متابعات

شباب اليرموك : سؤال في الوطن ؟

سالونيك – رامي عبد الرازق

قصص لتروي
هذا هو اسم القسم الذي عرض من خلاله فيلم"شباب اليرموك" للمخرج الفرنسي الشاب اكسل سيلفاتوري انيز وذلك ضمن فعاليات الدورة السابعة عشر لمهرجان سالونيك الدولي للأفلام التسجيلية مؤخرا.

ضم القسم إلى جانب هذا الفيلم ما يقرب من أربعين فيلما دوليا كأعمال أولى وثانية تصور ملامح الحساسية التسجيلية الجديدة التي يحرص المهرجان على رصدها عاما بعد عام على اعتبار أنه أحد اهم مهرجانات العمل الأول في العالم.

كان الفيلم قد سبق له وأن شارك ضمن مسابقة المهر للأفلام الوثائقية في الدورة العاشرة لمهرجان دبي السينمائي في ديسمبر الماضي وقد استطاع أن يستقطب مشاهدة مكثفة عبر عرضه ضمن فعاليات مهرجان سالونيك هذا العام حيث تساءل الجمهور في الندوات التي اعقبت الفيلم عن مصير الشخصيات الأربعة التي تابع الجمهور عامين مفصليين من حياتهم في المخيم وذلك قبل تفجر الثورة في سوريا عام 2011 وبداية الحرب الأهلية.


اكسل انيز

منفانا القبيح

 اليرموك أو مخيم اليرموك هو أكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين في سوريا، أسس عام 1957 على مساحة تزيد عن الألفين كيلومتر مربع ويقع على بعد 8 كيلومتر من دمشق العاصمة والبعض يعتبره حي أو مدينة قائمة بذاتها وليس مخيما بالمعنى التقليدي كباقي مخيمات الفلسطينيين في سوريا ولبنان.

في الفيلم نسمع عدة قصائد تلقيها مجموعة الأصدقاء الأربعة عن مشاعرهم تجاه المخيم وافكارهم التي تنطلق منه وتتمحور حول حياتهم فيه ورغبتهم في مغادرته إلى وطن أخر وحقيقي غير"منفانا القبيح"على حد تعبير احد شباب اليرموك.

يبدأ الفيلم بلقطة قريبة جدا لقطار قديم يمر في محطة السكة الحديد القريبة من المخيم يليه مشهد لسرب حمام يطير عاليا ثم لقطة ثابتة واسعة"لخيامهم الأسمنتة الحديثة"كما يسميها الشباب والتي تمثل بدن المخيم وقلبه المحتقن بالطاقات المهدرة والأحلام الغامضة.
القطار والحمام الطائر هما مفتتح الحديث عن السفر والرغبة في الهجرة والنزوح واستكمال الشتات بالبعد بحثا عن صيغة مناسبة للبقاء على قيد الحياة شعوريا على الأقل.
في اول ظهور لمجموعة الشباب التي تمثل شخصيات الفيلم الأساسية نراهم مكدسين في حجرة ضيقة مثقلة بالتفاصيل والأشياء، اعمارهم متقاربة وأن كانت ملامحهم تشي بأنهم أكبر سنا مما سوف نعرف عنهم فيما بعد.

أنهم يلعبون الورق لتمضية الوقت ويتحدثون عن اوضاعهم الاجتماعية والانسانية التي على وشك أن تتغير بعد أن بلغ كل منهم العمر الذي يجب أن يتخذ فيه قرارا أما بالبقاء أو الرحيل بحثا عن فرصة أفضل للحياة.

وما بين لقطة الحمام الطائر التي تتكرر كثيرا كموتيفة بصرية خلال الفيلم وبين مجمل لقطات الشباب المصورة داخل الحجرات الضيقة والمكدسة بهم يطرح المخرج الشاب سؤاله عن ماهية الوطن في اللحظة الراهنة لهذا الجيل الذي يبدو محاصرا في المخيم (ينتظر وطنا ينتظرهم) كما تقول القصائد على لسانهم.

