حوارات

مسلمو الصين .. سُجناء العبث

محمد موسى

 

قِصصهم مِثال على فوضى وتردِّي أحوال العالم بعد سبتمبر عام 2001. هم الأويغور الصينيون المسلمون، من نزلاء  سجن غوانتانامو الأمريكي السيء الصيت. فبعد أن هرب هؤلاء من بطش وعنصرية الحكومة الصينية وتوجهوا إلى قرى صغيرة في أفغانستان، حيث يعيش أفغان يحملون العرق التركي نفسه، وجدوا أنفسهم بعد دخول القوات الأمريكية إلى أفغانستان عام 2001 متهمين بالإرهاب والتعاون مع منظمات الطالبان والقاعدة، وبيعوا إلى القوات الأمريكية ونُقلوا إلى السجن العسكري الأمريكي على الطرف الآخر من الكوكب. يُقدم الفيلم التسجيلي "أويغور: سُجناء العبث" للمُخرج التشيلي الكندي باتريسيو هنريكيز، قصص مجموعة من السجناء الأويغور الذين أُطلق سراحهم على مراحل، لكنهم تحولوا، وحتى بعد قرار المحكمة الأمريكية ببراءتهم من الإرهاب، لمُشكلة دولية مُعقدة، فلا أحد كان يرغب باستضافة السجناء السابقين، بعد أن رفضت الحكومة الأمريكية تسليمهم إلى الصين. يستعيد الفيلم فصولاً من تاريخ شعب الأويغور الداميّ والمجهول لكُثر. كما يبرز الفوضى والتناقض لدول العالم المُتقدم، دون أن يغفل عَرض مِحن هؤلاء الرجال الطويلة والتي لازالت مُتواصلة لليوم.

 

عن فيلم "أويغور: سجناء العبث" الذي يعرض حالياً في دائرة المهرجانات السينمائية الدولية حول العالم، كان هذا اللقاء مع المُخرج باتريسيو هنريكيز.

كيف بدأت علاقتك بالأويغور السجناء في معتقل غوانتانامو؟ هل سمعت عنهم عبر الإعلام ؟ كيف تقاطعت دروبكم؟

القصة بدأت بالحقيقة في عام 2005  أثناء عملي على فيلم آخر اسمه: "أندر ذي هوود"، عن التعذيب الذي تمارسه أجهزة أمنية حكومية. بالطبع عندما تعمل على فيلم تقوم بأبحاث واسعة حول الأمر. هذا ما قادني إلى سجن غوانتانامو، الذي يُشكل لاعباً أساسياً في موضوع التعذيب في السنوات الأخيرة. في عام 2006، وعندما كنت منهمكاً بتوليف فيلمي السابق، قرأت مقالة في صحيفة أمريكية عن أول مجموعة أُطلق سراحها من سجن غوانتانامو.كان هذا أمراً مُفاجئاً وقتها، لأن الحكومة الأمريكية أعطت انطباعاً في السابق بأن السجناء في ذلك السجن المُثير للجدل هم حالات ميؤوس منها، "أسوء الأسوء" كما وصفهم وزير الدفاع الأمريكي وقتها ديك تشيني.

 

الأمر الآخر الغريب أنه تم إرسال السجناء السابقين إلى ألبانيا وليس إلى دولهم الأصلية، وهو أمر مُحيِّر كثيراً. لماذا ألبانيا..؟ نعرف أن ألبانيا يسكنها مسلمون لكن هذا ليس سبباً مُقنعاً. ما أثار فضولي وقتها هو إثنية السجناء الذين تم إطلاق سراحهم، فجميعهم كانوا من الأويغور.. حاولت أن أعرف المزيد عن هؤلاء عن طريق الإنترنت، فتعرفت على بعض الحقائق، ومنها سجل الحكومة الصينية مع الأقلية المُسّلمة هناك. اكتشفت أنهم يعيشون هناك لأكثر من ألف عام. وكان لهم دولة مُسلمة حتى عام 1949. وكيف أن زعماء هذه الدولة دُعو لمقابلة الزعيم الصيني ماو بعد الثورة الشيوعية. وفي الطريق وبشكل غامض، اختفت الطائرة التي كانت تقلهم، ثم بعد فترة وجيزة سيطرت الصين على الدولة المُسّلمة. هذا كان مثيراً لي، وأحببت أن أتتّبع قصص من بقوا في السجن من الأويغور وعددهم سبعة عشر سجيناً، إذ أطلقت السلطات الأمريكية سراح خمسة فقط. ثم انتُخب الرئيس أوباما ليطلق سراح المجموعة الثانية إلى جزيرة برمودا. وهو أمر غريب أيضاً، لماذا هذه الجزيرة بالذات التي تقع في مُنتصف البحر. أعرف أن هناك اتفاقات أمنية بين حكومة هذه الجزيرة والحكومة البريطانية.

