متابعات

"أولاد أبو غريب": معالم العراق المشوهة

أمير العمري

لم تنجح الأفلام الأمريكية التي ظهرت عن غزو العراق كما سبق أن نجحت الأفلام التي أنتجت في الماضي مثلا، عن حرب فيتنام والتورط الأمريكي فيها، الذي أشعل مظاهرات الغضب في العالم لسنوات. وقد يكون السبب الرئيسي في هذا أننا أصبحنا اليوم نعيش عصر الطفرة الإعلامية التليفزيونية في مجال الأخبار وغيرها، ففي زمن حرب فيتنام لم يكن التليفزيون قد حقق ما حققه الآن من قدرة على نقل الحدث من موقع حدوثه مباشرة. وربما كانت "حرب العراق" عام 2003 أول حرب تنقل على الهواء مباشرة. وقد شاهدنا مثلا عملية اقتحام مطار بغداد وغيرها، منقولة مباشرة من كاميرات الهواتف المحمولة للمراسلين الذين كانوا ملحقين بالقوات الأمريكية.

وعلى الرغم من جوائز الأوسكار والاحتفاء المغالى فيه الذي حصل عليه فيلم فيلم "خزانة الألم"  The Hurt Locker  لكاثرين بيجلو (2011) إلا أن الفيلم لم يحقق ما كان متوقعا من إيرادات، بل تفوقت عليه أفلام أخرى بعيدة تماما عن الاهتمام بـ"الأحداث الجارية". وتدريجيا، تراجع الاهتمام بموضوع العراق سينمائيا، رغم ظهور بعض الأفلام الجيدة مثل "روقب" لبريان دي بالما، و"معركة حديثة" للمخرج البريطاني نيك برومفيلد. لكن منذ فيلم "المنطقة الخضراء" Green Zone  لم تظهر أفلام بارزة عن الموضوع، ولكن يبدو أن هناك عودة إلى هذا النوع الآن بعد أن اختفى الوجود الأمريكي العسكري المباشر في العراق، مما يعكس رغبة في تذكير الأمريكيين بالتجربة القاسية التي مر بها أبناؤهم هناك.

أولاد أبو غريب
من هذه الأفلام الجديدة فيلم "أولاد أبو غريب" Boys of Abu Ghraib لمخرجه الشاب لوك موران Luke Moran  الذي كتب السيناريو ويقوم أيضا بدور البطولة فيه. يبدأ الفيلم بمشهد مصور تحت الأرض، في ممر طويل يسير فيه جندي أمريكي لا نرى وجهه بل نراه من ظهره، يقترب ببطء من بوابة ضخمة مغلقة، تتصاعد من وراءها أصوات دقات عالية وموسيقى الروك الصاخبة على خلفية من تعليق صوتي- بصوت الجندي- يشير إلى ما وقع بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. هذا المشهد سيتكرر بعد ذلك، في زمن متقدم من الفيلم، ولكن هذه المرة سنرى وجه الجندي وهو بطل الفيلم نفسه، بعد أن يكون قد غرق في "المستنقع" ولم يعد أمامه مفر من الانغماس في "اللعبة".
بعد مشهد البداية الذي يسبق نزول العناوين، ننتقل إلى منزل أسرة البطل الشاب "جاك" وهي تحتفل بعيد الاستقلال الأمريكي في الرابع من يوليو 2003، أي بعد أشهر من غزو العراق، ونعرف أن "جاك"، وهو جندي في الجيش الأمريكي، مرتبط عاطفيا بفتاة يحبها ويرغب في الزواج منها، ولكنه يتأهب لمغادرة البلاد إلى العراق في اليوم التالي للقيام بـ"واجبه الوطني". وفي العراق ينضم إلى فصيلة من قوات المراقبة التي تحرس قاعدة عسكرية أمريكية، ويشاهد للمرة الأولى مقتل أحد زملائه في هجوم ليلي تتعرض له القاعدة، ثم سرعان ما يطلب نقله للعمل في حراسة سجن أبو غريب، ويحصل على ما يريده دون أي تدريب مسبق، وعندما يذكر لرئيسه الضابط موضوع التدريب يكون كل ما يقوله له الضابط: "لا تقلق.. ستكون بخير"!
في المعتقل يتعرف على السجناء من العراقيين. نشاهد لمحات من المعاملة القاسية التي يتعرض لها البعض ولكن على استحياء شديد من جانب صناع الفيلم، فالموضوع الأساسي محل الاهتمام ليس العراقيين وما يتعرضون له، بل هذا الإبن الأمريكي البار بوطنه "جاك" إبن الطبقة الوسطى الأمريكية، وما يتعرض له من تجارب مؤلمة تكاد تدفعه إلى الجنون، في عزلته ووحدته واضطراره للقيام بأعمال غير إنسانية (تتكرر كثيرا لقطات قيامه بالتخلص من فضلات السجناء).


