متابعات

"العصبة المتوحشة": مشاهدة جديدة لفيلم قديم

أمير العمري

الفيلم هو "العصبة المتوحشة" The Wild Bunch (1969) الذي أخرجه المخرج الأمريكي سام بكنباه (1925- 1984) الذي تعيد مشاهدته إلى الأذهان ما كانت عليه هوليوود في تلك الفتر، أي وقت صنع الفيلم، وما أصبحت عليه الآن. كانت المفاهيم السائدة للفيلم السينمائي لدى الجمهور لاتزال وقتها- بالرغم من التعديلات التي أدخلت على قواعد الرقابة في أمريكا قبل ظهور الفيلم بفترة قصيرة- أن العنف يجب أن يكون "معقولا"، ويجب أن يكون تصويره على الشاشة "مدانا" خشية أن يصبح مجالا للإعجاب من جانب الجمهور، وهو ما قد يؤدي إلى محاكاته.
وكان ما تعرض له الفيلم من هجوم من جانب كثير من النقاد، ينطلق من الأسس الواقعية للنقد، وليس الجمالية، أي من فكرة أن الفيلم يجب أن يكون مخلصا للواقع، أو للإيحاء بواقعية ما نشاهده، في حين يرى نقاد الجماليات أن الفيلم يمكن أن يكون كيانا فنيا قائما بذاته مستقلا عن الواقع، يخلق واقعه الخاص. هذا الجدل هو ما يصبغ ذلك الصراع الممتد بين دعاة الواقعية، ودعاة الأسلوبية، بين الفيلم كأداة لتفسير الواقع، وبينه كأداة للتعبير عن رؤية الفنان للواقع من خلال نظرته الخاصة، بين الفيلم كمضمون- إجتماعي وسياسي- والفيلم كشكل سينمائي يتطور، ويخضع للتجريب باستمرار.
كانت الستينيات من ناحية فترة رواج لما عرف بالنقد القائم على الواقعية، وعلى التفسير السياسي للسينما ولكنها كانت في الوقت نفسه، فترة ازدهار كبير لمفهوم "الأسلوبية الفردية"  التي أطلق عليها "فيلم المؤلف"أو صاحب الرؤية. ولاشك ان "العصبة المتوحشة" يقع تحت هذا التصنيف.
كنا نشاهد في معظم أفلام الغرب الأمريكي (التي تعرف بـ"الويسترن" Western) الكثير من مشاهد القتل وإطلاق الرصاص وسقوط الضحايا، لكن كان من النادر أن نرى مثلا آثار القتل أو إطلاق الرصاص.. أي الدماء أو مكان اختراق الرصاصات للوجه أو للصدر.. إلى أن جاءت أفلام "الويسترن الاسباجيتي" الإيطالية وعلى رأسها أفلام المخرج سيرجيو ليوني، وفيها نسمع صوت طلقات الرصاص ليس كما نسمعها في الواقع بل مضخمة كثيرا جدا بشكل فني بحيث تصبح لها موسيقاها الخاصة، ونرى اختراق الرصاصات للجسد وللوجه أحيانا بشكل يبدو كارتونيا، أي مبالغا فيه كثيرا، وهو ما يؤكد أن الإخلاص للأسلوب يطغى على فكرة محاكاة الواقع.

شاهدنا أيضا استخدام آلات القتل الحديثة مثل ذلك المدفع الرشاش سريع الطلقات وكيف يستخدم في القتل الجماعي في فيلم "من أجل مزيد من الدولارات" For a Few Dollars More الذي ظهر عام 1965.. لكن أفلام الغرب الأمريكية الإنتاج لم تكن قد عرفت بعد هذا المستوى من العنف. ولاشك أن سام بكنباه تأثر في فيلمه "العصبة المتوحشة" بما قدمه سيرجيو ليوني في أفلامه "الاسباجيتي" وخصوصا فيلمه "حدث ذات مرة في الغرب" Once upon a Time in the West الذي ظهر ف يالعام السابق مباشرة على :العصبة المتوحشة" . ولاشك أيضا أن باكنباه كان يقدم رؤيته "الأمريكية" الخاصة للويسترن ردا على موجة أفلام الاسباجيتي وتأكيدا لأصالة النوع الأمريكي أساسا، ولم يكن في ذلك غريبا عن ثقافته وتاريخ بلاده بل وتاريخ الويسترن في هوليوود عموما.
وقد إنقسم النقاد والجمهور إنقساما حادا حول فيلم "العصبة المتوحشة"، بين إعتباره عملا يستغل العنف ويوظفه من أجل الإثارة والصدمة والإبتزاز- أي إبتزاز المشاعر- ومن إعتبره عملا سينمائيا كبيرا من أعمال الفن، بل إن هناك من بلغت به الحماسة أن إعتبر تصويره للعنف بكل تفاصيله، دعوة إلى مناهضة العنف!

