متابعات

أمهات الطاقة الشمسية : سوسيولوجيا عالم الفقر

1

المرأة وبيئة الفقر ومتعة اكتشاف عالم يقع في مساحة الخيال هي ثلاثة أركان يمكن ان تؤسس لمشروع مسح اجتماعي وبحث في التحولات النفسية التي تصاحب تلك المرأة وهي تتنقل ما بين العالمين، الفقر ونقيضه ...هي فرضية سوسيو- جمالية انك لا تقتفي اثر الأنسان بل تقتفي وعيه من خلال ذلك، هي خلاصة من خلاصات الباحثة "جسيسي دانييلز " في قراءتها لسوسيولوجيا الفيلم الوثائقي  حيث تحتشد الطاقة التعبيرية للفيلم الوثائقي للوصول الى مساحات ابعد في الذات الإنسانية، مساحات يرصد فيها الفيلم الوثائقي دورة الحياة الإنسانية لفرد – امرأة عندما تكون وتتحول الى قطب أساسي في دورة تلك الحياة غير المرئية وتلك هي براعة صانع الفيلم الوثائقي في بلوغه تلك المساحات. إنه نوع من القراءات متعددة الطبقات للوعي الإنساني في معطاه السوسيولوجي، ربما سيقال ان الفيلم الوثائقي ليس كتابا ولا بحثا لكنه في الحقيقة من الممكن ان يؤدي وظائف لا تقل، ان لم نقل، تتفوق على بحث او كتاب لا يتعمق في الظاهرة كما يتعمق فيها الفيلم الوثائقي .
وهنا لابد من وقفة امام نماذج تتفق مع ما ذهبت اليه الباحثة دانييلز ومنها مثلا : فيلم "  انا شخص ما" للمخرجة مادلين اندرسون و فيلم " 14  امرأة" للمخرجة ماري لامبيرت وفيلم "رسالة حب الى ايدي" للمخرجة روبرت مايير وفيلم " يوميات ربة المنزل "  للمخرجة  فينود سكماران وفيلم "نساء من التيبيت" للمخرجة روزماري راوسليف، هذه الأفلام وافلام اخرى غاصت في سوسيولوجيا الوثائقي وقدمت شخصياتها التي يتراوح وعيها صعودا وهبوطا ازاء زخم واقعي شرس  يحف بها .


أمهات الطاقة الشمسية (صورة رفيعة)

2

هذا المعطى تجده عندما تحضر المرأة في الفيلم الوثائقي وتتحول من حيث لا تدري الى محور مؤسس فيه، مؤسس لاكتشاف مالم نره ولم نعشه نحن ولكن تلك المرأة الفرد هي التي عاشته وتنقلت في كل تفاصليه ... في فيلم " امهات الطاقة الشمسية"  للمخرجتين  منى الضياف وجيهان نجيم كان الهدف هو المساهمة في رسم خطوط اخرى لخرائط الفقر حول العالم لكن الفيلم في بناه  التعببرية يتعدى تلك المساحة الى سوسولوجيا وثائقية تتحول فيه المرأة الى محور وقطب أساس، إنها "رفيعة" المرأة البدوية الأردنية الشابة والطموحة والأم لأربعة بنات والزوجة الثانية لعليان، الرجل المتقلب وغريب الأطوار. امرأة رمتها الأقدار في حضن البادية التي نشأت فيها في ارض  شبه صحراوية قريبة من الحدود الأردنية – العراقية .هناك تبدأ رحة البروفيسور " بونكار راي" رئيس كلية " بيرفوت كوليج" في الهند في البحث عن امرأة تقطن احدى المناطق النائية لغرض ترشيحها واختيارها لدورة  امدها ستة اشهر تقضيها في تلك الكلية في الهند تتعلم فيها تركيب وتشغيل وصيانة الواح الطاقة الشمسية لمختلف الاستخدامات وهو يختار رفيعة ومعها خالتها  التي أنجبت تسعة اولاد اكبرهم بدر الابن البكر الذي يبدو وكأنه يضاهيها في السن .
ترصد الكاميرا تلك الشخصيات البدوية وتترك لها مساحة من العفوية في التعبير عن ذاتها وتجد وسط مشهد الفقر والعيش في بيوت الشعر أن قوة إنسانية ما تنبض في وعي رفيعه، انه وعي انساني عميق يلتقطه الوثائقي وينسج عليه، فهي قد التقطت الفرصة التي اتت اليها لكي تعبر عن وعي آخر ظل مطمورا في ظل الانشغال بتربية البنات الأربع ورعاية الوالدين والاستجابة لمتطلبات الزوج وها هي تتخذ قرارها بالالتحاق بتلك الدورة لتركب الطائرة وتشاهد المطار وشوارع لم ترها وعالما وبشرا لم تحلم أن تلتقي بهم يوما .
27 امرأة من العديد من بلدان العالم ومن اشد البيئات فقرا يلتقين تحت خيمة هذا المشروع وتبدأ طرافة الموقف في استخدام لغة للتخاطب بين هذه النساء  شبه الأميات والهنود الذين لا يمتلكون الا لغتهم المحلية واللغة الإنجليزية، الإيماءات والرسوم والصور تقرب التفاصيل وتمد جسورا بين المتدربات وهن منهمكات في تلك التكنولوجيا في مشاهد شبه غرائبية وتقترب من اللامعقول اذ أنّى لهذه النساء القادمات من بيئات الفقر ان يتحولن الى رائدات في بيئاتهن ويتحملن الابتعاد شهورا طوالا عن تلك البيئات ليعدن بمعرفة ما .