يعمد المخرج إلى التجريد في صياغته لملامح التجربة الأساسية، لا يعرف الشخصيات بكتابة اسمائها على الشاشة ولا المكان الذي تدور فيه لقاءاتهم، ويترك تعريف المخيم إلى الحالة الشعرية والوجودية التي يتحدثون بها عنه في جلوسهم امام الكاميرا أو في قصائدهم التي يتلوها كل منهم عن المخيم، لا نعرف الكثير عن خلفياتهم الحياتية أو الاجتماعية، في مكر سينمائي يقوم المخرج باستخدام اسلوب التظليل الدرامي لرسم ملامح الشخصيات وليس إلى الأنارة الكاملة بتسليط الضوء على الشخصية مما يجعلها مكتملة وخاصة، يترك للمتفرج أن يستكمل جانبا من حياتها وتاريخها بنفسه سواء عبر الحدس أو جمع المعلومات الواردة على لسانها خلال المشاهد.

التجريد بدأ من العنوان(شباب اليرموك)، صحيح أن اضافة النكرة إلى المعرف يعرفها لكننا لا نقصد بالتجريد هنا التنكير بل التجريد التعميمي، اليرموك اقرب لمدينة فلسطينية خارج حدود فلسطين التاريخية، مدينة الشتات والمنفى الأجباري، وشخصيات الفيلم ما هي إلا عينة من الشباب الفلسطيني الذي يعاني هذا الشتات المتراكم والذي يبدأ منذ الولادة ويمتد عبر محطات العمر المختلفة.

لكن مرحلة الشباب تحديدا تصبح هي المرحلة الفاصلة لأنها محك رئيسي مع الحياة والواقع فقبلها لا تبدو النظرة للحياة مكتملة كما يأتي على لسان أحد الفتيات في جلستها مع صديقها فوق السطح، وبعدها يكون الوقت قد فات لأتخاذ قرارات مغايرة أو اعادة المقدمات من اجل تعديل النتائج كما يقول الأب في جلسته مع ابنه حسن وحديثه عن ميزة الجيل الحالي في أنه يرى الصورة واضحة بكامل تفاصيلها الواقعية الخشنة فلا شعارات ثورية ولا قومية ولا نضال. يقول له الأب في جلستهم فوق سطوح البيت أنه يجب أن تتخذ قرارا صحيحا في تلك المرحلة الفاصلة من حياتك ويجب أن تعلم أنه لا سبيل امامك سوى العلم لأنه لم يعد هناك ثورة تلتحق بها ظنا أنها سوف تبلغك الوطن في النهاية.

مكان لا يتسع للألم

لا يخلو الفيلم من لعبة المتناقضات البصرية والدرامية التي يقدمها المخرج الشاب بحساسية ودقة واضحة، فثمة تقابل واضح دوما ما بين السماء بألونها السحرية وبين مشاهد الكتل الأسمنتية الدميمة للمخيم، الشباب المكدس في حجرات ضيقة والحمام الطائر في حرية يجوب الأفق، الزاويا الضيقة التي يختارها المخرج كي يحصر فيها شخصياته عند الحديث عن الرغبة في المغادرة والبحث عن وطن جديد بدلا من المخيم الذي لم يعد بديلا عن وطن ضائع، ومشاهد النافذة المتفوحة على افق عريض في مقابل مشاهد القمامة المتكومة بين بيوت المخيم وكأنها جزء من واقعه المر ورائحته التي لم تعد شخصيات الفيلم تتحملها وأن صارت جزء منها.

تقول اليسار أحد فتيات المجموعة في قصيدتها(المخيم مكان لا يتسع للألم) بينما يتحدث حسن عن أن المخيم صار بالفعل وطنه الحقيقي إذا ما كان تعريف كلمة الوطن هو المكان الذي لا يمكن أن تغادره بروحك حتى ولو غادره جسدك مجبرا، هذا التناقضات الكثيرة تثري التجربة وتجعلها اكثر عمقا من مجرد الحديث عن أحلام مجموعة من الشباب العربي/الفلسطيني ورغبتهم في السفر مثل كل جيلهم البائس.

شخص واحد فقط من المجموعة هو الذي يتمكن من السفر إلى شيلي لدراسة السينما أما البقية فأثنان منهم يجبران على التجنيد (عام ونصف) في جيش القدس التابع للجيش السوري النظامي قبل الحرب الأهلية. وفتاتين احدهم تقع اسيرة امها التي لا تريد لها أن تغادر والأخرى تنتظر حسن احد الشابين المجندين كي تبدأ معه نصف حياة مؤجلة.