 

عندها شعرت أن بإمكاني عمل فيلم عن الموضوع، الذي أثار بداخلي الكثير من الأسئلة. كما تعرف نحن صناع الأفلام التسجيلية نبحث دائماً عن القصص الجديدة المُثيرة، وهذه قصة مشوقة، فالرجال من إثنية الأويغور هم بريئون تماماً، ولقد تم مُعاملتهم من قبل الحكومة الأمريكية كإرهابيين. الحكومة الأمريكية كانت تعرف ومنذ القبض عليهم وبيعهم إليها بخمسة آلاف دولار للفرد الواحد، بأنهم ليسوا إرهابيين. كتبت سيناريو للمشروع وقدّمته إلى جهة داعمة كندية، التي وجدت أيضاً أن القصة غريبة وتُثير الغضب، ووافقوا على دعمي لإنتاج هذا الفيلم.

عندما بدأت بالعمل على الفيلم، هل كانت المجموعة قد أُطلق سراحها بالكامل، أم جزء منها فقط؟ هل قابلت بعضاً منهم في سجن غوانتانامو نفسه؟

عندما كنت أكتب القصة في عام 2009، كانت المجموعة الثانية من السجناء قد أُطلق سراحها. وعندما انتهيت من الكتابة في العام اللاحق تم إطلاق مجموعة أخرى ليبقى 7 سجناء فقط . لم أقابل أياً من أفراد المجموعة في سجن غوانتانامو.

هل وصلت إلى المشروع بيقين أن الشخصيات التي ستقدمها بريئة من التُهم المُوجهة إليها؟ هل تعتقد أنه من المُهم للمُخرج الذي يبحث في قصص على هذه الشاكلة أن يُحقق في براءة الشخصيات التي يُقدمها؟

 

في البداية لم أكن أعرف إن كانوا أبرياء أم لا. لكني وكجزء من بحثي اتصلت بمحامييهم الأمريكيين، لسبين: أولاً للإطلاع بالتفصيل على قصصهم، والسبب الثاني المُهم لأني كُنت أعدم وسيلة للاتصال بالمجموعة، وكنت أشك أنه حتى لو نجحت في الإتصال بهم فهناك احتمالية كبيرة بأنهم لن يثقوا بي. فكرت بأني يجب أن أصل للمجموعة عن طريق أشخاص وثقوا فيهم.

 

