متابعات

نعوم شومسكي الذي لا يعرفه أحد: التوثيق بالتحريك

أمير العمري

أعتقد ان مقولة مارشال ماكلوهان صاحب نظرية الاتصال الحديثة "الوسيط هو المحتوى" The medium is the message تكمن وراء الدافع الذي جعل المخرج الفرنسي ميشيل غوندري Michel Gondry يخرج فيلما يحمل ذلك العنوان الغريب "هل الرجل الذي هو طويل سعيد؟" Is the Man Who Is Tall Happy فالفيلم ينحت أسلوب سينمائيا جديدا ومبتكرا في التعبير عن الكلمات، عن اللغة، عن الأفكار والمفاهيم التي يمكن أن تصل إلى أقصى حدود التجريد. ومن هنا يمكن اعتبار هذا الفيلم الفرنسي المثير فيلما تجريبيا بامتياز. إنه يستخدم الرسوم أو يعرف بـ "لتحريك" في عمل يفترض أنه "وثائقي".

تعتمد افلام وثائقية كثيرة من تلك التي تُنتج في العالم العربي، على تصوير مقابلة أو أكثر مع شخصيات مختلفة، سواء من المشاهير، خاصة في أفلام "البورتريه"، أو شخصيات أخرى ترتبط بأحداث محددة في الأفلام التي تسعى إلى "التحقيق" في هذه الأحداث، وهي في الحقيقة، أقرب الى  الريبورتاج التليفزيوني منها الى الفيلم الوثائقي.
يجد صناع هذا النوع من الأفلام أن أسهل وسيلة لتحقيق الفيلم هي وضع الكاميرا أمام شخصية معينة وتصويرها وهي تتحدث، والانتقال من شخصية إلى أخرى، ومن كلام الشخصية المتحدثة الى بعض أعمالها (مقاطع من أفلام مثلا، مقتطفات من عبارات وردت في كتب، صور لوحات..إلخ). وهذه هي الأفلام التي أصبحت شائعة بدرجة جعلت من اخراج الفيلم الوثائقي عملا لا يتطلب خيالا ولا تفكيرا طويلا في شكل ما مختلف ومبتكر، في حين أن الشكل هو دائما المضمون ذاته، بمعزل عن الأداة المستخدمة أي الكاميرا في هذه الحالة. إن طريقة وضع الكاميرا وزاوية النظر إلى/ وتصوير هدف ما، هي التي تحدد مثلا، المحتوى الذي يراد لنا التفاعل معه، فإذا فشل المخرج في تحقيق هذا "التفاعل" بين الفيلم والمشاهد، يكون الفيلم نفسه قد فشل بسبب الافتقاد إلى رؤية ما يمكنها اثارة اهتمام المشاهد. فهو قد فشل في اختيار أنسب السبل إلى التعبير عما يرغب بحيث يكون مؤثرا.
إن النجاح في التعبير عن رؤية المخرج في الفيلم الوثائقي باختياره شكلا يتناسب مع موضوعه يصبح غير منفصل عن المضمون، هو ما يميز الفيلم الذي نحن بصدده هنا، والذي اقتضى من مخرجه العمل لمدة ثلاث سنوات.

مع شومسكي
من النظرة الأولية يبدو الموضوع بسيطا للغاية: مجموعة من الحوارات الصوتية المسجلة مع الفيلسوف والمفكر الأمريكي المعروف نعوم شومسكي، ليس بغرض تقديم تعريف به وبحياته المتصلة منذ عام 1928، بل للتعرف على مفاهيمه وأفكاره والدخول معه في جدل حولها، ومحاولة فهم ما قد يبدو من أكثر المفاهيم تجريدية. والطريف هنا أن المخرج ميشيل غوندري، وهو الذي يدير بنفسه الحوار مع شومسكي، لا يبدو مسيطرا تماما على "اللغة" الإنجليزية التي يستخدمها في إدارة الحوار مع الفيسلوف الكبير، بل يبدو متلعثما، يتحدث بلكنة خشنة ولعة مهشمة قد تكون في حاجة إلى ترجمة على نفس شريط الفيلم، وربما لذلك، يلجأ إلى كتابة الكثير من تعليقاته الصوتية على الشاشة بخطه الذي يبدو أيضا صغيرا تصعب متابعته، ولكنه جزء عضوي من "صورة" الفيلم الذي يعتمد بعد ذلك على ترجمة ما يقوله شومسكي إلى رسوم متحركة (التعبير بالتحريك) في عمل وثائقي غير مألوف.

