متابعات

"أفضل العروض": سينما الحلم تعود

أمير العمري

من أجمل وأرق الأفلام التي شاهدتها في الدورة الـ63 من مهرجان برلين السينمائي فيلم "أفضل العروض" The Best Offer  للمخرج الإيطالي جيوسيبي تورناتوري صاحب الفيلم- التحفة "سينما باراديزو" الذي أفسح له مكانا للعبور إلى العالم قبل نحو ربع قرن.
ورغم أن الفيلم الجديد يخرج عن نطاق أجواء صقلية التي يعرفها تورناتوري جيدا ويعبر عنها في أفلامه لكي يدور في "مكان ما في أوروبا" كما نقرأ على  الشاشة في مطلع الفيلم، إلا أنه نجح في صنع عمل يبقى في الذاكرة والوجدان، ويعيدنا إلى جوهر فكرة السينما كفن، أي ذلك السحر الذي يحتويك ويأسرك لمدة ساعتين ثم يرحل بك في رحلة على جناح الخيال، ليطوف بك عالما فنيا ربما يتخذ صبغة الواقعية أو يحاول محاكاة الواقع (شأن سائر الأفلام)، إلا أنه يجعلك تعيش في تلك المنطقة الواقعة بين الخيال والواقع، وبين الأسطورة والحقيقة، بين ما نلمسه وما نتخيله، بين منطقة الحلم وبين التطلع إلى الانعتاق من قسوة الزمن، ومن ضراوة العجز عن التواصل.
إن فيلم "أفضل العروض" يروي ببساطة "قصة حب"، هذا هو جوهر الفيلم. لكنها قصة حب تقع في ظروف محددة لشخصيات محددة ليست كأي شخصيات نقابلها يوميا في حياتنا، وفي "مكان ما في أوروبا"، أي في مكان مجرد تماما دلالة على أنه من الممكن أن تقع في أي مكان، ولشخصيات تعيش متجاورة لكنها يمكن أن تكون قد عرفت بعضها البعض في الماضي.. في الخيال، وربما أيضا ليس لها وجود فعلي بل تعيش فقط في الخيال. وهي أيضا قصة حب مليئة بالتضاريس التي تجعل منها كابوسا حقيقيا.
صُوّر الفيلم في مدن عدة مثل براغ وفيينا وميلانو، وهو ناطق باللغة الإنجليزية حتى يمكن توزيعه على نطاق عريض وخاصة في أسواق الولايات المتحدة، كما أن الإنجليزية هنا تجعله عملا غير مرتبط بثقافة محددة ضيقة، بعد أن اصبحت الإنجليزية لغة العالم. ويستخدم تورناتوري فيه طاقما تمثيليا من بلدان عدة، يتكون أساسا من شخصيات أربع هي: جيوفري راش Rush البريطاني، وسلفيا هوكس Hoeks  الهولندية في أول أدوارها بالإنجليزية، ودونالد سوذرلاند الأمريكي، وجيم ستيرجس البريطاني.


