الأمر على زينب فتصحّح ما حرّفت منبهة إلى أنها تسرد من الذاكرة وأنها لا تضمن الدقة في تفاصيل قصتها ملتمسة من المرويّ له تفهم الأمر (ص 99).
تتدرج أصوات الشخصيات، كلما أوغلنا في المتن، من التماسك والسّيطرة على المروي إلى الإفضاء المنساب في شكل تداع حرّ تفقد معه الأحداث ترابطها الحسي الحركي ويفقد الزمن انتظامه وتنهار خلاله الشخصيّة كاشفة عن ابتذالها وسقوطها الأخلاقي فتندفع زينب مردّدة ("إني جاسوسة وعاهرة، وعلى تلك الحال قابلت إسماعيل" (ص 91). ويلهج خالد صفوان في ضرب من الهذيان (" براءة في القرية، وطنيّة في المدينة، ثورة في الظلام، كرسيّ يشعّ قوّة غير محدودة، عين سحريّة تعريّ الحقائق..."ص 107)حتى تكاد الرواية تتحوّل في نهايتها إلى رواية وعي تلك السمة المميزة لأدب نجيب محفوظ في المرحلة الذهنيّة .

* المنظور السّردي ومقام التّخاطب:


رواية الكرنك

لا تحكى الحكاية الأدبية إلا من خلال منظور سرديّ ينغرس ضرورة في المقام التخاطبي بما يعتمد من مشيرات مقامية تفتقد إلى المعنى خارج الإجراء والاستعمال. ولعلّ أن تكون الضمائر، أهم هذه المشيرات. ذلك أنّ الضمير علامة مشاعة... لا تكتسب دلالتها إلاّ من خلال الاستعمال، تتغير بتغير الأشخاص الذين تكني عنهم . وعليه فقد تأثر منظور "الكرنك" السرديّ عميقا بخصائص ضمير الأنا. فلمّا احتل المتكلم المركز من المقام السردي  حُدّدت الأحداث فضاءً ونسبةً إلى شخصيات بعينها بالقياس على الذّات المتلفّظة ومكان تلفّظها أو زمانه. 
لقد كان مقهى الكرنك فضاء عاما يجمع إليه هذه الشخصيات ويمنحها المبرّرات الكافية لتنخرط في عمليّة إفضاء يعرض وجهات نظرها. ولكن المفارقة أن الفضاء ضيّق محدود لا يحتمل تجربة الشخصيات الثريّة والمتعدّدة. فكان ضمير الأنا سبيل الراوي لتوسيع الأفق ومتجها (Vecteur) يجذب إلى فضاءين متقابلين، إلى الخارج فيأخذنا إسماعيل مثلا إلى حارة دعبس وأسواقها (ص 45، 46) أو إلى غرفة السّجن ومكاتب التحقيق (51، 52، 53)  وإلى باطن الذّات باعتباره فضاء نفسيا، يحدّد مدى صلابة الشخصيّة ومدى تأثرها بما يدور حولها من الأحداث.
 لقد جعل المنظور السّردي إذن الفضاء مقاوما لانغلاق الكرنك فيخرجه من كوّة الذاكرة في شكل دوائر تضيق أو تتسع وتتوارد في غير انتظام. ولكنها مع ذلك تتدرّج من الانسجام والتآلف والعلاقات السويّة إلى علاقات القهر والقمع والتّعذيب والاغتصاب. وبقدر ما يتهاوى الفضاء الخارجي، تندحر الفضاءات النفسيّة. فتتخلّى الشّخصية عن قيمها وتنخرط طوعيّا في تدمير الذات في ظلّ تصحّر وجداني لا يبالي بكل ما يحيط من العبث فتسلّم زينب بأنها "جاسوسة وعاهرة" ص 91 ولا يفلح إسماعيل في إقناع نفسه بالشّرف فكان عليه "أن يستهزئ بكلّ شيء" ص 68)
 شكّل سرد الأحداث من بؤر متعدّدة، العالم السرديّ من منطلق مركزيّة الذّات المتلفظة . فقد كان الحاضر سهما مصوّبا نحو الأمام  يكشف باستمرار انهيارها وضياعها وتتالي خيباتها. ولكن من كوّة ذاكرتها، ينبعث سهم آخر إلى الخلف ليملأ فراغات السرد أو ليقارن بين ضخامة الحلم وفداحة الخيبة. ممّا جعلها مركزا تنبعث منه الموجهات المتقابلة تجذب إلى داخلها بقدر ما ترمي إلى خارجها في إرباك وتشظّ زمما يفتح النص على التأويل.
