متابعات

مقتطفات من مفاهيم يوهان فان دركوكن

1
-  هذا وذاك وكيف؟

الأمر [في الإخراج] لا يتعلق بإبراز هذا أو ذاك. الأمر يتعلق بكيف يكون الإخراج؟ كيف تكون الأشياء في فضاء معين؟.
لا تٌشرح الأوضاع في فيلم ما أمورا كثيرة، بيد أن المهم أن تكون  الأوضاع عن طريق التشريك. وبالمشاركة فقط تستعيد الأوضاع كل معانيها في عيون المشاهدين ولأنني أساسا غير قادر على تحديد الأشياء بطريقة صافية ومحدّدة، فقد أدمجت [في أفلامي] احساسات تدميرية إذ  الحياة تدمر كل ما نقوم به.
وعندما نجد أنفسنا على هذا المستوى نستنبط نماذج من الواقع. وهذا ممكن في تناول المشاهد اليومية البسيطة.
وأفضـّل أن لا يكون لي سلطة على منظومة تقنية مختصة.
إن الفلم هو عملية وضع الأشياء في موضعها أكثر منها مبادرة خلق حكايات. وهو تجديد العين..
عندما نصوّر إنسانا يتوقف على كينونته كانسان ليتحوّل إلى قطعة روائية من مادّة فيلمية، ومع هذا يواصل في الوجود، إن هذه الحقيقة المزدوجة مشحونة بالتوتر.
وأن تجد شكلا لهذا التوتر يعني خلق عالم متخيل نصف فيه الصراع الانساني وصفا مسطحا.
وعندما أمزج مقاربة الرسام بحبه للموسيقى، ألج رويدا رويدا في عالم الشعر
                                                                                       1969       

2-  عنف النظر
إن فكرة النظر، وقوة النظر، ترجع بي إلى مسألة الواقع. ولا أرى الواقع كشيء يمكن تثبيته على الشريط بمعنى الشريط كمادة (سليلويد أو مغنطيسي ) وإنما كحقل (بالمفهوم المرتبط بخالق لطاقة ما). يبدو هذا مبهما. كل ما أريد قوله هو أن الصورة الفيلمية، التي أحاول تنفيذها هي نتيجة تصادم بين حقل الواقع والجهد الذي أضعه فيها حتى أسبر أغوارها. أمر حركي وعدائي. وفي مكان ما نجد نقطة ارتكاز قويّة وهي طبيعة الصورة الفيلمية.
هناك عدد لانهائي من الصور وعدد من أوضاع الحياة ومع ذلك تجد في أفلامي لحظات لا يقع فيها أي حركة أو شيء: المشهد عبر النافذة في نهاية فيلم "مفهوم الزمن"، الحركة الطويلة (الترافلينغ) في الرواق في فيلم "دياري", والنظرة التي لا تنتهي على الأسرّة الثلاث في فيلم "عصر الجليد الجديد". هذه اللحظات الثلاث أساسية وهكذا يتوقف الفيلم عن دوره في تقديم معلومات حسب النسق المعهود ويجبر المتفرج "لينكمش حول نفسه ويصبح ممتعضا". هذه اللحظات تتبوأ دورا في التعريف: المتفرج يشعر أنه جالس هنا ويشعر نوعا ما بأن أنفاسه الحقيقية تتم حسب نسق  أنفاس الفلم.
وهو الأمر الذي يقع في آخر فلم "القلاع البيضاء"، حيث يكون للرعد نسق بطيء، ورجوع متناسق، ومع المطر الكل يعطينا نسقا بطيئا في شكل زمن ممطط.
وفي مجابهة لحظات كهذه نشعر كمتفرجين جسديا وفكريا أننا "في صلب الحدث" وفي نفس الوقت نعي أننا نجلس أمام الشاشة.
وهكذا أستطيع أن أقول إن المتفرج يذهب بطوعية وبنفسه يبحث عن المعنى في مجابهته للواقع الذي يعكسه الفلم.
بالنسبة لي كل هذا، وبطريقة تصورية أو قل متخيلة، كل هذا يحيل على فكره الديموقراطية، إذ أن كل أفراد المجتمع يتوقون إلى المساواة انطلاقا نحو معرفة ما حيث لا تأتي المعرفة من فوق لكنها  تكتسب عندما نكون أمام واقع في متناول كل الناس
                                                                                  1974 


من فيلم "أحب الدولارات"

