متابعات

آسيويون في وثائقيات كارلوفي فاري

المناخ الآسيوي الخاص ظهرت ملامحه في فيلمين دخلا مسابقة  وثائقيات الدورة ال48 لمهرجان كارلوفي السينمائي الدولي. الأول يُكمل ملامح التَشكُل السينمائي الكوري والثاني يحكي عن تجارب فنانين تشكيليين يابانيين خرجوا من عزلة جزيرتهم وهاجروا الى الجانب الثاني  من الأطلسي. الوثائقيان مشبعان بالروح الآسيوية وقيمها، وبخاصة قوة التحكم في مغريات الجسد ومحاولة السيطرة عليه وأن بدا فيلم الأمريكي زخاري هينزرلينغ "الحسناء والملاكم" في ظاهره ساعياً لعرض نماذج مختلفة عن "مواصفات الشخصية اليابانية" السائدة بين الناس، حين قدم تشكيليين يعيشون حياة شبه "بوهيمية" في مدينة نيويورك، فيما تلاءمت شخصية "القبطان كانغ" في فيلم المخرج الكوري الجنوبي وون هو ـ يون مع الصورة النمطية للآسيوي الجَلد، المثابر والحريص على التماسك الأسري في أشد الظروف وأقساها، فهذا القبطان فقد ساقيه في حادث تعرض له مركبه وسط البحر ومع ذلك ظل يديره بإصرار غريب جعل منه نموذجاً يغوي بالتوثيق لما في حياته من تفاصيل تثير الفضول وتستدعي الفكير في مصدر تلك الطاقة الداخلية للبشر؟

يابانيون في أمريكا
لطالما وصفت اليابان بالجزيرة المعزولة وبسبب عزلتها ظلت لغزاً أحال مفكرون كثر أسباب تكون الأمة اليابانية، وما أصبحت عليه الآن، اليها. السينما ومن مفارقات تاريخ الجزيرة نفسها لعبت دوراً مذهلاً في الكشف عن أسرار وخفايا حياة مخلوقات تلك الجزيرة العجيبة التي لعبت دوراً مهماً في التاريخ البشري، ودفعت الناس لتأمل تجربتهم ومعرفة خواصهم الحضارية لهذا وبسبب من ذاك الغموض تشكلت صورة نمطية عن مواصفات الياباني: المنضبط في العمل المقتصد في التعبير عن مشاعره والمحافظ الى حد كبير. في ملاحقة زخاري هينزرلينغ ليوميات الزوجين أو العاشقين التشكيلين أوشيو ونوريكو شينوهارا نجد أنفسنا أمام شخصيات رافضة ومتخلصة من اطار انتماءاتها القومية أو الأخلاقية، بل وعبثية الى حد كبير انتمت الى الفن الرافض أو ما أطلق عليه "جونك أرت" وخاماته الأساس "النفايات" وكل ما هو مهمل ومتروك.

عنوان الفيلم "الحسناء والملاكم" مستمد من "المكون الياباني" فالفنانة نوريكو جاءت الى الولايات المتحدة الأمريكية وعمرها لم يتجاوز سن الرشد، التقت بأوشيو وكان قد بلغ سن الأربعين. كان له اسلوباً خاصاً بالرسم قوامه وضع قفاز ملاكمة في يديه ثم طمسها بالألوان والبدء بلطمها على سطح اللوحة. كان ملاكماً تشكيلياً بحق، ولهذا صح جمعهما تحت عنوان واحد "الحسناء والملاكم" غير ان الفيلم يتجاوز كثيراً البحث في الفن وشغلهما فيه الى محاولة رسم بورتريه خاص بهما يجسد حياة بشر جاؤا من ثقافة مختلفة ومن جزيرة ظلت لغزاً على شعب ما زال يشعر حتى اللحظة بأنه ارتكب مجزرة هي الأكبر في التاريخ البشري حين أسقطت طائرات جيشه قنبلتها الذرية على أرض تلك الجزيرة الوحشية الطامحة للسيطرة على العالم. وجود بشر من العالمين المتناقضين في مكان واحد لوحده يثير أفكاراً وأسئلة، وخروج صارخ عن النمط الياباني في مكان آخر يسترعي مراقبة متأنية ومن أجل كل هذا يدعو الوثائقي الى التأمل في قدرة الفن على الجمع "الغريب" للمتناقضات وعلى قدرة الفنان التلائم مع ذاته المتحررة لكن دون اطلاق أو انسلاخ كامل عن الموروث ذاته. فاليابانيان يعيشان حياة فقيرة، مستلزماتها ليست بالكثيرة لقلة ما يُدخل الفن اليهما من مال. حين التقاهما زخاري هينزرلينغ لم يكونا مشهورين  لكنه تابع مرحلة طويلة ومهمة من حياتهما المهنية تمكنا خلالها من اختراق حواجز الدخول الى عالم تجارة الفن التشكيلي في أمريكا بعد عناء طويل وتجارب قاسية عكساها في أعمالهما وفي أحاديثهما أمام الكاميرا التي سجلت جماليات لونية جعلت من الفيلم نفسه لوحة رائعة بهية الألوان عبثية متداخلة فيها الشخصيات والتجارب والقيم. انها لوحة سينمائية عن عالم يحمل في جوانياته متراكماً معرفياً تجسد أمامنا في علاقة حب بين رجل وأمراة انتهت أو قاربت على الإنتهاء في خاتمة وثائقي مس جزءاً  من خفايا الروح الآسيوية كما فعل "القبطان كانغ"