أفضل العروض

الغرفة السرية
"العروض" offers كلمة تشير إلى ما يقدم من عروض للشراء خلال المزايدة على قطع نادرة وأعمال فنية في صالات المزادات العالمية، فالفيلم يدور حول شخصية رجل يدعى "فيرجيل أولدمان" (يقوم بالدور جيوفري راش) في الستينيات من عمره، متزمت ومنظم للغاية، لم يسبق له الزواج أبدا بل لم يسبق له أن أقام أي علاقات عاطفية أو حسية مع أي إمرأة، أي أنه بهذا المعنى عذري بيوريتاني (من هنا إسمه "فيرجيل- أولدمان" أي العذري المتقدم في السن. هذا الرجل- الذي يملك ثروة طائلة، يغشى الفنادق الفخمة، ويرتدي أفخر الثياب، بل إنه كما تكشف لنا اللقطة الأولى من الفيلم، لديه عشرات الأحذية والبذلات وربطات العنق، يعيش حياة الرفاهية وينتقل من مدينة كبرى إلى أخرى، لكي يدير المزادات. وهو في الوقت نفسه خبير في الأعمال الفنية يمكنه أن يكتشف بسهولة عما إذا كانت لوحة ما عملا فنيا أصيلا أم مزيفا، وهو يحفظ عن ظهر قلب تاريخ كل ما يقدم في المزادات التي يديرها. يختلي "فيرجيل" بنفسه كل ليلة بعد أن ينتهي من العمل المرهق، داخل قاعة سرية يدلف إليها من داخل دولاب ضخم في غرفة نومه، باستخدام شفرة رقمية سرية لفتح بابها، حيث يجلس بالساعات بين عدد من أكثر اللوحات الفنية ندرة في العالم. هذه اللوحات هي تحديدا لوحات "بورتريه" لوجوه النساء والفتيات، من أشهر اللوحات العالمية لكبار الفنانين مثل رافاييل وتيتان وفيلاسكويز. إنه يعوض حرمانه من المرأة بالتطلع إلى وجوه النساء، اللاتي جعل منهن ملكية خاصة نفيسة جدا!
الفيلم يقدم فيرجيل كرجل جاد، يوالي العمل بدأب، ولكن لديه أيضا نقطة ضعف خطيرة. إنه ليس على هذا القدر من الاستقامة كما يبدو عليه من الوهلة الأولى، فهو يتفق مع صديقه "بيللي" (دونالد سوذرلاند) الذي يرتبط معه بصداقة عمر، على الوصول إلى حد معين في المزايدات على أعمال فنية معينة، بأسعار تقل كثيرا عن الأسعار الحقيقية، ثم يجعلها ترسو على صديقه، وبعد ذلك يحصل منه على تلك القطع الفنية لنفسه مقابل أن يدفع له مبلغا من المال. إنه إذن فاسد، يغش في"اللعب" ويستخدم صنعته من أجل الإثراء والاستحواذ. وتكاد ألاعيبه أن تنفضح ذات مرة عندما يخطيء وينسب العطاء بشكل تعسفي إلى صديقه في حين تكون سيدة هي التي رفعت يدها طالبة شراء القطعة الفنية قبله بثوان. ويضطر بالتالي إلى أن يسلم اللوحة الفنية إلى السيدة بسعر زهيد يقول إنه يقل عن سعرها الحقيقي بعدة ملايين من الدولارات. لقد اضطرب "فيرجيل" بعد أن اقتحم حياته ذلك المجهول وأثار فضوله لدرجة جعلت حياته كلها تنقلب رأسا على عقب. ما الذي حدث إذن"

المرأة المجهولة

تتصل به هاتفيا فتاة ذات يوم تدعى "كلير إبستون" تنتمي لأسرة شديدة الثراء، توفي والداها وورثت عنهما قصرا منيفا قديما يحتوي على مئات من القطع والتحف الفنية التي لا تقدر بثمن، وتطلب منه، بل وتلح عليه إلحاحا، أن يقوم بتقدير قيمة هذا الكنز الذي لديها والذي تعتزم بيعه والانتقال من القصر.
تقطع له كلير موعدا تلو آخر لكنها تعتذر في اللحظة الأخيرة عن طريق الهاتف. إنه لا يراها أبدا بل يسمع صوتها فقط. ولكنه يرفض التعامل مع شخصية لا يمكنه أن يتحادث معها ويراها مباشرة وجها لوجه. يغضب ويغلق سماعة الهاتف في وجهها، لكنها تعاود الاتصال به وتستعطفه أن يقوم بتقييم مقتنياتها الموروثة، قائلة إنه الوحيد الذي يمكنه القيام بهذه المهمة، وأن يعد قائمة بمحتويات القصر تمهيدا لبيعها كلها. هذه المهمة تسيل بالطبع لعاب "فيرجيل".
وعندما تتاح له الفرصة أخيرا لأن يزور القصر عن طريق مساعد عجوز كان يعمل خادما للأسرة، يفاجأ بأن الرجل لا يعرف تلك الفتاة ولم يسبق له أن رآها قط، ويقول لصاحبنا إنه يعرف أنها تعاني من مرض مخيف ولا ترى الناس بل وتحبس نفسها داخل جدران غرفة معينة من القصر.
ويظل التحادث بينهما من وراء الجدران. وتترك له هي نسخة من مفتاح القصر. وتسيطر الفتاة تماما على عقل فيرجيل، وتجعله يسعى بأي ثمن لرؤيتها ومعرفة من تكون ولماذا تخفي نفسها. ويلجأ في هذا إلى نصائح صديقه "روبرت" ذلك المهندس الذي يفهم في فك ألغاز الآلات وإعادة تجميعها والذي يمتلك ورشة خاصة.
يختبيء ذات يوم وراء عمود في غرفة الصالون بالقصر بعد أن يوهمها أنه قد غادر. ويراها تخرج من مكمنها، صبوحة الوجه، حلوة كالنسيم، متفتحة كالزهرة، مملتئة بالحيوية والحياة. ويقع صاحبنا في حبها على الفور. يتردد على المكان مرة ومرات لكي يراقبها خلسة، لكن وجوده يفضحه ذات مرة، ويكون اللقاء بينهما وجها لوجه. إنها لا تعاني من أي أمراض عضوية بل تقول إنها تخشى رؤية الناس أي أنها تعاني من حالة نفسية. يتطور الأمر بينهما إلى علاقة عاطفية حارة، وتقول له، وسط دهشته وذهوله، إنها لا تستطيع الحياة من دونه وتأخذ في مطاردته في كل مكان باتصالاتها الهاتفية، ويقتنع صاحبنا بتلك العلاقة الغريبة التي يتذوق فيها للمرة الأولى طعم العلاقة مع المرأة.

