متابعات

"يوميات شهرزاد" قضايا النساء بعمق وواقعية

بيروت- الجزيرة نت الوثائقية

أطلقت المخرجة زينة دكاش فيلمها الوثائقي "يوميات شهرزاد" بعد أن جرى عرضه في مهرجان دبي السينمائي الدولي 2013، وحاز فيه على جائزة الإتحاد الدولي للنقاد (فيبريسكي) FIPRESCI و شهادة التقدير ضمن مسابقة "المهر العربي للأفلام الوثائقية".

و"يوميات شهرزاد" فيلم وثائقي هو امتداد وتوسيع لمسرحية "شهرزاد ببعبدا"، المسرحية التي اشتغلت عليها دكاش مع سجينات سجن بعبدا في إطار علاجها لهم بالدراما بوصفها متخصصة في هذا المجال، والعملان المتشاركان في المضمون بقوة، ويختلفان بالشكل بالنسبة لانتماء كل منهما لصنف من الفن، يلاحقان قضايا المرأة في المجتمع اللبناني، والمجتمعات التقليدية، وربما كل مجتمعات العالم، القضايا التي تصنف بقضايا المرأة في المجتمع الذكوري، كما تؤثر مخرجة العملين زينة دكاش، ومعها كل الجمعيات النسائية العاملة في نطاق قضايا النساء، وتعرضهن للعنف، والظلامة التي تلحق بهن في مجتمعات تميزهن عن الرجل.

وتأتي تجربة المسرحية والفيلم عقب تجربة سبقت هي "12 لبناني غاضب" في سياق علاج السجناء بالدراما، ونال عملها أيضا جائزة "المهر العربي" الاولى عن فئة الوثائقي في مهرجان دبي السينمائي الدولي عام 2009 وبجائزة "اختيار الجهمور" في المهرجان عينه.

في واقعيتها، تقدم دكاش المشكلة النسائية في إطار تلتزم بالتسمية الدارجة عليه "مشاكل النساء في المجتمع الذكوري"، ولا تدعي الثورة على المجتمع الذكوري، والعمل على مساواة المرأة بالرجل، رغم قناعتها بأهمية ذلك، على ما يتلمس المرء في الحوار معها من خلال الحديث عن تجاربها المسرحية والسينمائية.

لكن دكاش تؤثر أن يظل عملها في إطار تقديم المساعدة للمحتاجين مباشرة لها، أي في المعالجة الموضعية للمشكلة، لعدد من الأشخاص، هم السجناء أو السجينات، وفي مكان محدد، هو السجن كمرآة للمجتمع، وليس في المجتمع كله، ملتزمة بالدور الذي أعدت نفسها له وهو العلاج بالدراما، والذي من أجله أسست جمعية "كاثارسيس” المتخصصة بهذا الشأن.

في هذا الإطار، تأمل دكاش في تصريح ل"الجزيرة الوثائقية" أن "الوثائقي سيضم جهوده لعدة جهود تتضافر من أجل تأمين الحماية للمرأة من العنف الأسري، والمطالبة بحقها بقانون يحميها، فنحن، مثلا، في بلد تستطيع الفتاة أن تتزوج وهي بعمر الثانية عشرة، لواحد يفوقها الكثير من السنوات، ولا أحد يضمن ما الذي يفعله بها، وهي بعمرها الصغير لا تعي ماذا يحدث معها، ولا ماذا يجب أن تفعل- كما تقول- وإذا لجأت إلى القوى الأمنية عند تعرضها للعنف، لا تجد من يرد عليها لأن لا قانون يمنع عنها ممارسة العنف بحقها”.

وترى دكاش أن "السجن مرآة للمجتمع، وهو حالة مصغرة لمجتمع أكبر، فالموجود في الداخل موجود في الخارج بشكل مصغر”.

عن الفيلم
الفيلم يمتد زهاء ثمانين دقيقة، وفيه عرض روايات السجينات عن الأسباب الكامنة خلف اعتقالهن، وهي بمجملها أسباب اجتماعية، تتراوح بين جريمة القتل (غالبا للزوج)، والسرقة، وتعاطي المخدرات والاتجار بها. تؤدي كل سجينة روايتها بطريقتها الخاصة، بعد ان مرت بتجربة العلاج بالدراما لمدة سنة، وفيه كشفت ملابسات قصتها-الجريمة المفترضة- وناقشت أبعادها، وأظهرت مدى الظلامة التي يمكن للأنثى أن تتعرض لها في المجتمع الذكوري حيث يتمادى أسياده في ممارسة سلطتهم الاجتماعية عليها، فتحصل جراء ذلك الكثير من المشاكل التي قد تودي بالأنثى إلى ممارسة خطأ لم تكن تريده، أو لم تكن على بينة من أبعاده.