نهاية الغرب
كان بكنباه يرغب في تصوير نهاية الويسترن، أي نهايته في الواقع وفي السينما، وأن يقدم مرثية لأبطاله الذين إستقروا لعقود- في الخيال الشعبي الأمريكي وغير الأمريكي. كان الفيلم تصويرا حزينا شفافا لغروب عصر الويسترن، وبداية عصر جديد سيبرز فيه كثيرا دور الآلة (نشاهد في الفيلم السيارة كما نشاهد البنادق المتعددة الطلقات والمدفع الرشاش).
نحن هنا أمام ستة من أفراد عصابة واحدة: قتلة ولصوص وقاطعو طرق وأوغاد، لكنهم يتمتعون أيضا بروح المرح، أهم ما يميزهم إخلاصهم الشديد لبعضهم البعض. هناك أيضا ذلك "النبل" الخفي الذي يكمن تحت قشرة التوحش والقتل عند الضرورة بدم بارد. هؤلاء الأشقياء تقدم بهم العمر الأن ونحن في عام 1913 أي قبيل إندلاع الحرب العالمية الأولى مباشرة وإنتقال العالم إلى مستوى جديد من القتل الجماعي. وهم يرغبون في القيام بعملية أخيرة تكفل لهم تحقيق ثروة ما يتقاعدون بعدها ويعيشون حياة هادئة.
في المشهد الأول من الفيلم الذي يستغرق نحو 7 دقائق، نراهم يغيرون على مكتب للسكك الحديدية في بلدة في ولاية تكساس، يستولون على أكياس من القطع الفضية سرعان ما سيكتشفون أنها مجرد قطع معدنية عديمة القيمة، بعد أن ينجحوا في الفرار من المصيدة التي نصبها لهم الرفيق القديم لزعيمهم "بايك" (وليم هولدن) أي "ثورنتون" (روبرت ريان) الذي كان في انتظارهم مع مجموعة من المسلحين، فهو الآن يعمل تحت إمرة صاحب مكتب بريد السكك الحديدية، أي الرأسمالي الثري الذي يستأجر ثورنتون ومجموعة من الرجال لحماية ممتلكاته. تدور معركة بالأسلحة النارية من أكثر المعارك عنفا على الشاشة، يقتل خلالها عدد كبير من سكان البلدة الأبرياء، ويفر أفراد المجموعة بعدها إلى المكسيك حيث يلتقون هناك بجنرال منشق عن الحكومة المكسيكية يقنعهم بالاستيلاء لحسابه على حمولة من الأسلحة يحملها قطار في طريقها لإحدى فرق الجيش الفيدرالي، مقابل الحصول على خمسة آلاف دولار من الذهب.
هنا تصبح العصبة المتوحشة مطاردة من ناحية  من جانب ثورنتون ورجال تنفيذ القانون الذين يرغبون في الحصول على مكافأة مالية ضخمة رصدتها الحكومة لمن يأتي بجثثهم، ومن جانب الجيش الأمريكي، ومن جانب الجنرال الذي يريد أن يضمن وصول الأسلحة إليه.
تتمكن العصبة من القيام بالمهمة، وتقوم بتسليم الأسلحة واستلام الذهب، وتضليل ثورنتون ورجاله. هنا كان يمكن أن ينطلق الجميع بالثروة التي حصلوا عليها. لكن الجنرال السادي المكسيكي يصر على الاحتفاظ بأحد أفراد العصبة وهو الشاب المكسيكي، وتتاح فرصة أخرى لأفراد العصبة للإفلات من البلدة التي يسيطر عليها الجنرال في حماية مئات من الجنود الين أصبحوا الآن مدججين بالأسلحة الحديثة وبالمدفع الرشاش ايضا. ولكنهم يقررون المواجهة وبالتالي الموت وكأن الموت هنا قدر لا فكاك منه، بل وهدف بعد أن لم يعد لديهم هدف في الحياة.

