متابعات

"فيلم إيراني" يُواجه الصُعوبات في المغرب

أمستردام – محمد موسى

عُرض مؤخراً ضمن تظاهرة "مُستقبل مُشرق"، إحدى برامج مهرجان روتردام الدولي (22 يناير -2 فبراير 2014)، والتي تختص بعرض الأفلام الإولى او الثانية لمخرجيها، باكورة المخرج المغربي الشاب ياسين الإدريسي الطويلة والذي يحمل عنوان "فيلم إيراني". يحتفيّ فيلم المخرج المغربي وبدون تورية بالسينما الإيرانية الفنيّة الحديثة، والتي تُلهِّم برموزها ولغتها الخاصّة وتوازنها بين التكوينات الجماليّة والرسالة الاجتماعية، جيل كامل من المخرجين حول العالم. يَمزِّج فيلم "فيلم إيراني" بدوره، وكحال العديد من أعمال السينما الإيرانية المُلتزمة من العقود الأخيرة، بين التجريب الفنيّ والهَّم الاجتماعي الآنيّ، مركزاً على ظروف صناعة السينما في المغرب، كاشفاً عن الصعوبات الجَمّة التي تواجه المخرجين الشباب لتحقيق أحلامهم في بلد تكاد مساحات عرض السينما المُختلفة تنحصر على الفرص التي تتيحها المهرجانات السينمائية في المُدن الكبرى، ليُحدد التلفزيون التقليدي وما يُقدمه من برامج، ذائقة الجمهور الواسع.


الإدريسي

ينتمي فيلم "فيلم إيراني" الى فئة "الديكو دراما"، للسينما التي تُعيد تجسيد الواقع، إضافة الى تضمنها لمشاهد من "الواقع" نفسه الذي تصادفه أثناء تصويرها والذي يُفرض نفسه عليها أحياناً. ينتمي الفيلم أيضا الى إتجاه سينما المؤلف، اذ يُهمين المُخرج، والذي قام بكتابة الفيلم أيضاً، على مسّار العمل وتفاصيله وشكله النهائي. هذه الحرية تصل في "فيلم إيراني" الى مديات جديدة. فالمخرج الشاب، والذي في جعبته ثلاثة أفلام تسجيلية سابقة، يبدو في فيلمه الجديد وكأنه يفتح مُحترفه، مُحترف السينمائي الشاب، للجمهور، ويدعوهم للمشاهدة. في أحد مشاهد الفيلم المُميزة، سنشاهد المخرج في صالة سينما وهو يتفرج على فيلم المخرج الإيراني عباس كيارستمي "شيرين"، والأخير يتضمن بناءً غير شائع على الإطلاق، اذ جمع كيارستمي أفضل ممثلات السينما الإيرانية (إضافة الى الممثلة الفرنسية المعروفة جولييت بينوش) في صالة سينما، وصورهن وهن يستمعن لملحمة إيرانية شعرية شهيرة. في المشهد المركب ذاك، نتفرج، نحن المشاهدين، على مُخرج "فيلم إيراني"، وهو يشاهد فيلماً، يُصور سيدات يُحدقن في ما يبدو فراغ أيامهن، في لعبة مرايا تحفظ لفعل "التفرج" في الصالات السينمائية بمكانة عاطفية خاصة. وإذا كان الفيلم الإيراني الأصلي مازال مفتوحاً على تأويلات عدة، منها إحتفائه بالمرأة الإيرانية ومكانتها وعذاباتها، في حين تُشَّدد إستعادة مشهد منه في فيلم ياسين الإدريسي، على دورة السينما وديمومتها، وعبورها لحدود الجغرافيا واللغة
يجِّد ياسين الإدريسي في السينما الإيرانية النموذج والمثال الذي يتطلع اليه في مقاربته لموضوعات في بلده المغرب. هذا رغم إن المناخ الثقافي والفنيّ في المغرب وهامش الحريات المُتوفر، يختلف كثيراً عن ذلك للسينما الإيرانية، التي إتجهت الى الرمزية والشاعرية، بسبب تفاعلها وإستجابتها لتحديدات الرقابة الصارمة في بلدها. من هنا يبدو ربط المشروع السينمائي الذي يمثله فيلم "فيلم إيراني" بالمغرب بحاجة لمزيد من التحليل والبلورة. يجمع المُخرج أصدقاء وزملاء له من المحترفين ويأخذهم الى قرية نائية قريبة على مدينة مراكش لأجل تصوير فيلم قصير هناك ( بسيناريو متأثر بدوره أيضا بالسينما الإيرانية)، يستعين فيه بأهل المنطقة. هذه الخطة ستمنح الفيلم خطاً دراماً تصاعدياً. قبل التوجه للقرية المغربية، سيقابل المُخرج الشاب منتجين في بلده، للتحقيق في إمكانية تمويل الفيلم محلياً. تلك اللقاءات تُشكل الحلقة الأضعف في فيلم " فيلم إيراني "، إذ اعادته الى أرض "الواقع"، بعدما رفعته المشاهد الإولى بكوميدياها السوداء وغرابيتها الى مستوى رمزي متحرر، وقربته من تيارات من السينما الإيرانية، من التي يعشقها المخرج.


من الفيلم

ستتكشف هامشية السينما الفنيّة عندما يصل فريق الفيلم الصغير للقرية المغربية النائية، فمحاولات الفريق الإنتاجي لتصوير الفيلم القصير ستتكسر على صخرات التقاليد والجهل بدور السينما. يرفض السكان المحليون التعامل مع فريق الفيلم، ويُشَّكك بعضهم بالمشروع وما قد يحمله من تشويه لمنطقتهم وناسها. كما لم تَثِّر العروض المكشوفة في الهواء الطلق في ساحة عامة، لأفلام قصيرة من السينما الإيرانية الحديثة من فضول سكان القرية. فشل الفيلم في بلوغ غايته بتصوير فيلم قصير، سيوضع في مقارنة مع نجاحات السينما الإيرانية في التحرك بمرونة عبر التنوع السكاني والجغرافي في بلدها. هذه النتيجة لا تُعبر عن واقع الحال، فالعراقيل التي واجهت الفيلم المغربي القصير المُزمع إنتاجه هي في جزء منها  نتيجة لعدم مروره عبر القنوات الرسمية للحصول على إذونات التصوير في المغرب. لكن الفيلم سيستعيد مناخه الفانتازي، ويترك جمهوره بخاتمة، تُشير لموهبة مُبشرة للمخرج الشاب، وحرية إبداعية، تتمرد على القوالب والتقاليد الخاصة بالسينما التسجيلية او الروائية للمنطقة.

قد ينال إعجابكم