متابعات

جنس سينمائي أم خاصية سينمائية؟

ملاحظة : كنا سنقتصر على خمسة أسئلة مكثفة عن جل القضايا النظرية والجمالية والفنية للفيلم الوثائقي التي تحدث عنها فرانسوا نيني وغيره  ولكن رأينا أن نفكك تلك الأسئلة إلى أسئلة أخرى تفصيلية لمزيد التفصيل وتسليط الضوء على جل الجوانب. لذلك ملفنا سيتضمن عشرة أسئلة عن الوثائقي.

يُراد من استخدام أداة التعريف (الأف واللام) في "الفيلم الوثائقي"، بصورةٍ عامة، توصيف شكلٍ محدّدٍ، معترف به، يتمظهرُ ويعبّرُ عن خصائصَ مُتعارف عليها لنوعٍ من الأفلام. واستنادا إلى خبرتنا الحياتية، يمكننا ـ دونَ كبير عناء ـ التمييز بين فيلم وثائقي وآخر روائي/ خيالي. ولكن إنْ تعلّقَ الأمرُ بالفيلم الوثائقي فإنه فيلم يقوم قبل كل شيءٍ على تتابع الصور وموقعها وعلى تسجيلات الصوت إن امكن، كما يحصل عادةً في أي فيلم روائي.

إن أي دراسة توثيقية، هي أداةٌ  مرجعية  تُوثِّق لكتابة تأريخية : فالصفة : "توثيقي" تُحيلُ إلى أن كل شيءٍ يتعلّقُ  بفكرة  وموضوع  الفيلم  يجب  أن يكون  مدعوماً بالوثائق. وبمعنى الاشتقاق الاصطلاحي، فإنَّ "التوثيق" يعني ضبطَ توصيفَ نوعٍ محدّدٍ من الوثيقة أو عملية توثيقها صورياً أو صوتياً: وعليه فإن الفيلم الوثائقي هو فيلم (أو فيديو) يُميز نفسه عن الفيلم الروائي/الخيالي كما تُميّزُ الرواية نفسها عن المقالة الأدبية ( Essay)

تنحو غالبية قواميس اللغة الفرنسية والمعاجم لمقاربة الفيلم الوثائقي وتعريفه في ضوء عنصرين أساسيين جوهريين : طابعه التعليمي، ومعارضته للفيلم الخيالي. وكما يتبدى واضحاً، فإن استخدام مصطلح الفيلم الوثائقي يرمي بضبابه على التباعد والفارق  بين مقولتي "واقعي" و"مُتصوَّر" من ناحية و"حقيقي" و"خيالي" من ناحية أخرى، وهذا ما يستبطنُ كماً هائلاً من المعضلات المعرفية (الأبستمولوجية). فالقاموس الفرنسي المتخصص والمعتمد يسميه : "فيلم تعليمي يعرض حقائقَ واقعية هي ( على خلاف الفيلم الخيالي) ليست من بنات  المخيّلة". وهكذا يقدم القاموس مئتي مصطلح أساسي لنظرية الفيلم "استنادا إلى ما هو متداولٌ ومتعارف عليه، فإن الفيلم الوثائقي ـ وهو فارقٌ نوعي يتعلق بالنوع ـ يتعارض مع الفيلم الخيالي . ذلك أن الأول يحيلنا إلى الواقع، في حين أن الثاني يحيلنا إلى المُختَلَق والمستنبط، أي إلى عالم وهمي".

وإذا عدنا إلى الحاضر سنرى أن غالبية الأفلام الوثائقية، خلافاً  للعصر، كما رآها الكاتب الفرنسي ريمون كينو  (Queneau)لم تكن، بل لم تعد تعليمية . ذلك أن نمط " الفيلم التعليمي" قد تقادم ولم يعد راهنا، بل تراجع لصالح الريبورتاجات الراهنة،  ولصالح ما سُمّي بالفيلم الوثائقي " الخلاّق ".
فإذا كان المقصود بـ "التعليمي" أنه ينقلُ إلينا شيئاً عن العالم وسكانه، فإن هذه الصفة تنطبق كذلك على الفيلم الخيالي أيضاً. وفي هذه الحال  سيكون الفيلم الوثائقي بالتالي، فيلماً روائيا مُمِلاً - مصحوباً بتعليق !     

يرى البعض في التعليقِ خاصية حاسمة، يتميز بها الفيلم الوثائقي. وإذا عاينّا الأمرَ بجدٍّ، سنرى أن المعضلة تكمن في المفاهيم أي في :"تقديم الحقائق الواقعية" و "الإحالة إلى الواقع والرجوع إليه". ومنَ السهل فَهمُ  أنَّ كثرةً من القصص الخيالية والروايات "تُحيلُ" إلى الواقع . لكن من المؤكد أنها لا تُشيرُ ولا تُحيلُ بنفس الطريقة .

في حين أن جوهر الوثائقي لا يتحدّد بالمحتوى (المعلومة)، بل بالشكل (تفاعل الكاميرا/العالم) وطريقة المخاطبة (الجادة وغير المُفتعلَة) والقدرات المطلوبة من المُشاهد. ويبدو أن مفهوم ( عرض الوقائع الحقيقية ) أكثرُ مناسبة في هذا المجال، إذا كان المقصود به: أن ممثلاً  يؤدي حواراً داخلياً (مونولوج)، هو في الوقت نفسه حاملٌ لما يمثله (دور شخصية درامية) وكذلك فإنه  كـ"حقيقة فعلية" (ممثلٌ فاعل- بمعنى يقوم بفعلٍ -) : لذا يمكننا القول بأن "كلّ فيلم خيالي يوثّقُ ما يؤديه ممثلوه". 

