متابعات

ما هو الموضوع الجيد؟

لا شك أن مفهوم الموضوع يختلف في الفيلم الوثائقي عنه في الربورتاج، فهدف الربورتاج هو تغطية لموضوع يقدم فيه احداثا مثيرة وأخبارا حساسة واستثنائية: (حرب، جرائم، كوارث) أو نجوما مشهورين وأحداثا اجتماعية. ورأى اتباع الموجة الجديدة بسخرية أن هدف التعليق في الريبورتاج هو إلباس الموضوع  قناعا لإخفاء حقائقه؟
أما هدف الفيلم الوثائقي فهو كشف القناع عن جوهر الموضوع الذي يتناوله ويبحث فيه. ويتناول موضوعه في الغالب كل ما هو مألوف ويومي وينطوي على ما هو عادي ومؤثر وغير متوقع وشائن: تنوع الناس العرقي، قدراتهم الحياتية وأسلوب حياتهم، مشاكلهم واختلاف عوالمهم  ومحاولاتهم لتجاوز أوضاعهم الشاذة وتحويلها الى وضع طبيعي.
أمثلة : ان كل وكالات الانباء التلفزيونية في العالم سبق أن غطت احداث كارثة تشرنوبيل الذرية في عام 1986 بينما تابع مخرجو الفيلم الوثائقي ورافقوا بعدئذ النتائج طويلة الامد وكشفوا عن معاناة فرق الانقاذ والمواطنين. 

ولعل الفرق الحاسم حسب جيرارد ليبلانك في كتابه حول برامج الاخبار الفرنسية الهامة هو انها ترى الاحداث الراهنة في التلفزيون فقط كحوادث تتعارض مع نظام العالم لأنها تفترض أنَّ العالم بخير وترى انها طقوس سياسية ورياضية مسارها منتظم ومتجانس. أما بالنسبة للوثائقيين، والتقليد موجود منذ رأى جنسها النور، فان الامر يتعلق بتبيان خلفية الاحداث والى أي مدى يتعلق الامر بإستراتيجية بقاء مجتمع ما يزال يعد بدائيا ليستطيع ان يبقى على قيد الحياة. كما ان الاستغلال الباهظ والسائد ينتشر فيه عبر اشكال شنيعة واضحة تبدو في الظاهر كما لو انها عقلانية وجزء طبيعي من العالم.

ان جوهر الفيلم الوثائقي يقوم على منطق كشف خلفيات ليست شاذة ابدا، إنما تقوم على اشكال تعالج كيف نعيش سوية وكيف يحارب بعضنا البعض وكيف نبرر ما نفعل وكيف نتحرك. وليس لهذا المنطق أي علاقة بتأثير من نمط جاهز او برغبات ثابتة  تعلن عن نفسها وتشخص عالم الريبورتاج كأسلوب او كطريقة تشبه مساحة زجاج السيارة الامامي. اما في ما يخص الاسلوب فبوسعنا ان نقول ان الريبورتاج بغض النظر من اين يأتي مصدره او أياً كان موضوعه فانه يغطي دائما كليشيهات متكررة: لقطات عامة مقاطع تعليقات ومقابلات شوارع دائما بذات الايقاع المونتاجي المتشابه ويُؤلف الكل في تركيبة موسيقى- متجر شامل يعرض ملابس متشابهة تفتقد للذوق ويبدو الامر كما في بوفيه فندق هيلتون الذي يقدم بوفيه طعام من مطبخ عالمي بينما يقدم الفيلم الوثائقي وجبات متنوعة وغنية غالبا ما تكون حلوة- حامضة ومُتبّلة.
ويبين نص احتجاجي لجورج بيرك المعنون "مقاربة من ماذا؟" ما يُختار لنا، كما يبدو له، حادثة غير مألوفة واستثنائية: خمسة عنوانين في الصفحة الاولى، وهي عنوانين رئيسيين. أولا  تبدأ القاطرات وجودها حينما تخرج عن السكة وتتعطل. وكلما كثر عدد المصابين والقتلى كلما  كثرت القطارات. وتبدأ الطائرات وجودها اولا حينما يتم اختطافها، ويتم التعريف بالسيارات اذا ما اصدمت بحواجز: في 25 نهاية اسبوع سنوياً يتم جرد 52 حالة: كُثرة من القتلى وكلما زاد عددهم كلما كان افضل للأنباء! ما وراء الخبر يجب ان تكون فضيحة، أو انتهاك خطر. هكذا كما لو ان الحياة لا تسير إلا من خلال عرض مثير كما لو ان على الموصوف والحافل بالمعاني ان يكون غير طبيعيا: كوارث طبيعة صدمات اجتماعية فضائح سياسية...  علينا ايضا ان نقول ان الريبورتاج يبحث في حقل الغام بينما يبحث الفيلم الوثائقي في منجم.

خلاصة القول: انه لا توجد ريبورتاجات سيئة فقط ولا أفلام وثائقية جيدة فقط. فبعض مخرجي الافلام الوثائقية هم سيئون بشكل واضح حينما يَعدون انفسهم مؤلفين. ولا ننسى انه توجد عند الانكليز ريبورتاجات عظيمة.  لكن غلطة التلفزيون انه يلجأ دائماً الى أعراف جاهزة تعطل مضمون الريبورتاج ووجهة النظر اضافة الى ان القائمين على التلفزيونات  يَتمسكون بمثل هذه الاعراف السيئة ويَعدونها أساساً للموضوعية.

ان كل ما يحدث كل يوم وأيضاً يتكرر كل يوم، أي كل ما هو عادي ويومي وبديهي وعام ومألوف الذي يمثل "الضجيج" اليومي المعتاد.  فكيف يمكن للمرء ان يدركه وكيف يستقصيه وكيف يُوصفه. نحن لا نستقصيه وهو لا يستقصينا. ويبدو أنه لا يخلق أي مشكلة. نحن نعيشه دون أنْ نفكر فيه كما لو أنه لا يطرح أي سؤال ولا أي جواب، كما لو أنه لا يحمل أي معلومات. انه ليس اكثر من تأقلم، إنه مجرد تخدير. فنحن نستغرق في حياتنا في نوم بلا أحلام. لكن أين حياتنا؟ وأين هي هيئتنا ؟ وأين هو فضاؤنا وكيف يتأتى للمرء انْ يتحدث عن هذه الاشياء العامة او بشكل افضل كيف يتسنى للمرء أنْ يتعقبها بشكل أفضل وانْ ينفر منها وكيف يفتح الرزمة التي تلتصق بداخلها وكيف يعطيها معنى ويسميها، لكي يلزمها في النهاية لتحكي عن الحال كما هو حقاً، لتحكي عنا كما نحن حقاً. ربما علينا اخيرا ان نؤسس خاصة انسنتنا .Anthropology  ليمكنها ان تتحدث عنا وتبحث في أعماقنا عن ما أستلبه الاخرون منا. تبحث ليس عن الغريب والشاذ، بل تستقصي طبياً ما يتفاعل في داخلنا. 

قد ينال إعجابكم