الصراع مع النفس
هذا ليس فيلما من أفلام الويسترن يصور الأبطال والأشرار، فالصراع ليس بين الخير والشر، بل أعمق من هذا. إنه صراع مع النفس، داخل النفس، شيء أقرب إلى الحس الوجودي العبثي الذي يجعل المرء يقبل على نهايته بل ويصنعها بنفسه. ويتحرك أفراد العصبة بدافع من الخوف أكثر مما تدفعهم الشجاعة. الخوف الداخلي يجعلهم لا يترددون في ارتكاب العنف. بعد أن تتمكن العصبة من الفرار بعد سرقة مكتب محطة القطارات في البداية، يقوم بايك بقتل أحد أفراد المجموعة الذي أصيب ولم يعد قادرا على امتطاء حصانه، وذلك دون رحمة أو شفقة أمام عيون باقي أفراد المجموعة.
لكن بايك نفسه هو الذي يرأف لحال عاهرة مكسيكية لديها طفل رضيع في المشهد الذي يسبق مشهد النهاية في البلدة المكسيكية، عندما يمنحها بعض القطع الذهبية. فالمشاعر تختلط وليس من السهل إصدار أحكام أخلاقية قاطعة على البشر.
كان يمكن لأفراد المجموعة الإفلات إذا تخلوا عن زميلهم المكسيكي. لكن عبارة واحدة مقتصدة للغاية من زعيمهم بايك (وليم هولدن) هي "دعونا نذهب" تكون كافية تماما لأن يفهم الجميع المقصود.. أي"دعونا نذهب للمواجهة مع هذا الجنرال الوغد ولا نترك زميلنا يتعرض لذلك التعذيب المهين.. حتى لو أدى ذلك إلى هلاكنا.. فالحياة لم تعد مهمة، فماذا سنفعل بها الآن". هذا ببساطة هو المعنى المقصود.
يصمم باكنباه المشهد بحيث يجعل رجاله الأربعة (الخامس العجوز سقط مصابا وسيظهر في النهاية، والسادس هو أنجلو المكسيكي الأسير لدى الجنرال) يتجهون في مسيرة طويلة نسبيا (أكثر مما توحي المسافة بين موقعهم خارج الماخور وبين مقر الجنرال) وبينما هم يسيرون حاملين بنادقهم في وضع الاستعداد، على جانبي الطريق يصطف بشكل غير منظم عشرات المكسيكيين، بعضهم من الجنود والبعض الآخر من الأهالي الفقراء والأطفال، بعض هؤلاء يعبر أمام الرفاق الأربعة، من اليسار إلى اليمين، فرادى أو في ثنائيات، يتفرسون في وجوههم، والموسيقى شبه العسكرية مستمرة، وكأنها مقدمة للمواجهة التي ستكون مفاجئة للجميع. في البداية يرفض الجنرال أن يعطيهم زميلهم "أنجلو" المكسيكي ثم يوافق ويتأهب الجميع لما سيحدث وهو يسوقه إليهم بنفسه لكنه يفاجئهم بقطع رقبته بالسكين فينهال الرصاص من كل صوب ليقتل الجنرال ثم يقتل أيضا أقرب معاونيه لتبدأ المذبحة الكبرى قرب النهاية التي تستغرق 10 دقائق كاملة. يقتل أفراد العصبة الأربعة عشرات الجنود المكسيكيين ويقتل بايك على يدي الطفل المكسيكي الذي رأينه من قبل الجنرال يعلمه استخدام السلاح، كما يقتل باقي أفراد العصبة.