إن لقطةً تصور كلباً لا يعُضّ، تعني بأن الفيلم يحوِّلُ الواقع (حتى المُختَلَقَ) إلى صورٍ، وبمعنىً ما، يسلبه واقعيته. فحتى وإن كانت الصورة (حقاً) لكلبٍ حقيقيٍّ، لا يمكننا القول أنه كلبٌ حقيقي. أنها إعادة إنتاج/ تمثيل. ففي اللغة اليومية المتداولة، الصورة هي صورة، ولا يجري التفريق بين "صورة حقيقية" و" صورة  مُتَخيّلة". 

الفارقُ الوحيد الواضح هو بين" اللقطة الواقعية " وبين لقطة مُركّبَة (مُصنَّعة).  والصعوبة تكمن في أنّ "الواقعي" يشمل في الوقت ذاته المُختَلَق والمُتخيَّل: وفي الحقيقة أننا عندما                                                                                                  نسرِدُ قصصاً، فإننا نحلم . ذلك أنّ أحلامنا وخيالاتنا هي جزءٌ من واقعنا، حتى وإنْ أردنا ألاّ نخلط  بين الحلم والواقع. وكانت أول مقاربة معروفة للحلم، رأت "أن الواقع متضمنٌ في الحلم، والحلم متضمنٌ في الواقع". وعلى العكس من  ذلك، تُعتبر المُخيّلَة – سواء في الفن أم السياسة-  قوةً خلاّقة، بإمكانها تغيير الواقع. لنتذكر بعض الشعارات، التي رُفِعت عام 1968: " السلطة للمخيّلة !" و " خذوا أحلامكم إلى الواقع".

وكما يرى المؤرخ الفرنسي 


المؤرخ الفرنسي بول فاين

 Paul Veyne فإنه لا توجد حقائق جاهزة، بل حقائق علينا أن نخلقها. وهي مقولة / خُلاصة، يُفهم منها أن الحقائق يجب  أَنْ تُستَلّ (تُنتزعَ) من سياقاتها وتُعادُ موضوعاتها، كي تكتسب معنىً جديداً. من ناحية  أخرى فإنّ "الوقائع" تعكس درجات متفاوتة  من الواقع وأشكالٍ مختلفة من الوجود. فمجزرة "تيميشورا"، التي شاعَ  عرِضها في قنوات التلفزيون العالمية، بعد سقوط دكتاتور رومانيا ( تشاوسيسكو ) كانت "واقعة حقيقية" بغض النظر عن  كون الجثث، التي عُرِضت، كما قيلَ، لم تكن جثثَ ضحايا تعذيب، بل كانت، حسب المؤلف نيني، جثثاً صُوِّرتْ في  مشرَحَة للطب العدلي لأناسٍ جرى تشريحهم . وكي نتحدث بصدقٍ عن "واقعة حقيقية"، يجب أن يتوفّر تفسير مُقنعٌ  ووجيه  بعيداً عن التشويه. ونحن نلاحظ  من هذا  المثال  كيف أن  "الواقعة الحقيقية" جرى تَشويهها، وكيف تداخل مفهوم "الحقيقي" و"الواقعي" وبالتالي أدّى إلى حدوث بلبلةٍ . لذلك من الخطأ القول إن "مجزرة  تيميشورا"  لم  يكن لها وجود أصلاً، كما أنه من الخطأ أيضاً القول بأن الجثث المُقطّعة كانت من اختراع الإعلام . فالجثث كانت موجودة  فعلاً وأمكن تصويرها، ولكنها لم تكن "تمثّلُ" ما قيلَ عنها .

إن التعريف المستنبط من المثال السابق لا يستوي لأنه قصّر الفارق بين الفيلم الوثائقي والخيالي على المحتوى، سيان إن كان هذا المحتوى حقيقياً أم افتراضيا (وهمياً). في حين أن القضية أكثر تعقيداً. إنها تتعلِّقٌ بطريقة الاختلاف التي تميز الفيلم الوثائقي عن الفيلم التمثيلي، دون أن نغفل أحياناً التداخل بينهما. فما يُقرّر هوية الفيلم، وثائقياً كان أم خيالياً، ليس فقط طبيعة ما يجري تصويره (افتراضيا كان أم مُتخيّلاً ) . إنما ما يميز العلاقة بين مَن يقف وراء الكاميرا ومن يقف أمامها، أي ما يميز خطة الميزان- سين، وطريقة  التوجه إلى المُشاهد ومخاطبته، وجعله يستكشف عالمه (أو يكتشف) عالما جديداً من خلال الصور.

يؤكد بول فين في كتابه "كتابة التاريخ" أن الوقائع لا تُشكِّلُ ظواهرَ موضوعية، لأنه لا توجد وقائع  دون تأويل: لكن هذا لا يعني  أبداً وجودَ "تأويلات" دون وقائع، كما خَلُصَ إليه التفكيكيون ودُعاةُ ما بعد الحداثة .لذا يرى المؤلف طبقا لهذا التحليل ،بتحفُّظ، أن الفارق بين الوثائقي والروائي، هو ذات الفارق بين "الحقيقي" و"الخيالي الخطأ":أنه لا يفي لمعرفة وتفسير لقطةٍ وما تُمثله، بل أن من الضروري أيضاً معرفةُ الظروف، التي تمَّ فيها التصوير، والطريقة التي يتوجه بها الفيلم نحو جمهور المشاهدين .

قد ينال إعجابكم