متابعات

الدراما التسجيلية الواقعية تهيمن على مهرجان "كان"


المخرج أرنو ديسبلاشن

حتى كتابة هذا المقال تميزت مسابقة مهرجان كان السينمائي في دورته السادسة والستين ببروز ما يسمى بـ"الدراما التسجيلية" (الدوكيو-دراما) docudrama. فهناك الكثير من الأفلام المأخوذة عن أحداث حقيقية، قدمت لها معالجة درامية ووضعت في سياق سينمائي، واستخدم الممثلون في تجسيدها، وكذلك تقنيات العمل السينمائي (التصوير، الديكور، المونتاج..إلخ) من أجل التعبير عنها سينمائيا.
من بين هذه الأفلام الفيلم المكسيكي هيلي" Heli للمخرج أمات إسكلانتي، والفيلم الأمريكي "بلنج رينج" لصوفيا كوبولا، والفيلم الأمريكي "محطة فروتفال" Fruitvale Station للمخرج ريان كوجلر، والفيلم الفرنسي "جيمي ب" Jimmy P للمخرج أرنو ديسبلاشن.. وكلها من أفلام المسابقة الرسمية باستثناء "محطة فروتفال" الذي عرض في تظاهرة "نظرة ما" بسبب عرضه في مهرجان صندانس الأمريكي وفوزه بالجائزة الكبرى لهذا المهرجان.

مافيا المخدرات
فيلم "هيلي" يصور دراما تسجيلية تدور في أوساط مافيا المخدرات، ويشير إلى فساد ما، في أجهزة الشرطة والقوات الخاصة العسكرية التي تتصدى لمكافحة المخدرات. والفيلم يعتمد على أحداث حقيقية، ولكن باستخدام أسماء أخرى مغايرة للشخصيات الرئيسية التي شاركت في هذه الأحداث الدامية.
يبدأ الفيلم بداية قوية صادمة عندما نشاهد في لقطة قريبة لحذاء جندي يضغط على رأس شاب يرقد متقوقعا على نفسه داخل سيارة نصف نقل، ثم ننتقل لنرى في لقطة متحركة طويلة كيف يقوم عدد من الأشخاص في الزي المدني بتعليق الشاب فوق جسر للمشاة بحيث يتدلى جسده من أعلى الجسر بينما يظهر الجزء الأسفل من جسده عاريا. وتبتعد الكاميرا في عكس اتجاه الجسر لنرى جثة الشاب متدلية يمكن لأصحاب السيارات المارة رؤيتها بوضوح. إنه نوع من الإنتقام المقصود به إرهاب الآخرين.
ويعود الفيلم في فلاش باك طويل يستغرق نصف الفيلم قبل أن نأتي إلى النقطة التي شاهدنا عندها ذلك المشهد الافتتاحي من الفيلم. "هيلي" بطل فيلمنا، هذا شاب يعمل في أحد المصانع، متزوج ولديه طفلة، تقيم شقيقته التي لا تتجاوز الثانية عشرة من عمرها علاقة مع شاب يعمل جنديا متطوعا في شرطة مكافحة المخدرات ويحضر التدريبات العنيفة التي تجري لهذا الغرض، ويشهد حرق كميات كبيرة من الهيروين التي صودرت من عصابات التهريب لكنه يخفي كمية من الهيروين في منزل إيلي وأسرته مما يؤدي الى تعرض الأسرة للتنكيل من جانب جهة لا يكشف الفيلم عنها بوضوح، فقد تكون إحدى عصابات التهريب وقد تكون قوات الجيش نفسها التي يوحي الفيلم بفسادها وضلوعها في الحادث.
تغير مجموعة مسلحة على منزل الأسرة، يقتلون الأب، ويعتقلون هيلي وكذلك صديق شقيقته. ويقتادونهما إلى حيث يجري تعذيبهما والتنكيل بهما وقتل المجند الشاب الذي نراه في بداية الفيلم وهم يعلقون جثته أعلى الجسر، ثم يتركون هيلي ويحتفظون بالفتاة في مكان غير معلوم إلى حين أن تعود ذات يوم إلى منزل الأسرة دون أن تتمكن من رواية ما حدث لها.
الفيلم صادم في تصوير تفاصيل ما تعرض له هيلي وصديق شقيقته والتعذيب البشع الذي يصل إلى حرق الأعضاء الجنسية أمام الكاميرا مباشرة في مشهد لا نعرف كيف تمكن المخرج من تصويره.