"قصيدة الجسد الناقص"

حكاية القبطان كانغ، شاعرية، كتبت بعين سينمائية حساسة التقطت الكثير من الصور الغرائبية التي يكوّنها البحر والسماء التي تغطيه، جمعهما معاً على سعتهما ورمى الرجل المقطوع الساقين وسطهما بكل تكوينه الانساني المتناقض والناقص هذة المرة. رجل صامت يقود قارباً صغيراً. فريقه يؤدي وظائف خارج حدود مهنته، وظائف فرضتها نواقص جسد القبطان، فهم يحملونه على ظهورهم أحياناً لينقلوه من هذا الجانب من السفنية الى ذاك، ما خلق وشائج علاقات تكاملية خارج المهنة نفسها، هي أقرب الى الرعاية الشخصية أو العائلية من الدور الموكل اليهم، كبحارة ومن جانبه كان يحاول القبطان شحن أكبر قدر من القوة الجسدية للتخفيف من اعتماده الذي يضعف مهنياً دوره كقائد سفينة بكل طاقمها. علاقة تبادلية لم يعلن عنها أحد طيلة فترة التسجيل حتى ولو بطريقة عفوية في الوقت الذي كان هذا يؤرق منام القبطان ويترجم التفكير المبطن داخله على شكل كوابيس أكثرها عن الموت وزيارته المتكررة اليه. لقد نقل وون هو ـ يون تلك الكوابيس على الشاشة بطريقة مدهشة تطابقت مع مواصفات المدرسة السينمائية الكورية التي في هذا الوثائقي تدلل مرة أخرى الى تلك الملامح  الخاصة بها، كسينما تعتمد التقنية الحديثة اسلوباً مع حفاظ على روح آسيوية محلية صرفة تعكس روح شعوبها بقدر كبير مثل "القبطان كانغ" فهو مع كل عجزه يحرص على تماسك أسرى، وبنفس المقدار يترك لقوة الوجود الروحاني داخله فرصة التحرك لتأخذ مكانها في حياته، مثله مثل ملايين الآسيويين الذين يجمعون، في عصر النمو الرأسمالي المجتاح بلدانهم، بين القيم الروحية القديمة والمادية الجديدة ويتناغمون معها في قسوة. يتركون لكل جانب فرصته على حسابهم في النهاية فالجمع بين مقتضيات الجسد المتطلبة وبين الروح الزاهدة ليس أمراً هيناً على رجل تغذى من موروث طويل عماده التقشف، ولهذا نجد بحارنا قلقاً من الزمن القادم ومتشككاً بقوة تماسكه الداخلي على تحمل متطلباته بجسد ناقص وقيم متناقضة تحَملَّها لأكثر من عشرين عاماً حين قُطعت ساقاه واليوم يتأمل واقعه من غرفة قيادته بصمت قد لا يفهمه سوى البحر ولا يعبر عن مكنوناته سوى الأحلام الليلية وربما بقايا أمل في أن تنقضي سنوات عمره القادمة بصمود مرتجى لجسد ناقص في وجهها، كما يصمد مركبه الصغير، أمام عواصف البحر الهائج. 

قد ينال إعجابكم