كشف السر
 تزوره الفتاة في منزله الفخم، ويطلعها هو على سره الدفين، أي على مخزن لوحاته الثمينة، بعد أن يكون قد نجح أخيرا في إقناعها بأن يصطحبها معه خارج القصر الذي كانت تحبس نفسها فيه قائلة إنها لم تخرج للحياة منذ سنوات!
يكون فيرجيل بالطبع قد أعد قائمة بمحتويات قصر كلير، وحدد لكل قطعة سعرا، لكن الفتاة تطلب منه ذات يوم، أن يصرف النظر عن بيع محتويات قصرها بعد أن غيرت رأيها فيقوم بكل بساطة بتمزيق قائمة التسعير. لقد استولى الحب على قلبه وعقله تماما. تستمر العلاقة بينهما ويستمر هو في تشككه وتساؤلاته المعذبة القلقة التي يطرحها على صديقه "روبرت": هل من الممكن أن يكون كل هذا الحب زائفا؟ نوع من التمثيل مثلا. أيمكن أن توجد علاقة من هذا النوع؟ لقد كان هو الذي يقول دوما إن في كل عمل فني مزيف، يوجد شيء أصيل، من روح الفنان الذي قام بالتزييف او بالتقليد والمحاكات، وهل يمكن بالتالي أن يكون ما يبدو حقيقيا وأصيلا مجرد وهم زائف؟ هل يمكن أن يكون قد وقع في علاقة "مزيفة" وهو الخبير في التفرقة بين الحقيقي والزائف؟