أبوغريب

غير ان جاك ليس مثل غيره من الجنود العاملين في المعتقل. فهو يبدو إنساني في معاملته للمعتقلين، كما يقول له "غازي"- السجين العراقي الشاب الذي سيقيم جاك صداقة معه، ويتبادل معه الحديث عن نفسه بل ويطلعه أيضا على صورة حبيبته التي تنتظره في الوطن. يخالف جاك إذن التعليمات التي تحظر عليه مخاطبة السجناء، بل ويبدي تعاطفا واضحا مع غازي ويقوم أيضا بتوبيخ زملائه الذين يستدعون "غازي" بانتظام لتعذيبه واستجوابه.
يحلم جاك باليوم الذي تنتهي فيه مهمته ويعود إلى الوطن، وهو يحصي مرور الايام على جدران غرفته.. نرى لمحات مما رأيناه في الأخبار لما كان يحدث من تجاوزات في أبو غريب: كيف يلبسون السجناء قلنسوات وملابس فضفاضة ويجعلونهم يتخذون أوضاعا مهينة، كما سنرى رجلا يفقد حياته بعد تعرضه للتعذيب- إستنتاجا (لا نرى قط أي مشهد للتعذيب الفعلي ولا نشاهد اي ضابط أمريكي يمارس التعذيب)، ونرى كيف يتقوقع "غازي" على نفسه ويبكي داخل زنزانته بينما يرتجف جسده كله بعد أن يكون قد تعرض أيضا للتعذيب. لكن جاك لا يكلف نفسه أبدا في غمرة اهتمامه بالحديث مع غازي عن حبيبته، أن يسأله عن سبب وجوده هنا؟
وفي الدقائق الأخيرة من الفيلم يشتبك مع زميل له بسبب ما يتعرض له "غازي" لكن الضابط يقول له إن غازي فجر قنبلة في مقهى تسببت في مقتل 17 شخصا، فيتحول جاك تحولا تاما ويتخذ موقفا عنيفا من غازي، وخصوصا بعد أن يرى زميلا له يحاول الانتحار بسبب ما يعانيه من وحدة وعزلة في المعتقل. ينحاز جاك لما لقنه إياه رؤساؤه وزملائه، فيتنكر لغازي بل ويقوم أيضا باساءة معاملته. وفي النهاية يأتي جندي جديد لكي يستلم من جاك المهمة، لكي يعود الأخير الى وطنه. في يد الجندي الجديد كاميرا هي التي سيلتقط بها الصور التي يتكشف فيما بعد ما كان يقع داخل السجن!

رسالة للأمريكيين
هذا فيلم يتوجه أساسا، إلى الجمهور الأمريكي من الطبقة الوسطى، يريد أن ينقل لهم كيف كان الشباب الأمريكي يفقد مرحه وحسه الإنساني في العراق، لا لسبب سوى لأنه تعرض هناك لانتهاك البراءة، مما إضطره للجوء الى أساليب قاسية بسبب ما كان يواجهه من تهديدات وعمليات إرهاب وقتل جماعي وتفجيرات، وكأن التعذيب (الذي يكشف عنه في النهاية من خلال ما يبث من صور على شاشات التليفزيون منها صورة لحاك نفسه داخل المعتقل وهو يسيء معاملة غازي) مبرر تماما كرد فعل لعنف العراقيين!