يتم القص عبر بناء للحبكة بما هي توليف للأحداث وتنظيم لها على خطّ الزمن بين توافق حينا وتضارب حينا آخر منظمين لتوقعات القراءة حتى تتناسب مع الخاتمة. فيكفل عبر وساطته هذه تمثل الزمن على نحو مخصوص ويمهّد للانخراط فيه . وعليه فإن تشظي الأحداث وفقدانها لروابطها الحسيّة الحركيّة لا يهمشان الحبكة فحسب وإنما يقدمان لنا تمثّلا مرتبكا للوجود وموقعا لنا منه ملتبسا. أو هما يجذران الكيان في علاقته بذاته وبمجتمعه وبالإنسان عامة ضمن وجود  وجود ملتبس يضع الذات موضع سؤال ويمزّق الشخصية بين تسام يؤمن بالثورة ويحلم بالدولة الوطنيّة التي تكرّس مفهوم المواطنة، وسقوط مدوّ لا يزّف وعيها فحسب، فتبرر زينب عهرها بخدمة الثورة أو يبرر خالد صفوان مصادرته للحريات واغتصاب النساء في دهاليز التحقيق بالسبب ذاته، وإنما يقتح بها على شعور ممضّ بعبثيّة الحياة وزيف القيم يسرق منها اطمئنانها.
ولمّا كانت "التجربة القصصيّة [للزمن] طريقة افتراضيّة للعيش في العالم يسقطها العملّ الأدبيّ نتيجة قدرته على التعالي عن الذات"  ووساطة نعتمدها لفهم عالمنا أمكننا تأويل رواية الكرنك من منطلق منظورها السرديّ باعتبارها رصدا لما يخلّفه التعذيب والاعتداء على الحريات من امتهان لإنسانيّة الإنسان وما يورّث من شعور بالدمار الروحيّ والماديّ بقدر ما نفهمها باعتبارها بحثا في الإنسان عامّة بصرف النظر عن المحور السياسيّ يصوّره كائنا هشّا يحمل في داخله عوامل انهياره فاندحار الطلبة، وإن مثّل هزيمة للثورة في تحقيق كرامة المواطن المصري فإنما هو إلى ذلك هزيمة للأمل أمام اليأس وللإنسانيّ أمام الوحشيّ وللغيريّة أمام الأنانيّة ممّا ينزّل الرواية ضمن إشكاليّة أعمق مدارها على جوهر الذات البشريّة وميلها الفطريّ إلى مهادنة واقعها بدل مجابهته وتغييره وفقا لقيمها.
لقد منحت الأحداث شخصيات "الكرنك" هويّة سردية مكّنت الأفكار من أن تصبح أكثر معقوليّة وفي آن، كرّست هويّة سرديّة للكاتب نفسه. فتأمل مسار الكتابة عند محفوظ من الرحلة الواقعيّة إلى مرحلة الأدب الذهنيّ ورواية الوعي، إلى مرحلة رواية الشخصيات يكشف عن تلازم مسارين في هذه الهويّة متمثلين في اتجاه عامة شخصيات نجيب محفوظ من البحث عن الخلاص الجماعيّ إلى خلاص فرديّ يصحّر القيم أو يتجاهلها ( عمر الحمزاوي، سعيد مهران، زينب ذياب...) واتجاه المنظور السرديّ من تصوير الشخصيات وفق الدرجة الصفر من التبئير إلى اعتماد التبئير الداخلي الثابت إلى التبئير المتعدّد المعتمد لضمير الأنا فإذا هذا المسار يتعمّق تدريجيّا في تشخيص ما تنطوي عليه الذات من خواء وجدانيّ وخراب روحيّ ممّا يكشف عن تحوّلات عميقة لتصوّر محفوظ بفعل متغيّرات الواقع،  لعلاقة الفرد بذاته وبمجتمعه. ذلك أنّ سرد الآخر يعدّ شكلا من أشكال إدراك الذات.

كامل المقال

قد ينال إعجابكم

نقد سينمائي

وراء كل نار قصة!

رحلة إلى 12 دولة من العالم للتعرف على معاني فكرة "الشِواء" والبحث عن علاقته بالمكونات الثقافية والحضارية لكل مجموعة...