المحامون كانوا متعاونون للغاية، أعطوني كل المعلومات التي أريد. في الحقيقية تفاجأت بالمحامين، فلقد أنجزوا بُحوثاً مُفصلة عنهم. لقد حصلت منهم على كثير من الوثائق التي توصلوا إليها، وهذا ساعدني في تكوين صورة واضحة. عندها وصلت إلى قناعة ببراءتهم. الشيء الذي لفت انتباهي، أنه وبسبب أن أفراد المجموعة تم التضييق عليها وقمعها عن طريق الحزب الشيوعي الصيني، لذلك تراهم جميعهم ضد الشيوعية والحزب الشيوعي الصيني. هم في المقابل يحبون الولايات المتحدة، وكانوا يرون في الولايات المتحدة البلد الوحيد الذي يمكنه أن يقف بوجه الصين الشيوعية. طبعا هم لم يكونوا واعون أن الحرب الباردة انتهت وأن الصين وأمريكا يرتبطان اليوم بشبكة من العلاقات الاقتصادية. هذا كان أحد الأسباب التي جعلتني أثق ببراءتهم، أي توقهم للقيم الغربية ورغبتهم في التخلص من الشيوعية التي مارست بحقهم كل وسائل الترهيب والإقصاء. عندي بالطبع شكوك أن بعضهم رُبما اشترك في نشاط مُسلح صد الحكومة الصينية. لكن هذه قصة أخرى. وسيكون أمراً طبيعياً إذا وقفوا بوجه الصين، فعندما لا تسمع الحكومة لتطلعات شعبها، فلابد أن تثور مجموعات مُعينة، وهو أمر مقبول على الصعيد الدولي وقضية مُختلفة تختلف جوهرياً عن الإرهاب كما نعرفه.

عندما طلبت من المحامين أن يساعدوني في كسب ثقة موكليهم، حذروني وقتها بأنهم ليسوا واثقين بأن هؤلاء سيقبلون العمل معي. وهذا ما حصل. فهم أخبروا مُحاميهم أنهم ممتنين أني أريد أن أقدم قصصهم لكنوا لايريدون الظهور تسجيلياً. بعدها اقترح عليّ أحد المحامين، أن أوسط إحدى مترجمات السجن والتي تعمل رسميا مع البنتاغون، وهي أيضاً  من أصول أويغورية.  إذ أن السجناء كان يثقون بها كثيراً. لذلك كتبت لها وأرسلت لها خطتي للفيلم. هي وافقت على الحديث معهم، وبعد موافقة المجموعة ساعدتني في  الترجمة. بدونها لم يكن من المُمكن عمل هذا الفيلم.

في الفيلم شاهدنا أربع شخصيات فقط من مجموعة السجناء، هل رفض الآخرون الحديث معك؟

 

لقد قابلت المجموعة الثالثة التي تم إطلاق سراحها. وعددها كان خمسة عشر سجيناً. وقبلها قرأت قصص جميع السجناء من الأُصول الأويغورية، لكني عرفت  في وقت مُبكر بأني غير قادر على تقديم كل القصص في الفيلم لاعتبارات تتعلق بالوقت. في النهاية أردت أن أركز على ثلاثة أو أربعة منهم. أحد الأشخاص رفض التعاون في الفيلم لأن كثير من أهله لازال يعيش في الصين ولم يكن يرغب في خلق المزيد من المشاكل لهم، وأنا تفهمت ذلك بالطبع. كما تعرف عليك في هذه الحالات أن تختار الشخصيات المُناسبة لفيلمك، من التي يمكن أن تنقل القصص بطريقة واضحة، فليس كل شخص قادر على الحديث للكاميرا. هم بشكل عام ناس مُتواضعون لا يحبون الكلام الكثير ومُحافظون بطبعهم. لذلك ارتكز الفيلم على شهادات ثلاثة شخصيات من التي شعرت بالراحة في الحديث للكاميرا.

 

كيف تصف حياة هؤلاء الرجال في بلدانهم الجديدة؟ بدوا لي محطمين نفسياً بفعل التجارب القاسيّة التي مرّوا بها.

بالطبع هم يحملون حزناً كبيراً. تَهدم  شيء ما في دواخلهم. عندما تمرّ بتجربة التعذيب الجسدي، لن تفارقك هذه التجربة ما تبقى من حياتك. لقد تم تعذيبهم بشكل وحشي في أفغانستان نفسها، لم يكن هناك الكثير من التعذيب الجسدي في سجن غوانتانامو مُقارنة بالتعذيب النفسي، كالسجن الانفرادي أو التلاعب بالضوء الموجود في الزنزانات. كل الذين قابلتهم أثناء بحثي لفيلمي السابق عن التعذيب، أخبروني الشيء نفسه: بأنه يُمكن لجروح التعذيب البدنية أن تتعافى، لكن ما يُخلِّفه التعذيب النفسي يبقى معك حياتك كلها. رغم كل ما مرَّ بالمجموعة إلا أني لم ألمس من خلال تعاملي معهم أي نوع من التصرفات التي توحي بأنهم يحملون حقداً ما أو يرغبون بالانتقام. هم يحملون حزناً كبيراً لكنهم ليسوا بالرجال الحاقدين.