معالم الأسلوب
يبلغ العنف مبلغه في الفيلم عموما وفي المشهد الأخير بوجه خاص، لكن هناك أيضا نوع من النبل في علاقة أفراد المجموعة ببعضهم البعض وولائهم لبعضهم حتى النهاية. هنا نرى كيف أن المجرم القديم ثورنتون، صديق بايك القديم الذي تخلى عنه بايك كما نرى في أحد مشاهد الفلاش باك، فقبض عليه وقضى سنوات تحت التعذيب في السجن، ثم أطلق سراحه على أن يقبض على بايك وعصبته، في البداية يتقاعس عمدا عن قتل بايك رغم إستطاعته، فالرباط القديم بينهما لايزال موجودا. وقبيل النهاية بعد أن يصل إلى البلدة المكسيكية ويرى جثث جميع أفراد العصبة، يجلس حزينا على الأرض، يتذكر الماضي الذي كان بأسى وحزن، وعندما يطلب منه زملاؤه العودة معهم بجثث الرجال، يرفض. لكنه يقبل الالتحاق في النهاية بالعضو الوحيد من أعضاء العصابة الذي بقى على قيد الحياة مع رفاقه الثوار المكسيكيين الذين أنقذوا حياته. لقد تغير الهدف الآن، فبعد أن كان القتال في الماضي من أجل السرقة، أصبح الآن من أجل الثورة!

إن كل مفردات سينما الويسترن موجودة في هذا الفيلم: السعي للحصول على الذهب سواء بالسرقة أو بالمقايضة، اللهو في أحد بيوت المتعة، الحفل الليلي وسط سكان القرية المكسيكية التي ينتمي إليها أحد أعضاء العصبة بعد أن حصل لهم على صندوق من الأسلحة مقابل التخلي عن نصيبه من الذهب، عبور نهر بالجياد، مطاردات عبر الحدود بين تكساس والمكسيك، تفجير جسر، سرقة قطار، مونتاج متوازي على محورين: العصبة مطاردة من قوة من الجيش الأمريكي، ومن ثورنتون ورجاله.. الخ  
إن فيلم "العصبة المتوحشة" عمل من أعمال "السينما الخالصة"، ففيه يستخدم سام بكنباه أدوات السينما: الكاميرا والمونتاج والموسيقى والمؤثرات البصرية، ليس فقط لرواية قصة ذات مغزى ما، بل للتعبير عن واقع سينمائي خاص، رؤية للعالم.. لعالم ينتهي وعالم جديد يبدأ.
يعتمد باكنباه في بناء المشهد على التصوير بكاميرات عدة من أكثر من زاوية، للحصول على أكثر التفاصيل دقة في المشهد، ويلجأ لاستخدام الحركة البطيئة slow motion في تصوير مشاهد سقوط الخيول والأفراد من أعلى البنايات ومن أعلى صهوات الجياد، ويصور في مشهد بديع تفجير الجسر وسقوط فريق ثورنتون ومعه جنود الجيش بجيادهم في النهر بالحركة البطيئة. كل هذه التفاصيل تأتينا من حلال بناء سريع ومركب للمشهد يعتمد على مونتاج دقيق يستفيد من كل تفصيل ومن كل زاوية، ويخلق إيقاعا متدفقا مليئا بالحيوية والإثارة.
ويحتفي الفيلم بالعناصر التي تميز أفضل أفلام الويسترن فيجعل أحد أهم المشاهد يدور داخل - وعلى سطح قطار، يحمل شحنة الأسلحة التي تنجح العصبة في الاستيلاء عليها بعد فصل العربة والقاطرة عن العربة التي يجلس فيها الحراس، ثم دفعها الى الخلف لتصطدم بالأخرى لتحدث الارباك والصدمة، ثم كيف تنجح العربة التي يجرها الخيول في نقل الأسلحة عبر جسر داخل الحدود المكسكية، و بعد أن تتعثر أولا ويكاد ثورنتون ورجاله يلحقون بالعصبة، لكن هؤلاء يتمكنون من نسف الجسر في مشهد من أهم مشاهد الفيلم وأكثرها براعة في التنفيذ من حيث التصوير أو المونتاج. وكما قلنا فإن هذان العنصران هما أساس البناء في الفيلم، مع ما تضفيه الموسيقى التي أعيد كتابتها من أجل النسخة الجديدة، من روح الجلال والرهبة والأسى على تلك المرثية السينمائية الممتعة.
هنا أيضا نموذج للاختيار الجيد لمجموعة الممثلين جميعا: وليم هولدن وإرنست بورجانين وبن جونسون وورين أوتس وروبرت ريان. إنهم جميعا مناسبون تماما لأدوارهم، منسجمون مع بعضهم البعض في كيمياء بشرية رائعة لاشك أنها لعبت دورا كبيرا في نجاح الفيلم وتميزه وبقائه في وجدان الجمهور.

Article Ad

قد ينال إعجابكم