فيلم هيلي

تجسيد العنف
ورغم قوة الفيلم وبراعة مخرجه في تجسيد مشاهده مع الالتزام بالواقعية الصارمة في بناء المشاهد والإحاطة بتفاصيل الصورة والتحكم الكامل في أداء الممثلين، إلا أنه يطرح تساؤلات تتعلق بمدى ما يمكن أن تصل إليه السينما في تصوير الواقع: هل هناك حاجة إلى تجسيد كل هذا العنف الذي يصل أيضا إلى حد ممارسة التعذيب أمام مجموعة من الصبية المراهقين وأن يطلب منهم أيضا المشاركة في التعذيب، أم أن السينما فن الإيحاء، فلا يشترط أن تقدم الجرعة الواقعية كاملة وبشكل مباشر بل يمكن تقديم الحدث على مستوى المجاز والإشارة؟ هذه الإشكالية تظل دائما مطروحة للنقاش أمام مثل هذه الأفلام. والأمر يبدو أنه يخضع لاختيار المخرج وطريقته في التناول والعرض.
المخرجة صوفيا كوبولا مثلا اختارات أن تروي موضوع فيلمها الواقعي المستمد من أحداث حقيقية وقعت في هوليوود قبل أربع سنوات، بطريقة ناعمة لا أثر فيها للعنف. مجموعة من الفتيات، مع شاب واحد من المراهقين من طلاب المدارس الثانوية، ينتمون لأسر ميسورة الحال، يسرقون عن طريق السطو غير المسلح، عددا من منازل مشاهير هوليوود من أيقونات الشباب الأمريكي حاليا مثل باريس هيلتون وميجان فوكس وليندساي لوهان وغيرهن. وتتكرر السرقات حالة وراء أخرى، وتزداد شهية المجموعة ورغبتها في التورط أكثر فأكثر في مغامرة جديدة تقود إلى مغامرة أخرى، ربما رغبة في الشهرة وليس بالضرورة الحصول على المال، إلى أن يلقى القبض على جميع أفراد هذه العصابة التي نجحت في سرقة ما قيمته ثلاثة ملايين دولار من المقتنيات والملابس والأحية والأجهزة من بيون الفنانين.
ورغم نجاح كوبولا في تقديم فيلم جذاب ومحكم الصنع مع أداء تمثيلي جيد، إلا أنها لم تنجح في تقديم رؤية "درامية" خاصة للأحداث بل اكتفت بتصوير مشاهد السرقات في سياق أفقي، بحيث توقف الفيلم عن التطور نحو حبكة أكثر تركيبا، وأصبح الفيلم بالتالي يفتقد إلى حرارة الدراما، فلم يعد كافيا أن يقال لنا إن الأحداث التي سنشاهها وقعت بالفعل، بل لابد أن تتميز طريقة المعالجة سينمائيا، فنحن في نهاية الأمر أمام عمل فني يجب أن تتوفر له من عوامل الجاذبية ما يكفل له البقاء في الذاكرة.