لم يتحولوا لأعداء لأمريكا، لكنهم يشعرون أن الولايات المتحدة خذلتهم وخانتهم. هم يميزون أيضاً بين السلطة، أي الرئيس بوش وحكومته، وبين المحامين الذين دافعوا عنهم ببسالة وإخلاص، وأيضاً القاضي الذي أمر بالنهاية الحكومة الأمريكية بإطلاق سراحهم، والمترجمة والتي تنتمي بأصولها إلى الأويغور لكنها تعيش وتحمل الجنسية الأمريكية، والمبعوث الخاص الذي كلفه الرئيس أوباما بإغلاق سجن غوانتانامو، والذي قال لي بأن لطخة سجن غوانتانامو ستبقى في تاريخ الولايات المتحدة للأبد.

الفيلم يقدم قصة السجناء من الأويغور، لكنه يَمرّ بدون تخطيط على قضايا أخرى، وكما أخبرني بعض الذين شاهدوا الفيلم، بخاصة عن مكانة الصين في العالم اليوم. فالولايات المتحدة كانت قد طلبت من جميع الدول الأوروبية استضافة مجموعة السجناء بعد إطلاق سراحهم، لكن هذه الدول رفضت جميعها خشية أن يعكر هذا علاقتها بالصين القوية. رغم أن الولايات المتحدة كانت تقنع هذه الدول ببراءتهم.

ربما كان الرفض الأوروبي مرده أن الأمريكان هم السبب بكل هذه الفوضى، فلماذا لا تأخذهم الولايات المتحدة بدل أن تحاول رمي حملهم على دول أخرى؟

هذا صحيح. لكن المبعوث الأمريكي كان يُجادل وقتها بأن ما حصل كان بسبب الحكومة الجمهورية الأمريكية السابقة التي قادها الرئيس بوش والتي كانت السبب وراء كل هذا. لكن في نفس الوقت، حتى الحكومة البريطانية، الحليفة الأهم للولايات المتحدة في حروبها، والتي قدمت الأرواح والأموال لم تقبل أن تأخذ أياً من السجناء الأويغور. ما أعتقده أن الرفض الأوروبي هذا له علاقة بعدم رغبتهم في إغضاب الصين. إنه موقف مُنافق ومُتناقض في جوهره. فالدول الأوروبية تقول أنها تتصدر دول العالم في احترامها لحقوق الإنسان، لكن عندما يتعلق الأمر بمجموعة صغيرة من اللاجئين تتراجع عن مواقفها، لأنهم يخشون الصين التي أصبحت بنك العالم وسوقه. لذلك نصل إلى نتيجة أن الدول الأوروبية ليست مُهتمة بالديمقراطيات وحقوق الإنسان بقدر اهتمامها بالسوق التجاري والاقتصاد.

تلمس وأنت تشاهد الفيلم، أن الرجال لم يجدوا الإستقرار في حياتهم الجديدة، هم أكدوا هذا في الفيلم، هل تخطط لمتابعة قصصهم؟

صعب عليّ أن أجزم الآن إذا كانت رحلتي معهم انتهت أو إذا كنت سأتعقب حياتهم في المستقبل. أنا مُخرج أتطلع أن أقدم قصصاً مُثيرة بالأساس، بالطبع إذا تطورت قصصهم باتجاه جديد ربما سوف أتابعها، إذ يمكن أن تتحول القصص لفيلم جيد في المستقبل.هناك الكثير من الأفلام التي عادت لنفس الموضوعات التي قدمتها في السابق، لكنه من المُبكر لي القول بأنني سوف أتتبّع الشخصيات.

قد ينال إعجابكم