متابعات

من وحي فيلم" في الهاوية"

عدنان مدانات

المخرج الألماني فينير هيرتزوغ، واحد من المخرجين الكبار والذي لم تمنعه إنجازاته في حقل السينما الروائية، خاصة عبر فيلميه الشهيرين" أغيرا غضب الآلهة" و" فيزغيرالدو"، من الإخلاص للسينما التسجيلية التي داوم على إخراج الأفلام  المنتمية لها منذ سنوات مستكشفا فيها مناطق جديدة في أرجاء العالم ومواضيع مثيرة بحيث صار يمكن اعتباره متخصصا في إخراج الأفلام التسجيلية.
أحدث أفلام هيرتزوغ التسجيلية بعنوان" في الهاوية" وهو الفيلم الذي وصفه أحد النقاد الأمريكيين بأنه فيلمه الأكثر حزنا، فهو يتابع وقائع جريمة قتل بشعة حدثت في أمريكا. تتعلق الواقعة بقيام اثنين من الشبان أحدهما يدعى ميشيل بيري والثاني جيسون بروكيت بقتل صديق لهما و اثنين من أخوته الصغار لسبب تافه هو رغبة القاتلين بالتمتع بقيادة سيارة الضحية من نوع" كامارو" والتي رفض الضحية إعطاءهما مفتاحها. حكم على ميشيل بيري بالإعدام وعلى جيسون بروكيت بالسجن أربعين عاما. في الوقت الذي صور فيه هيرتزوغ فيلمه كان أمام ميشيل بيري ثمانية أيام فقط قبل تنفيذ حكم الإعدام به. اهتم هيرتزوغ بالواقعة وسافر مع فريقه إلى تكساس حيث جرت وشرع في إخراج الفيلم. القضية الأبرز التي يطرحها هيرتزوغ في الفيلم هي رفضه لعقوبة الإعدام التي تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية من دول العلم القليلة التي لا تزال تطبق هذه العقوبة وتعتبر الولاية التي سيجري فيها تنفيذ الحكم الولاية الأكثر ممارسة لعمليات الإعدام. لتحقيق غايته أجرى هيرتزوغ مقابلات مع القاتلين ومع أقاربهما ومع أقارب الضحايا ومع مفتش الشرطة الذي كان مسؤولا عن متابعة التحقيق في هذه القضية إضافة إلى مقابلة مع الكاهن الموجود في السجن والموكلة إليه مهمة إجراء المراسم الدينية الأخيرة في اللحظات التي تسبق تنفيذ عملية الإعدام.
ليست هذه هي المرة الأولى التي تتطرق فيها السينما إلى عملية الإعدام خاصة من زاوية إدانتها، فثمة الكثير من الأفلام التسجيلية والروائية في العالم تدور مواضيعها حول هذه القضية، ومن نفس المنطلق، أي إدانة هذه الممارسة التي تتخلص من القاتل لكنها بالمقابل تٌنشئ مكانه قاتلا آخر إنما برخصة شرعية  مثبتة بالقانون.


فينير هيرتزوغ

ما أثارني في الفيلم بشكل خاص، وحفزني للكتابة عنه، أو بالأحرى الكتابة عن فكرة خطرت على بالي انطلاقا منه، مقابلتان ابتدأ بهما الفيلم. المقابلة الأولى الافتتاحية جرت مع الكاهن في السجن والمقابلة الثانية مع القاتل ميشيل بيري. فبعيدا عن الفيلم بحد ذاته وانزياحا عنه، أثارت المقابلتان لدي، وخاصة الأولى التي جرت مع الكاهن، فكرة تتعلق بجوهر ممارسة إخراج الأفلام التسجيلية. جوهر الأسئلة في المقابلتين واحد، ويدور حول شعور كل منهما تجاه عملية الإعدام. يجيب القاتل على الأسئلة وهو يبتسم بدون أن يظهر عليه أي تأنيب للضمير وهو يبرر هدوءه تجاه موته المقبل بعد أيام تبريرا دينيا إذ أنه يعتقد أنه لكونه مسيحيا فسينال الغفران في الآخرة على الرغم من بشاعة الجريمة التي ارتكبها. بدا لي وأنا أتابع أجوبته أن هذا الموضوع بحد ذاته يستحق أن يُصنع عنه فيلم مستقل. فيلم مستقل أيضا، كما بدا لي، كان يمكن أن يُستوحى من المقابلة الأولى التي جرت مع الكاهن الذي يجيب على السؤال حول شعوره بالعلاقة مع مهمته بأنه يذهب لأداء مهمته ومقابلة المحكوم عليه بدون أي شعور مسبق أو أي توقع ويؤدي مهمته بطريقة روتينية تخلو من الانفعال، لكنه في نهاية المقابلة ونتيجة لطبيعة الأسئلة الموجهة له ينفعل بل و يكاد يبكي من فرط الانفعال. المقابلتان إذن، تختلفان عن بقية المقابلات في الفيلم والتي تبدو أسئلة وأجوبة تقليدية، وهاتان المقابلتان تتضمنان مشروعا لفيلم أو فيلمين يقدمان للمخرج التسجيلي فرصة البحث في والتعبير عن جوهر السلوك الإنساني في حالات محددة والانفعالات الداخلية التي تنشأ لديه.
في الممارسة المتبعة للإخراج السينمائي، سواء في حقل الأفلام التسجيلية أم الروائية، يتم الالتزام بالنص المكتوب سلفا قدر الإمكان، لكن هناك إمكانية أخرى تتعلق بأفكار إبداعية جديدة تنشأ فجأة أثناء عملية الإخراج قد تضفي على الفيلم روحا جديدة إن التقط المخرج خيطها، وبالنسبة للأفلام التسجيلية تحديدا فهذه الإمكانية قد تؤدي إلى التخلي عن المشروع الأولي وتفتح أفقا أمام فيلم جديد مختلف كليا أوحى به الواقع، فالواقع يظل أغنى من الفكرة المسبقة عنه وما على السينمائي التسجيلي الذكي إلا أن يلتقط ما يتكشف عنه الواقع.
تشير المعلومات المنشورة حول طريقة هيرتزوغ في إجراء المقابلات أنه لم يقابل من أجرى معهم المقابلات مسبقا بل قابل كل منهم فقط زمن إجراء المقابلة، ولهذا كانت الأسئلة التي طرحها عليهم عفوية وليدة اللحظة ولم يحاول أن يفرض موقفه الخاص بل ترك لهم حرية الإجابة ، وتدل مشاهدة الفيلم على أنه تعامل مع المقابلات بذكاء دون أن يحيد عن هدفه المتمثل بإدانة عقوبة الإعدام، وهذا أمر جيد بلا شك، وما ذكرته من إمكانية الخروج عن النص ليس نقدا للفيلم بل خروج عنه و إحالة إلى فكرة أوحى بها الفيلم تتعلق بإمكانيات يتحلى بها الغوص والاستكشاف التسجيلي للواقع.

قد ينال إعجابكم

حوارات

أيام رعب في مقديشو

مخرج نرويجي يكلف جنديين من بوروندي بتسجيل ما يصادفهما من أحداث صعبة في الصومال، ليتحول فيما بعد إلى وثائقي يعرض في عدد...