تم تصوير الفيلم داخل سجن بعبدا أثناء وبعد انتهاء مشروع العلاج بالدراما، والمسرحية "شهرزاد ببعبدا" التي أقامتها المخرجة و المعالجة بالدراما زينة دكاش طوال عشرة أشهرعام 2012.

تتحدث زينة دكاش عن أهمية الفيلم في أنه "يدخل الكواليس ويطرح المواضيع بعمق أكبر من المسرحية، ونعرف أكثر قصصهن الشخصية، ويضيء بقوة على موضوع العنف الأسري، وإلى أين يمكن أن توصل ممارسة العنف الأسري بالمرأة في وقت يغيب القانون الذي يمكن أن تلجأ له ليحميها”.

المضمون- المشكلة
لا يتخصص عمل دكاش في مكافحة المجتمع الذكوري، لكن دكاش تنضم إلى مختلف الفعاليات العاملة في مواجهة تداعيات هذا المجتمع، وتداعيات سيطرة الرجل عليه، ومنه على المرأة، وتعرض الكثير من النساء لما يسمى العنف الأسري، والعدوان والتحرش وما إلى ذلك من مشاكل منتشرة في غالبية مجتمعات العالم، ومنها الأكثر تطورا، وإن بشكل متفاوت.

في التعبير عن التحسس بالمشاكل الناجمة عن البنية الذكورية للمجتمع، تضيف النساء هما جديدا على همومهن، فهن يرفعن سقف المطالبات بالمساواة، في الوقت الذي لا يمكن تحقيق تلك المساواة إلا في شكل جزئي، ترقيعي، مؤقت مهما بلغت المطالبات، والأنشطة القائمة من أجلها، ذلك أن الذكورة لم تسم المجتمعات البشرية بالصدفة، ولا بسبب قوة عضلات الذكر، إنما جاءت من خلال التطور التاريخي الذي شهدته البشرية منذ آلاف السنين، وجرى فيه الانتقال من مرحلة الأمومة-المشاعة، التي ما تزال نماذج المجتمعات البدائية قائمة حتى اليوم في أفريقيا وأميركا الجنوبية والقارة الأوقيانية، إلى مرحلة الاستقرار الزراعي، وبدء تملك الانسان للأرض، ولانتاجها  مستخدما القوة لانتاجها من جهة، وحمايتها من جهة ثانية.

لم تعد الأنثى ركيزة المجتمعات البشرية. كانت الانثى هي المنتجة للنوع والحامية له والمؤمنة على استمراره في المجتمعات البدائية، وأصبح الذكر هو القيم على الملكية الزراعية، وتأمين استمرارها وبالتالي تأمين استمرار النوع وديمومته وحياته، وبذلك أصبح قيما على المجتمع، وصاحب السلطة فيه.

ومع مرور الوقت، تحولت سلطته إلى تسلط، واصبحت الانثى ملحقة به، خاضعة له وإلا خسرت حياتها. وحتى عندما دخل العالم عصر الحداثة مع بروز الثورة الصناعية والعلمية في أوروبا، والغرب بصورة عامة، وبرزت مفاهيم محدثة تدعو لحرية المرأة ومساواتها بالرجل، بقي الذكر-الرجل قيما على المجتمع، وإذ أفسح في المجال لحرية ما للانثى، فإنما للحاجة إليها لاستكمال الدورة الاقتصادية، وليس من باب الشفقة، أو الرحمة، أو الفهم الواعي-الانساني للمساواة.  

لم يبد على دكاش توهم الغوص في قضية المرأة في البعد التاريخي له، إنما ظلت مقتصرة على علاج بعض تداعيات المجتمع الذكوري على الاناث. ومن البدء بالعلاج بالدراما مع السجينات، إلى عرض نتاج العلاج في مسرحية، ثم في فيلم، عمل طويل ودائب وشاق، لكنه يلعب دورا هاما في الإضاءة على الأمراض الاجتماعية التي نعيش، خصوصا على واقع قطاع كبير من النساء في مجتمعاتنا.

قد ينال إعجابكم