رؤية أخرى


فيلم محطة فورتفال

ولعل هذا تحديدا ما نجح فيه بشكل ملموس المخرج الأمريكي ريان كوجلر Coogler وهو يروي كيف قتل جندي من جنود الشرطة الشاب الأسود أوسكار جرانت في محطة قطارات الأنفاق "فروتفال" في ظروف وملابسات توحي بوقوع جريمة بدوافع عنصرية. لكن عظمة هذا الفيلم أنه لا يكتفي فقط بتشريح الجريمة نفسها أو حادثة القتل التي انتهت إلى اعتباره قتل خطأ وحصل الجندي على عقوبة السجن لعامين ثم أفرج عنه بعد 9 أشهر كما يقول لنا الفيلم، بل في نجاح المعالجة السينمائية في تقديم صورة شديدة الصدق والإنسانية، لحياة هذا الشاب، علاقته بزوجته وابنته، خلال العام الذي سبق وقوع هذه المأساة، بحيث أننا عندما نصل إلى الحادثة نكون كمشاهدين قد أصبحنا ملمين بطبيعة الشخصية، ظروفها، مدى حساسيتها، كيف أن أوسكار هذا الذي وجد نفسه عاطلا عن العمل، ورغم حاجته الشديدة للمال وللعمل أمام ضغوط الحياة، يرفض رغم ذلك، أن ينتفع من بيع كمية من الهيروين كانت بحوزته بل فضّل التخلص منها تماما كما يفعل هيلي بطل الفيلم المكسيكي، الذي يتخلص من كيسين كبيرين من المخدرات عن طريق إلقائها في بئر يقع في أرض العائلة.
أوسكار يحب زوجته الحسناء وابنته الصغيرة، ويحاول بشتى الطرق حمايتهما كما يبذل جهدا كبيرا للعودة إلى العمل الذي طرد منه بسبب تأخره، وكيف يتمتع بالشهامة التي تدفعه إلى مساعدة الآخرين حتى لو كانت امرأة بيضاء (تأكيدا على انفتاحه الإنساني على الآخر) وكيف يمنح آخر كمية من المخدر كانت بحوزته إلى صديق له أراد أن يدفع له ثمنها.. ويقدم الفيلم تفاصيل الأحداث التي وقعت ليلة رأس السنة عام 2009، عندما اصطدمت مجموعة من البيض العنصريين بأوسكار وأصدقائه داخل أحد قطارات الأنفاق، ثم تمكنوا من الهرب لكن الشرطة تدخلت للتستر على المعتدين واحتجاز مجموعة الشباب السود الأبرياء في محطة القطارات بشكل مهين للغاية، رغم احتجاج أوسكار ومطالبته باطلاق سراح المجموعة أو اعتقالها رسميا.
يستخدم المخرج في ذلك المشهد الذي يدور في محطة القطارات قرب النهاية أسلوب سينما الحقيقة. ولا شك أنه يتمتع بقدرة خاصة على التصوير وسط المجاميع الكبيرة من الممثلين الثانويين كما يتمكن من إدارتهم باقتدار، فالمشاهد يشعر أن ما يراه تسجيلي رغم أنه بأكمله إعادة تمثيل لما حدث من زوايا مختلفة لكل لشخصيات عديدة: الزوجة التي تنفصل عن زوجها داخل القطار بعد بدء الاشتباك بالأيدي، مجموعة الشباب السود يهرعون من العربة الأخرى لنجدة أوسكار، الواقفون من الجانبين بعضهم يتدخل والبعض الآخر يصرخ طلبا للنجدة، يتوقف القطار فجأة وتهرب مجموعة البيض المعتدية، هجوم الشرطة وإنزال الشباب الأسود فقط بشكل واضح فيه الانتقاء والفرز على أساس عنصري.. لقطات قريبة، بكاميرا مهتزة، ولقطات من خلال زجاج القطار، وكاميرا تتسلل داخل حشد الممثلين الثانويين دون أدنى إحساس بوجودها لدى الممثلين. والتصوير من زوايا مختلفة للحدث الواحد داخل القطار يمنح المشاهد إحساسا أطول بالزمن، فنحن أمام مشهد رئيسي (ماستر سين).
إنه فيلم نموذجي في تحويل حدث حقيقي إلى دراما إنسانية، لا تكتفي بالوصف دون التحليل، ولكن من دون إقحام أي عامل خارجي أو استخدام للمبالغات الدرامية المعتادة، ففيلم "محطة فروزتفال" ينتمي في النهاية إلى تيار "السينما الأمريكية المستقلة".
وفي جعبة مهرجان كان أفلام أخرى لم يكشف عنها بعد.

قد ينال إعجابكم