بيئة الفيلم الزمنية تتخذ عامين قبل الثورة في سوريا، لا نستشعر أن الشاب المسافر أصبح انجح المجموعة ولا أكثرها سعادة بل كل منهم لديه من الأحلام والطاقات التي تجعله مطمئن الروح إلى أن ثمة ما هو أفضل قادم.

يتنازل المخرج عن اي صوت يلقن المتفرج معلومة أو يمنحه موقعا فوقيا عن الشخصيات، وكما تجلس بينهم الكاميرا وتنحشر فيما وسطهم كأنها شخص رابع او خامس يخلو الفيلم من اي تعليق صوتي أو كتابي ومن أيه موسيقى تصويره بأستنثاء موسيقى الأشياء كما تحدث عنها روبير بيرسون، الأصوات الطبيعية للمخيم والتي يميزها صوت الأذانات المتعددة وقت الصلاة، اصوات الشارع في الخارج والحياة التي تموج في شوارعه الضيقة، الموسيقى والأغنيات التي تلعبها الشخصيات على آلات الكاسيت أو الكومبيوتر.

لا يوجد جمل موسيقية تنوح أو تحاول أن تلقي بظلالها على نفسية المتلقي كي تشعره بسوء حال الشخصيات أو فداحة الواقع، كل شئ متروك لحكمه البصري والوجداني، مشاهد قليلة جدا تلك التي تجلس فيها الشخصيات امام الكاميرا في لقاء مصور (sofa interview) باستثناء لقطات القصائد التي تلقيها الشخصيات منفردة أو مشاهد الحديث عن ملخص التغيرات التي حدثت عاما بعد عام، فيما عدا ذلك فان الغالبية لمشاهد الحوارات المتبادلة في الحيز الضيق لجلوسهم بالحجرات حيث دون ان يعتبر المتفرج نفسه واحدا منهم فانه لن يستطيع أن تيبين عما يتحدثون أو ما هي المعلومات والتفاصيل التي تراكمت من هذا المشهد.

لا يوجد اسئلة ولكن توجد محاولة للاجابة عن سؤال الواقع والمستقبل، الشخصيات تستضيف بعضها البعض وتتبادل الأدوار والكاميرا ثابتة في زاوية الجلوس الأرضية تشاركهم بعض الاحاديث دون أن تتدخل في سياق العادي والطبيعي.

يختار المخرج زوايا واسعة في معظم الاحيان تجعل الكادر مذدحما بتفاصيل الأماكن والحجرات والأسطح التي تجلس فيها الشخصيات، يختصر تاريخ المكان والشخصية في التفاصيل المحيطة بها دون أن يستعرضها، يتركها امام المتفرج في لقطات طويلة أثناء حديث الشخصيات مع بعضها كي يتبين المستوى الثقافي والأجتماعي والهوايات والذكريات بل والأسرار المخبأة.

في واحد من تجليات العفوية الوثائقية يحكي الشاب المسافر قبل رحيله عن الفتاة التي ذهب لكي يقطع علاقته بها قبل السفر فأذ بها تفاجئه أنها كانت حامل منه وأنها اجهضت نفسها، لا ندري إلى من يحكي فالكاميرا موضوعة في زاوية سفلية ضيقة لا تمنحنا سوى بروفيل الشاب الذي يحكي وفي الخلفية وبعفوية شديدة تبدو درامية أكثر من اي مشهد درامي مكتوب لذاته يوجد صورة لطفل يبكي في خلفية اللقطة بينما يتحدث الشاب عن ابنه الذي اجهض ولم يره ولم يعرف عنه لأن الواقع لن يحتمله ولأن قصص الحب في المخيمات خارج الوطن اطفالها يأتون سفاح.

جيل الشيخ أمام

في أحد مشاهد الفيلم يغني اثنان من جيل الأباء أغنية جيفارا مات لنجم والشيخ أمام، يتجاوب معهم الشباب بهز الرأس فمعظمهم لا يعرفون الأغنية، هذا جيل مختلف لم يترب على الأغاني الثورية بل على الحلم بالسفر وتغيير الواقع، فالوطن مغلق وحق العودة مشكوك فيه والمخيم يضيق كل يوم عن اليوم الذي قبله او على حد قول حسن في قصيدته الأخيرة(المخيم كما هو ازداد طوابق فوق أسطحه وكأنه صار مخيما فوق مخيم)أصبح المخيم هو الوطن وصار الهروب من المخيم هو بالذهاب لاقامة مخيم جديد حتى لو كان فوق المخيم ذاته.