ليس هنا مجال لتصوير ما كان يقع في الحقيقة داخل سجن أبو غريب، رغم أن الفيلم يخبرنا في عناوينه الأولى بأنه "مبني على أحداث حقيقية". ربما كان يبدو مخلصا في تصويره كيف كان الجنود يقضون وقتهم خارج نطاق الخدمة، في الليل، وكيف كانوا يتحلقون حول شعلة من النيران، يتدفأون، ويلهون ويلعبون أو يتعلمون من جندي أمريكي أسود الغناء على ايقاعات "الراب"، وكيف يستخدمون في حواراتهم ومشاغباتهم لغة السباب المعهودة.. ولكن ما الجديد؟ لقد سبق أن شاهدنا كل هذه الأشياء في أفلام كثيرة سابقة عن فيتنام وغيرها، بل إن الكثير مما يصوره لوك موران هنا منقول حرفيا من أفلام شهيرة سابقة كما في المشهد الذي يعقب لقاء جاك بخطيبته بعد عودته من العراق، حيث يبدو عاجزا، وكما في تصوير تلك النزعة الوحشية للانتحار لدى جندي يصوب بندقيته في فمه (على غرار ما شاهدنا في فيلم ستانلي كوبريك الشهير "بندقية معدة للاطلاق" Full Metal Jacket) ولكن ما يعيب هذا الفيلم بشكل صارخ غياب خصوصية المشهد العراقي، فمن الممكن أن تدور المناظر التي نشاهدها هنا (ولا أقول الأحداث) في أي مكان آخر، وخلال أي حرب أخرى. والتجريد هنا لا يخدم الموضوع بل يضره فنيا.
ومن عيوب الفيلم الفنية الواضحة كذلك، الإسهاب والإطالة في تصوير المشاهد على نحو يفقد الفيلم إيقاعه وحيويته منذ الثلث الأول، كما يفرط المخرج في استخدام الموسيقى الصاخبة التي كثيرا ما تطغى على ما يتردد من تعليق أو حوارت، كما تتكرر مشاهد لهو الجنود وصياحهم في بعضهم البعض، وكأن لا شيء هناك يفعلونه سوى تكرار الشيء نفسه ليلة بعد أخرى. وبين آونة وأخرى يتطلع جاك إلى صورة خطيبته بحيث يصبح المعنى الذي يصل إلى المشاهدين أنه لا يعيش في الزمن المضارع المخيف ويتفاعل معه، بل يرتد بذهنه وذاكرته إلى الماضي، الى ذكريات لحظات الحب التي كانت تجمعه بالفتاة (نراها أحيانا بالحركة البطيئة) في استطرادات وإسهاب يخرج الفيلم عن موضوعه وينحرف بالأسلوب، مما يسبب الارباك في بناء الفيلم ويضر بموضوعه.
هناك – مع ذلك- لقطة واحدة فنية في تكوينها ومغزاها، تنجح في تلخيص علاقة المكان بالعراق الذي يعرفه المشاهدون، فبعد أن يعرف جاك أن مهتمه ستمتد ستة أشهر أخرى، نشاهده في المشهد التالي منهارا يركع منتحبا، غاضبا، يضرب رأسه في الجدار، مرددا عبارات السباب، وفوقه صورة عملاقة لصدام حسين داخل المعتقل، بحيث يبدو صدام فوقه وكأنه المنتصر الذي مازال يملك اليد الطولى، في حين يبدو جاك الأمريكي، مهانا مذلا خانعا صغيرا في الأسفل. لكن لقطة واحدة.. لا تكفي!.

قد ينال إعجابكم