3

اليوميات التي تفصح عن سوسيولوجيا مختلفة وبيئات مختلفة هي من الخلاصات المهمة الملفتة للنظر في هذا الفيلم، انه تنوع يقود الى سؤال الذات الذي يلاحق رفيعة التي سرعان ما ستستسلم الى نوع من "الهومسيك" العاصف، الزوج الذي يهمل البنات الأربع واصوات استغاثتهن والصغيرة المريضة وغيرها كل ذلك يجرفها بعيدا ويدفعها الى اتخاذ قرار الاستسلام والعودة الى البلاد، ترصدها الكاميرا وهي حزينة وباكية وشاكية معبرة عن المها وحاجتها الى العودة .
وتعود رفيعة ونعيش معها مراحل تلك  العودة الى الديار متسائلين وماذا بعد ؟ ها قد عادت رفيعة من دون ان تنجز ما كانت تحلم به.... لكن ما لم يكن في الحسبان هو أن تنتفض على ذاتها وواقعها مجددا وتخوض حوارا عاصفا مع زوجها لتقرر بعدها انها اخطأت بالرجوع وان لابد لها من العودة مجددا الى الهند  للالتحاق بالدورة .
هذه الدوامة الإنسانية المؤثرة يتفرغ لها الموظف الحكومي في وزارة البيئة الأردنية متحولا من مسؤول اداري وتقني الى وسيط اجتماعي ما بين رفيعة وزوجها لأقناعه بضرورة عودتها لإكمال الدورة لتفاجأ هي مرة اخرى واخرى بتقلباته وانقلابه على اتفاقه مع ذلك الموظف وعدم مسؤوليته عن عودة زوجته الى تلك الورشة الطويلة لكنها تكون قد حسمت امرها وسافرت مجددا .


رفيعة في إحدى ورشات العمل في الهند

4

انه حلم آخر ترصده الكاميرا وتتسلل اليه، حلم يخرج الأنسان من كينونته ومساحته الجغرافية والبيئة التي عاش فيها الى ازمنة واماكن اخرى قد تكون تخييلية وافتراضية اكثر منها واقعية فالحرمان القاتل مثلا هو الذي يدفع هذه المرأة الشابة ان تفكر بصوت عال بأنها وبعد ان تنتهي من هذه الورشة ستبني لها بيتا وستكون هنالك حجرات مستقلة لكل واحدة من بناتها الأربع، انه احساس بالشجن يتملكك وانت ترى هذه المرأة التي تحاول الخروج من قاع الفقر لتعيش انسانيتها غير متخلية عن اسرتها ولكنها ستكون مجادلة شرسة لزوجها ومدافعة عن حقوقها ...
المسألة تتعدى كثيرا فكرة مقاومة الفقر الى رصد قوة الذات وهي تعبر عن أصدائها العميقة فيما الوثائقي يمعن في تأكيد تلك السوسيولوجيا المنسية، ذلك النزوع الإنساني الصامت الذي يحاول ان يكون وان يعني شيئا .
وتبدو القصة فيها من الطرافة عندما تعود رفيعة بالعلم الذي اكتسبته لتأسيس جمعية متخصصة بنشر ثقافة استخدام الواح الطاقة الشمسية  وهي تجول على جيرانها لشرح تلك التفاصيل وهي تحمل معها أحلامها العريضة، انها ستغير حياة بيئة اجتماعية بأكملها وتطلق كلاما ربما يبدو كبيرا في مقابل ما هو قائم على ارض الواقع : تعدد الزوجات وهي الزوجة الثانية، الزوج الذي لا تعني له شيئا سوى انها "ماكنة" لتفريخ الذرية.. بيئة تصد اي خروج للمرأة عما هو معتاد وقائم من تقاليد عشائرية واما ما بعد ذلك فليس مهما وسرعة القاء يمين الطلاق سيف مسلط على الرقبة... فعن اية طاقة شمسية وطاقات متجددة نتحدث وهذه الطاقة البشرية المستلبة تصرخ من قاع الفقر الاجتماعي والتهميش الإنساني، تصرخ ليلا نهارا وكأن صرختها في واد ...؟
عن أي مساحة إنسانية نتحدث ونحن نشهد اولئك  النساء وقد جئن من كل فج عميق ليؤكدن وجودا منسيا في بيئات العدم والنسيان ...؟

هوامش :
1- في حديث لها الى  موقع جوردن تايمز تقول رفيعة "نحن مازلنا عاطلات عن العمل والتدريب لم يبدأ بعد، كان لدينا أمل؛ غير أن هذا الأمل اختفى امام انعدام اهتمام الحكومة والمنظمات العالمية فالكل  تركوا المشروع لتقطع به السبل به وتضيف  رفيعه "إن أبناء قريتها يسخرون منهما الآن لفشل المشروع وعدم تنفيذ شيء منه على ارض الواقع"؛  ذلك على الرغم من الاستقبال الحافل والرسمي الذي تلقته مع خالتها عند عودتهن من رحلتهن في الهند.
2-  على الرغم من ان رفيعه وخالتها ام بدر قامتا بتزويد ثمانين بيتا في القرية بالطاقة الشمسية؛ الا أن حياتهن الشخصية اخذت منحنى مختلفا. فكلتا السيدتين تعانيان من مشاكل شخصية بدأت بمجرد عودتهما من الهند.
3-  بعض قطع اجهزة الطاقة الشمسية التي تدربت عليها رفيعة وخالتها ام بدر والتي تقدر قيمتها بمبلغ خمسة عشر الف دولار تم سرقتها من قبل ابن ام بدر؛ الذي رافقهما في رحلتهما الى الهند، ومن ثم قام ببيعها في السوق السوداء.

قد ينال إعجابكم

نقد سينمائي

وراء كل نار قصة!

رحلة إلى 12 دولة من العالم للتعرف على معاني فكرة "الشِواء" والبحث عن علاقته بالمكونات الثقافية والحضارية لكل مجموعة...