متابعات

"المحار المكسّر" للمخرج الكوردي سيف الدين توكماك

بؤر المهمشين والخارجين على القانون والحالمين بمستقبل أفضل

عدنان حسين أحمد
ينطوي فيلم "المحار المكسّر" للمخرج سيف الدين توكماك على ثيمات متعددة تبدأ من حياة المهمّشين ولا تنتهي بالهجرة، وما بينهما مساحة واسعة تكتظ بها أرواح يائسة وأخرى مفعمة بالأمل على الرغم من ضيق ذات اليد الذي يعاني منه الفقراء والمعوزين أو الذين قادتهم ظروف الحياة الشائكة إلى مواقف صعبة لا تُحمد عقباها.
نستطيع القول باطمئنان كبير أن هذا الفيلم هو فيلم أحداث وشخصيات بامتياز وكأنَّ المخرج أراد أن يجمع أكبر عدد ممكن من الثيمات ويزّجها في "93" دقيقة لا غير. لا شك في أن الفيلم يُصنّف ضمن أفلام "الفتيان" أيضاً، ذلك لأن بطولته تتوزع بين حكيم "أوغور مهمت أوغلو" و فيصل "سيدو جليك"، هذا إضافة إلى الصبية البوسنية إيلما "إيبيك كيزيلورس" التي تأخذ حصة لا بأس من بطولة الفيلم. كما أن أدوار البطولة على أهميتها وثقلها النوعي لا تقلل من أهمية الأدوار المُسندة إلى بقية الشخصيات التي تئن تحت ضغوط الواقع اليومي الذي يعيشه المهمشون وغير المهمشين. فالفيلم في جوهرة يذكِّرنا كل لحظة بأنه معنيّ بالصبيّين الكورديين حكيم وفيصل اللذين تركا "ماردين" وجاءا إلى إستانبول بهدف العمل وتحصيل الرزق الحلال.

وإذا كان فيصل شخصية بريئة وساذجة إلى حدٍ ما فإن شخصية حكيم لا تخلو من مراوغةٍ ولفٍ ودوران، بل أنه لا يرى حرجاً في أن يسرق موبايل رئيسه في العمل أو أن يسطو على كيس من المحار في الليل ثم يبيعة في رابعة النهار، لكن بعض الشباب الأشقياء يعتدون عليه، ويشبعونه ضرباً إلى الدرجة التي مزقوا فيها حذائه وظل حائراً بين إشباع معدته الخاوية أو ترميم حذائه الممزق. لقد حضر الأشقياء المهمشون غير مرة على مدار الفيلم لأن المخرج وكاتب النص أرادا الإشارة إلى بعض الأحياء التي تغص بهذا النمط من الشخصيات الاجتماعية المؤذية. فأحد الشبان الثلاثة الذين أوسعوا الصبيين ركلاً ورفساً أراد أن يقطع أذن حكيم بالسكين، كما أن أحد الشقيين قلبَ صينية المحار التابعة للصبيين على رصيف الشارع في منطقة "كامكابي" التي تقع في ضواحي إستانبول. وعلى الرغم من أن إستانبول مدينة كوزموبوليتانية إلا أن الصبيين يحلمان بالعيش في ألمانيا، أو الفردوس المفقود الذي يجمعان فيه النقود، ويطمئنان على مستقبلهما، لكن ابن عمهما "سالم" يبعث رسائل مخطوءة العناوين. لقد تشرّد هذا الصبيان لمدة من الزمن ثم عملا في عدة مهن، لكن حكيماً لا يرضى بغسل الصحون مثل ابن عمه فيصل لذلك يجازف بالعمل مع جواد "إنجين بينلي" حيث يتغيّر مسار الفيلم ليكشف لنا عن شخصية شديدة الخطورة لا تتورع عن المتاجرة ليس بالمخدرات حسب، وإنما بالأعضاء البشرية حيث تنعطف قصة الفيلم إلى زوايا سريّة تكشف عن مهربين، ومقيمين غير شرعيين، وضحايا، ومومس روسية يلاحقها جواد على مدار الفيلم عبر حكيم أو غيره من الناس الذين يطمئن إليهم.
ربما ينتقد البعص كاتب السيناريو كِنان كاووت لأنه لم يسرّع في الأحداث غير أن البناء الفني للفيلم يستدعي هذا النمط من التأمل في طبيعة الأحداث، وطريقة تطورها المنطقية التي تعكس نمو الشخصيات، فنحن أمام مشكلات جدية بعضها يُحسم بتوفر النقود، لكن البعض الآخر يخرج عن هذا الإطار تماماً. فعندما توفرت النقود لجواد وفيصل وإيلما لم يكن باباتنودا راغباً في هذه المجازفة وقد عرفنا من خلال إدعاءاته بأنه مُبحر إلى اليونان وليس إلى ألمانيا.
ثمة حكاية موازية لقصة الصبيين الكورديين حكيم وفيصل. فالسيدة البوسنية "مدينة" (سلمى أليسباهي) قد جاءت إستنابول بطريقة غير شرعية وسكنت في هذا الفندق المشبوه الذي يديره غجري يتعاطف كثيراً مع الفقراء والمهمشين لكن قبضة سيده هي الأقوى دائماً فلا غرابة أن نجده في موضع اللوم والتقريع. تحاول "مدينة" أن توفر النقود كي تعالج ابنتها إيلما التي تعاني من مرض في القلب، لكنها تسافر إلى البوسنة في رحلة لم تكشف الكثير عنها سوى القول بأنها عائدة بعد يومين. وحين تدهم الشرطة التركية هذا الفندق المشبوه نكتشف أن جواداً لا يتورع عن سرقة الكُلى البشرية والاتجار بها. كما عرفنا عن تورطه بالمخدرات وإيواء المهاجرين غير الشرعيين وممارسة العهر، فأوسكانا، مومس روسية يمارس معها جواد دورين في آنٍ معا، دور القوّاد ودور العشيق، لكن السلطات الأمنية لم تترك حبلها على الغارب فهي تتابع من طرفها هذا الشخص المنحرف الذي يجد نفسه في سيارة الشرطة التي ستأخذه إلى حبس طويل الأمد. أما الصبية إيلما التي لم تعد أمها من رحلتها الغامضة فتقرر الهرب مع الصبيين لأنها لا تريد أن تذهب مع الشرطة الذين سوف يسفِّرونها حتماً إلى البوسنة. وحينما يفشل حكيم في إقناع باباتوندا بالرحيل إلى ألمانيا يذهب إلى رصيف مطل على البحر، وهو ذات المكان الذي شاهدناه فيه، في مفتتح الفيلم، يبيع الشاي لأصحاب السيارات والعشاق الباحثين عن الخلوة في ذلك الرصيف المنزوي عن أنظار الشرطة والناس العابرين. وحينما يهبط الليل ينام الثلاثة في زورق محطّم ثم نراهم يستفيقون ثلاثتهم في صباح جديد يكتظ كالعادة بأفكار خلاقة لحكيم الذي اقترح عليهم أن يعملوا هذه المرة في بيع الأقراص المدمجة التي سوف تدر عليهم مالاً كثيراً يؤهلهم للسفر إلى ألمانيا من جديد.