انفضاح الكذبة
هذا التشكك وغياب اليقينية هو الذي يعذب فيرجيل ويجعله يتقلب في فراشه. وعندما يتوجه ذات يوم إلى قصر الفتاة حاملا معه هدية ثمينة من الماس، يتعرض للاعتداء الوحشي خارج القصر وسرقة ما معه، وتراه هي من النافذة فتسرع إلى الذهاب به إلى المستشفى. هناك إمرأة عجوز قصيرة (من الأقزام) حباها الله بنعمة تذكر كل ما تراه بكل دقة وخاصة الأرقام والمرات، تشاهد كل ما يجري من نافذة الحانة القريبة من القصر، وهي الحانة التي يتردد عليها فيرجيل بين حين وآخر.
في هذا اليوم الموعود يذهب لزيارة كلير في القصر لكنه لا يجدها، بل ولا يجد أيا من محتويات القصر فيتجه إلى الحانة ينتظرها ويترقبها من النافذة، لكنها لا تعود أبدا.. يسأل المرأة القزمة عنها فتقول له إنها غادرت وإن تلك هي المرة الثلاثمائة وستين التي تغادر فيها القصر هذه السنة!
لقد كانت تخرج إذن، وكانت تكذب عليه. تنهار حياة فيرجيل رأسا على عقب، لكن المفاجأة الكبرى تأتي عندما يعود إلى بيته فيجد أن كل محتويات غرفته السرية من اللوحات النادرة قد اختفت!
يعرف فيرجيل أن كلير أتت بعربة نقلت فيها اللوحات ثم ذهبت مع صديقه المهندس "روبرت" وصديقته السوداء واختفى الثلاثة. هل كان الأمر كله مجرد "لعبة" لعبها الثلاثة عليه؟ هل هي خطة وضعت من البداية للاحتيال عليه وسرقته وتدميره؟ أم أنها خطة نشأت خلال تطور العلاقة؟ ولماذا؟ ما الذنب الذي جناه لكي ينتهي وتنتهي حياته بمثل هذه القسوة؟
ربما يصح هنا تذكرالمثل الذي يقول إن "الجزاء من جنس العمل" فقد كان فيرجيل يسمح لنفسه بالاستيلاء على قطع معدنية صدئة صغيرة ملقاة في الطابق التحت أرضي في قصر كلير، وكان يسلم هذه القطع القديمة إلى روبرت لكي يقوم بتجميعها معا، وبالفعل ينجح ذلك المهنس العبقري في تشكيل كائن حديدي يقال إنه أول نموذج للإنسان الآلي الناطق ينتمي للقرن الثامن عشر من تصميم فنان شهير أي انه يحصل أيضا على قطعة تاريخية نادرة، وهي القطعة التي ستتركها له كلير في نهاية الفيلم!


المخرج تورناتوري والبطلة سلفيا هوكس

تكوينات مدهشة
النصف الأول من الفيلم تحفة كاملة لا يوجد فيها خطأ واحد، ولمدة ساعة كاملة نتابع، الكشف طبقة طبقة، وكأننا نزيح صفحة وراء أخرى من كتاب الأسرار، نكتشف شيئا في نهاية كل مشهد يشدنا للولوج في المشهد التالي وهكذا.. شيء ساحر.
فيلم بديع في بنائه وتكويناته المدهشة، ومدير تصوير متمكن وواثق يقوم بتوزيع الضوء بما يتناسب مع الأجواء السحرية للقصة، مع الإحاطة الهادئة بقطع الديكور والإكسسوار، في باروكية حديثة مذهلة. موسيقى إنيو موريكوني (صاحب موسيقى أفلام سيرجيو ليوني الشهيرة وغيرها)، تتألق بإيقاعاتها الساخنة الصاخبة أحيانا، التي تضفي أجواء الإثارة العاطفية حينا، وطابع اللغز أحيانا. وتحركات الممثلين التي يعرف تورناتوري كيف يضبط إيقاعها بدقة.
ربما يبدو الفيلم أقل تألقا وسحرا والإيقاع أكثر بطئا في النصف الثاني منه، أي بعد الكشف عن شخصية كلير أمام الكاميرا، لكن هذا الكشف كان لابد منه لكي تتطور القصة وتتخذ أبعادها التي أرادها لها المؤلف العبقري (وهو تورناتوري نفسه).. وربما تبدو أن هناك بعض المشاهد الزائدة أو المكررة، لكننا أمام الصورة السينمائية في أجمل حالاتها: كاميرا تتحرك وتراقب وتتابع وتتلصص، وتكوينات بصرية رصينة وجذابة.
ولعل من أكثر جوانب الفيلم تألقا ذلك الأداء الواثق للممثل البريطاني "جيوفري راش" في الدور الرئيسي. إنه موجود تقريبا في كل لقطة وفي كل مشهد، يتحرك بدقة شديدة، ويؤدي بملامح الوجه والحركة الرصينة للجسد، والإيماءات في لقطات الكلوز أب، وينفعل إنفعالات محكومة.. إنه أحد أساتذة الدراما الإنجليزية التي لا تبارى.
فيلم "أفضل العروض" أخيرا يعيدك إلى براءة السينما، ويأسرك بسحرها ويجعلك تتساءل كثيرا عن الحياة وما يقع فيها من مفارقات، لها مقدمات غريبة، يمكن أن تترتب عليها نتائج أكثر غرابة.
أليست السينما في النهاية.. إحدى أعاجيب عصرنا!

قد ينال إعجابكم