3-  الإطار وتأطير المشهد
إن خلق الإطار هي عملية تثبيت نظرة ما على الواقع، نظرة ما تجاه الواقع. التأطير هو الهيئة التي تتصرف في الأشياء في إطارها. وهكذا وجدت نفسي مجبورا على اتباع إطار صلب جدا، يصبح في بعض الأحيان معلميّا.
وهذا هو مكمن ضعف السينما المباشرة حيث تقوم بمسح متواصل للحقل البصري. ولهذا كنت أبحث دوما عن تثبيت نظرة صلبة، في حين أني أصور بالكاميرا المحمولة  على الكتف في العديد من الأحيان و أشعر أن اللقطات تتكون بطريقة تلقائية. ومع ذلك كنت أسعى إلى إبراز أن الفلم، في مواجهة الواقع الذي يعكسه، ذي وجود غير أزلي، وهمي نوعا ما. كنت دوما أشعر أن الناس الذين أصورهم هم في نفس الوقت يعيشون  صراعا في وجودهم، خارج الفلم، وأن الوحدة المفتعلة التي نخلقها ببناء الفلم أمر خادع. في كل فلم نجد أنفسنا أثناء حل معادلة. وأن كل ما يتعلق بالتكون الفيلم ينزلق إلى الروائي، هو محاولة حل مشكلة موضوع ما، لا يمكن حلها في الواقع.
اختيار الإطار وتثبيت نقطة الارتكاز أمام الواقع، هو تعريف الواقع.
هي عملية  تفصح على ما كنا لا نريد الإفصاح به. وهو ما يعطي الوهم بأن الواقع الاجتماعي والسياسي يمكن ترويضه في عملية تكوين الإطار.
إن هذه النظرة للواقع مبهمة ولهذا يجب تدمير الواقع في نفس الوقت .
تأتي عملية تحديد الإطار عندي في كثير من الأحيان متبعة بعملية ثانية وهي تحريك نحو إطار ليس بالضرورة بالجديد، لكن يزيح الأشياء من مكانها ويبرز أن النظرة يشوبها الإبهام، والاعتباطية ويتلوها عدد لا متناهي من نقاط الارتكاز الأخرى.
هناك اجمالا طريقتان في انزلاق الإطار.
الانزلاق الأول يبحث داخل نفس الإطار على إضافة معلومة جديدة... أي أنها أطر متعددة في  نفس الإطار، وانزلاق ثان وهو شخصي و يكمن في الاحتفاظ بنفس نقطة الارتكاز لكن بتحريك  الزاوية تحريكا خفيفا ليفضي إلى علاقات في فضاء الإطار حتى يرتكز على مفهوم "تقريبا". توجد العديد من الأشياء المتماثلة. أن تبرز الواقع يتمثل في تعدّد هذا "التقريب".
                                                                                1977
4-  التصوف السينمائي
... فعلا إن التصوير (الفلمي) هو مهنة حب. حب لا نهاية له ـ موجة غير قابلة للتعريف، يتلقاها ويعطيها الناس، هي قوة حيوية وشغف.
هو عملية حمل الكاميرا والتجوال بها مع صناديقها، وأكياسها، ومكملاتها ومخازن الشريط والمسجل وبكراته والميكروهات ووسائل الإضاءة، على حافة القوة الجسدية، وهي أمور عادية بالنسبة للنساء. هكذا قالت... وكذلك تكرار كلمات، سعيد بلقائك، كل شيء على ما يرام، رائع، مبهر..
إنها عملية جنونية،.. ماذا  نريد تصويره ؟؟ يا ناس يا عقلاء   !
عالمي هو بطن ضخم، ينتفخ، ومن فوق كرة البطن المنتفخة أشاهد ما فوق الأنا، أنا صغير كأصابع الساق.
أما الأنا الآخر  يقول عنه :" الأمر خطير بالنسبة لأجزاء العالم الأخرى الذين يستلمون كل مرّة أقل من حاجتهم ويريدون أن يتوقف ذلك."
وهكذا تخلقُ التوترات، والعنف... وهكذا يطفو تصوف الكاميرا الذي يجب أن نطيعه، عندما يرقص أحد أمامي  وأبدأ في تصويره، أرقص كذلك بالكاميرا، وهنا أرى حدود الإطار ترقص مع حدود الإنسان الراقص، المرآة...
أقوم بتكوينات بالعلامات التي أجمعها شيئا فشيئا، علامات لها عيون تطلق أصواتا علامات تستقبلها امرأة محبوبة ومحبة، صديقة، في عالم حسي جسدي أكون فيه سعيدا، في عالم فيلمي بين ثنايا غازات مشعة وبريئة فوقها الأشياء والأجساد تترقرق، مضاءة، وعندما تدور الكاميرا جيّدا، تصبح الكاميرا ريشة، تصبح الكاميرا ريشة تلعب دور "الزنبراك" زنبراك معدني.(لولب معدني)
وعندما يراك رجلان بأعينهم ذاك أمر محدّد، وعندما ترنو لك أعين رجل وامرأة فهو  أمر آخر، عينان، صوت وصورة، يخلقان العين الثالثة..
                                                                              1974

  
من كتاب "يوهان فن دركوكن مغامرة نظرة" منشورات كراسات السينما 1998

قد ينال إعجابكم

نقد سينمائي

قصة حُبّ سورية

من بين كل أفلام الثورة السورية التسجيلية من السنوات الأخيرة، يتفرّد فيلم "قصة حب سورية" بمكانة خاصة..