ولكن أغنية الشيخ إمام لا تبقى منفردة هكذا على لسان جيل الأباء فالمخرج لا يغفل هذا الجيل ولا ينفيه عن الصورة.، هناك مشهد حسن ووالده الذي يتحدث فيه عن ان رائحة فلسطين كانت تملئ المخيم في السبعينيات ولكنها الأن ذهبت ولم تعد، عن الفرصة الممنوحة لجيل حسن في الاختيار دون تأثر بشعارات اثببت مع السنين أنها لم تكن حقيقية بالقدر الذي يستحقه الوطن، عمد المخرج إلى تقسيم المشهد إلى لقطات تجمع ما بين الأب والأبن متقابلين في لحظات تلقين الأب لأبنه نصائح الأستمرارية ثم إلى لقطات منفردة لكل منهم دلالة على الأنفصال الحاصل بين ظروف وافكار ومشاعر جيل الأب وأحلام جيل الأبن.

في مشهد أخر نرى الشاب المسافر وهو يودع أهله في المخيم، يقبل يد أمه الباكية ويصافح والده، أنه المشهد الأيقوني الشهير في كل الميلودرامات التي قدمت عن هجرة الشباب العربي، لا يبدو التأثر نابعا من بكاء الأم الصامت بل من موقف الأب الذي يبدو عاجزا تماما عن الفعل حائرا بين ابراز مشاعره وبين اخفائها كي لا يؤثر على رجولة أنه المسافر ربما بلا عودة.

وفي مشهد أخر نرى والده احد المجموعة وهي تجلس معه بينما صديقته الأجنبية حاضرة بينهم، تبدو الام مهتمة بمسألة سفر الأبن مع صديقته خارج المخيم ولكنه لا يستطيع لأنه مطلوب للتجنيد الأجباري وهي لا تريد له الذهاب للتجنيد بل إلى الخارج وفي المشهد التالي نرى الأم وقد تركت كلا الحبيبين ينامان متعانقين في قيلولة هادئة دون أن تتخذ الام أي موقف اخلاقي أو عدائي تجاه هذا الأمر!! لقد تغيرت القيم والعادات والمفاهيم وتطورت النظرة إلى الحب والأخر والوطن والخدمة العسكرية.

في الندوة التي اقيمت عقب عرض الفيلم في مهرجان سالونيك تساءل الجمهور عن سر عدم كتابة المخرج لمصائر الشخصيات خاصة عقب اندلاع الحرب الاهلية في سوريا، بدا السؤال مستفزا يضيق من أفق التجربة ويحصرها في نطاق الحاضر والمحدود والشخصي، لم يقل لهم أنه اراد بفيلمه أن يكون نافذة على واقع متغير لا نهائي ومستقبل يتشكل على حسب قرارات قد لا يملكها اصحاب التجربة انفسهم، لم يقل لهم أن مصائر الشخصيات لا تهم فهم في النهاية ليسوا سوى عينة من جيل بأكمله صار المنفى له وطنا وصار الوطن سؤال وجودي وليس مساحة من الجغرافيا والخرائط، لم يقل لهم وما نفع العلم بالمصائر حتى ولو ذهبوا جميعا فهناك الآف مثلهم وأكثر، هل تريدون ان تعلموا حقيقة ما حدث!

حسن الذي كان يبني غرفة فوق سطح البيت ليتزوج بها مات قبل شهرين في الحرب وترملت حبيبته التي كانت تنتظر بفارغ الصبر أن ينهي خدمته العسكرية وقد حصلت على وظيفة كي تساعده في تكاليف الحياة رغم أنها كانت لا تزال تدرس.

إن الأفلام الوثائقية لا تنتظر مصائر الشخصيات كي تنتهي لأنها ببساطة قد لا تنتهي أبدا بل هي تفتح طاقة للنظر منها على ارواح الشخصيات ومشاعر الاماكن وارهاصات الأحلام المؤجلة وهو ما فعله"شباب اليرموك" بشكل ناضج وبسيط ومفعم بالدلالات والصور.
 

قد ينال إعجابكم