يتحدث شومسكي عن طفولته وعن علاقته مع أسرته، وعن تعرضه لبعض المشاكل أثناء شبابه تتعلق بأصوله اليهودية من جانب أقرانه في إشاراتهم "المعادية للسامية"، وكيف كان والده متعلقا بالصهيونية كـ "قضية ثقافية"- كما يقول شومسكي، وليس بالضرورة كعقيدة سياسية، وكان من أنصار تأسيس دولة إسرائيل، في حين أن شومسكي أصبح فيما بعد من أشد الناقدين لسياساتها. غير أن الموضوع الأساسي في الفيلم هو مفاهيم شومسكي- عالم اللغويات الفذ- الذي يرى مثلا أن الطفل يتعلم التعبير باللغة بطريقة معينة مفروضة من خارجه، في حين أنه يمكنه استخدام اللغة بطريقته للتعبير ربما بشكل أفضل كثيرا. ويقول إن الطفل يكون لنفسه مخزونا لغويا كبيرا قبل أن يبدأ بالفعل في الحديث. ودلالة على فكرة العلاقة بين اللغة وطريقة التفكير يضرب شومسكي مثالا بالعبارة التي ترد في عنوان الفيلم في صيغة سؤال "هل الرجل الذي هو طويل سعيد"، وهل كان يجب القول "الرجل الطويل هل هو سعيد" أم هل الرجل الطويل سعيد"، مدللا على أن الصيغة الأولى ليست خطأ بل ما يجعلها خطأ هو الفرضية الاجبارية القادمة من خارج الطفل. 
يتحدث شومسكي عن كيف أن الاتصال بين البشر أو التعبير يتجاوز حاجز اللغة، وأن هناك آلية عقلية داخل العقل البشري يمكنها الاحاطة بالعديد من اللغات. ولعل من الملفت للنظر ابتعاد الفيلم عن مناقشة المواقف السياسية النقدية المعروفة لنعوم شومسكي التي تتعلق بنقد السياسة الخارجية للولايات المتحدة، كونها أصبحت الأكثر طغيانا على صورته كعالم لغويات وفيلسوف.

يتطرق الحوار المدهش بين الرجلين: أحدهما متخصص في اللغة، والآخر متلعثم فيها، يشكو مرارا من عدم قدرته على التعبير بوضوح بسبب قلة معرفته باللغة، إلى العلاقة بين العقل البشري والعلم والاختراعات العلمية. ويعبر غوندري عن شعوره بالاحباط عندما يسيء شومسكي فهم السؤال الذي يوجهه إليه بسبب عدم قدرته على صياغته بشكل صحيح، وما يترتب على ذلك من إجابة لا يتوقعها، كما يعلق على ذلك من خلال رسومات تعبر عن فكرة التواصل دونما حاجة إلى اللغة.

متعة المشاهدة
ولعل مما يجعل الفيلم عملا إبداعيا أنك لا تشعر في أي لحظة بالملل من الحوار بل بمتعة مشاهدة تعبير المخرج بالرسوم والحركة والعثور على معادل للأفكار من خلال تلك الأشكال الكرتونية الملونة البسيطة المبتكرة التي تبدو أقرب إلى رسومات الأطفال. وهو يستخدم في التصوير كاميرا عتيقة من مقاس 16 مم تصدر صوتا خشنا نسمعه على شريط الصوت، ونرى رسما لهذه الكاميرا والأشعة تنطلق من عدستها وتتجه صوب صورة حية لشومسكي داخل إطار محدد، مع مزج طول الوقت، مع صور فوتوغرافية ثابتة لمواقع وأماكن وشوارع حقيقية أي من الواقع، وحركة لا تهدأ داخل الكادرات المليئة بالتفاصيل.

يلجأ المخرج مثلا- وهو نفسه الذي قام برسم معظم رسومات الفيلم – الى استخدام الكثير من اللقطات التجريدية للتعبير عما يرويه شومسكي كما في مشهد الحديث عن علاقته بوالده، الذي كان يقضي معه ساعات يقدم له الكتب التي يقرأها، ويعلمه اللغة العبرية. هنا نحن نشاهد رسما لوالد شومسكي بلحيته الكثة، وهو يقف على رأس الطفل نعوم الذي نراه جالسا أمام منضدة صغيرة، والرجل يضع أمامه كتابا ضخما، بينما يدير ذراع آلة ما في حركة دائرية فتتعاقب الصفحات وهو في الوقت نفسه يتطلع عبر عدسة كاميرا إلى داخل عقل نعوم الطفل.. ونرى عيني نعوم وعيني والده تدوران في حركة مستمرة مع دوران ذراع الآلة التي هي أشبه بالكاميرا وتتعاقب الصفحات، مصحوبة بصوت حفيف يبدو مثل صوت لآلة من الآلات البدائية في بدايات العصر الصناعي.
عبر نحو ساعة ونصف الساعة تتعاقب عشرات الصور، وننتقل من فكرة إلى أخرى، في سلاسة وسحر، ويتداخل العام مع الخاص، والذاتي مع الموضوعي، وصانع الفيلم في حديثه مع المفكر، بل وننتقل أيضا من طفولة المفكر الى شبابه الى حياته العاطفية في محاولة للتسلل إلى داخل شومسكي "الإنسان"، وليس فقط عالم اللغويات، في تجربة مثيرة ذهنيا وبصريا، ومن خلال ما يمكن اعتباره من تلك التجارب النادرة في الفيلم الوثائقي المعاصر.
إنه نموذد لسعي الفنان للعثور على أشكال جديدة للفيلم الوثائقي. وهو سعي لن يتوقف طالما استمرت الحياة.

قد ينال إعجابكم