نعتقد أن فكرة الفيلم تضرب في الصميم وهي ترصد بأمانة كبيرة حياة الشخصيات المهمشة، والضعيفة من جهة، والمتجبِّرة والخارجة على القانون من جهة أخرى. وقد تعاطف المتلقون مع الصبيين حكيم وفيصل غير مرة، كما تعاطفوا كلياً مع شخصية إيلما التي وجدت نفسها ضائعة ومشردة لولا براءة فيصل وأخلاقه القروية النبيلة، ولو تركنا الأمر لحكيم لاتخذت القصة السينمائية مساراً آخر. لا بد من الإشادة بمصور هذا الفيلم مهمت زنكين الذي قدّم لنا لقطات ومشاهد بصرية مدهشة لحركة الحياة وسط الطبيعة الإستانبولية المذهلة التي تسمِّر الناظر وتمنحه قدراً كبيراً من المتعة والغنى الروحي الذي لا يعرف كيف يتسرّب إلى روحه. أما مونتيرة الفيلم جيجيك قهرمان فهي معروفة بلمساتها الفنية في عدة أفلام أسهمت في مونتاجها مثل "كتاب العطلة"، "ريح جنوبية"، "من دون ظل"، "يأسنا العظيم"، "المسبحة" وغيرها من الأفلام الجادة الرصينة. لقد أثنينا على كاتب السيناريو كنان كاووت لكن هذا الثناء لا يمنع من مقارنتنا لهذا الفيلم مع فيلم آخر يشترك في مسابقة الأفلام الروائية لمهرجان لندن الثامن للسينما الكوردية يحمل عنوان "وحيد" أو "بيكس" بالكوردية لكارزان قادر وهو يتحدث عن رحلة مفترضة يقوم بها كلاً من "زانا" و "دانا" إلى أميركا كي يقدّما قائمة بأسماء الأشخاص الذين يجب أن يعاقبهم السوبرمان لكنهما لا يمتلكان المال، وجوازت السفر، كما أن وسيلة سفرهما الوحيدة هي ظهر حمار لا غير!.

قد ينال إعجابكم